خسائر السودان الصامتة من رحيل المؤسسات المالية العربية بسبب الحرب؟

منبر بنيان – مقالات من بطون كتب
خسائر السودان الصامتة من رحيل المؤسسات المالية العربية بسبب الحرب؟
هذا المقال ضمن سلسلة منبر بنيان – مقالات من بطون كتب، ليكون وثيقة فكرية واقتصادية وتاريخية تسجل إحدى أكبر الخسائر الاستراتيجية للسودان المعاصر بسبب الحرب: حين رحلت البنوك العربية الكبرى
مدخل: الخرطوم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ليست فقط مدينة السياسة والدبلوماسية، بل موئلًا مهمًا للمؤسسات المالية والتنموية العربية والإفريقية. لم يكن هذا صدفة، بل نتيجة موقع جغرافي استراتيجي، وكوادر بشرية مؤهلة، وحياد دبلوماسي معتدل.
لكن في غضون أسابيع من اندلاع الحرب في أبريل 2023، اختفى هذا الحضور ورحلت المؤسسات، أقفلت الأبواب، وغابت الرايات.
أولًا: المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا (BADEA)
أنشئ عام 1974 بموجب قرار من قمة جامعة الدول العربية.
مقره الرئيسي في الخرطوم حتى أبريل 2023.
تموّله جميع الدول العربية الأعضاء في جامعة الدول العربية .
المهام:

  • تمويل مشروعات التنمية في إفريقيا جنوب الصحراء.
  • دعم التجارة العربية الإفريقية.
  • تقديم منح فنية واستشارات.
  • تدريب وتأهيل الكوادر الإفريقية.
    الأثر المالي:
    ضخ أكثر من 7 مليارات دولار في تمويلات تنموية.
    المصرف كان مصدرًا للعملة الصعبة عبر رواتب موظفيه وتحويلاتهم. وفر وظائف مباشرة وغير مباشرة لعشرات السودانيين من النخبة المصرفية وللاسف في يوليو 2023، أعلن نقل عملياته إلى خارج السودان
    ثانيًا: الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي (AAAID)
    أنشئت عام 1976 بمبادرة من مجلس الوحدة الاقتصادية العربية. واتخذت من الخرطوم مقرًا دائمًا لها.
    المهام:
  • تنفيذ مشروعات زراعية تكاملية بين الدول العربية.
  • دعم الأمن الغذائي العربي.
  • الاستثمار في الصناعات التحويلية الزراعية.
  • بناء الشراكات مع القطاعين العام والخاص.
    الأنشطة:
    أسست شركات زراعية في السودان، مصر، موريتانيا، وغيرها.استثمرت في تصنيع الزيوت، إنتاج الأعلاف، تربية الماشية.كان السودان وجهة رئيسية لمشروعاتها. وفي أعقاب الحرب، أوقفت كل عملياتها في السودان.
    ثالثًا: مؤسسات أخرى غادرت أو جُمّدت
    الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي (بعثات فنية) – اتحاد المصارف العربية (مكتب السودان) – مكتب البنك الإسلامي للتنمية – صناديق تمويل عربية خاصة .
    الآثار الاقتصادية على السودان:
    عملات صعبة – توقف ضخ مباشر عبر الموظفين والمصروفات التشغيلية
    وظائف مميزة – فقدان فرص عمل نادرة في مؤسسات دولية علاقات دولية وتراجع المكانة الاقتصادية والدبلوماسية
    مشروعات – تجميد عشرات المشاريع في الزراعة والطاقة والطرق
    الثقة المالية – انخفاض تصنيف السودان كمركز مالي موثوق
    الدلالات الاستراتيجية:
    السودان لم يفقد مباني فحسب، بل فقد مكانته الجيو-اقتصادية. كانت المؤسسات تمثل نافذة على التمويل العربي والإفريقي.
    الحرب لم تدمر البنية فقط، بل نزعت ثقة المؤسسات الدولية.
    الحرب مزقت الهيبة
    إن خسارة السودان لهذه المؤسسات ليست مجرد انسحاب إداري، بل هي صفعة على جبهة السيادة الاقتصادية.
    فقدنا مؤسسات كانت تمنح الخرطوم وهجًا غير مرئي، وجسورًا للتمويل، وفرصًا للنخبة المصرفية.
    اليوم، ونحن نحلم بسلام، يجب أن نضع في المقدمة سؤالًا مؤلمًا: هل نكتفي برؤية المصارف والهيئات تُهاجر… أم نخطط لعودتها؟
    الخاتمة:
    انه من واقع ارتباطي الشخصي بالمصرف العربي التنميه الاقتصاديه في أفريقيا ضمن هيكله الوظيفي حيث كنت اعمل داخل جدران هذه المؤسسه التنمويه العريقه لمده حوالي ربع قرن من الزمان حيث بدأت علاقتي به في منتصف سبعينيات القرن الماضي ولذلك لدي فهم عميق للخساره التي تكبدها السودان بسبب هذه الحرب اللعينه والتي انبني عليها رحيل هذه المؤسسه ولتوضيح فداحة هذه الخساره رأيت ان أطرحها في هذا المقال في شكل مقارنه للميزه النسبيه للمصرف العربي على ثلاثه من صناديق التنميه العربيه الاخري المماثله والتي يطلق عليها المؤسسات المالية العربية وهى أ- صندوق النقد العربي ب- المؤسسة العربية لضمان الإستثمار ج- الصندوق العربي للإنماء الاقتصداى والاجتماعى وتنصب المقارنه خصوصا في دور المصرف العربي التنموي في إفريقيا.
    أولًا: التميّز النسبي للمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا (BADEA)
    نطاق الجغرافيا والتخصص الفريد:
    المصرف وحسب تركيبة اسمه موجّه حصريًا إلى الدول الإفريقية غير العربية (بموجب قرارات القمم العربية)، مما يجعله أداة للدبلوماسية الاقتصادية العربية في إفريقيا جنوب الصحراء. على عكس المؤسسات الأخرى المذكورة أعلاه، حيث أن المصرف يسعى لتعزيز العلاقات العربية الإفريقية سياسيًا واقتصاديًا.
    تركيزه على التنمية الشاملة:
    لا يقتصر على التمويل فقط، بل يشمل نقل التكنولوجيا، التدريب، الدعم الفني، وبناء القدرات.
    استقلاله النسبي وتخصصه التنموي:
    مؤسسة تمويل تنموي خالصة، وليست مؤسسة نقدية كـصندوق النقد العربي أو مؤسسة ضمان الاستثمار.
    ليس هدفه الربح بل التنمية طويلة الأجل عبر القروض الميسّرة.
    ثانياً: ما الذي كان يميز وجود مقر BADEA في الخرطوم قبل الحرب؟
    الرمزية الجيوسياسية:
    وجوده في الخرطوم كان رمزًا لدور السودان الجيوسياسي كحلقة وصل بين العرب وإفريقيا.
    منح السودان موقعًا معنويًا فريدًا في التنسيق العربي الإفريقي.
    الفوائد الاقتصادية غير المباشرة للسودان:
    فرص توظيف الكفاءات السودانية (خبراء، اقتصاديين، إداريين).
    جذب مؤتمرات، وفود، تدريب، وبعثات فنية.
    دعم الشركات السودانية التي دخلت في تنفيذ مشاريع عبر BADEA
    ثالثاً: نجاحات المصرف العربي للتنمية في إفريقيا (أمثلة واقعية)
    مشروعات تنموية ضخمة في مجالات:
    الزراعة والري (سدود صغيرة، نظم ري). – الصحة والتعليم (مراكز صحية، مدارس). – البنية التحتية (طرق ريفية، مياه، طاقة).
    نجاحات في التمويل التجاري:
    فتح خطوط تمويل مع مصارف إفريقية لشراء بضائع من دول عربية، خاصة الدواء والمعدات الطبية.
    برامج تدريب سنوية:
    تدريب آلاف الفنيين والكوادر من الدول الإفريقية، وبعضها تم في دول عربية ومنها السودان.
    حسن السمعة المؤسسية:
    تقارير الشفافية والأداء تشير دائمًا إلى كفاءة إدارية عالية مقارنة بصناديق دولية مشابهة.
    خامسًا: تحليل جانبي – لماذا هذا التميز مهم الآن؟
    في ظل تصاعد النفوذ الصيني والروسي في إفريقيا، يصبح BADEA أحد أدوات القوة الناعمة العربية.
    يمكن أن يكون جسرًا اقتصاديًا يعزز الفرص أمام الدول العربية ذات القدرات التصديرية، مثل مصر، المغرب، .
    نجاحه يعطي مثالًا لما يمكن أن تفعله الاستثمارات الذكية طويلة الأجل في بناء النفوذ العربي في إفريقيا بدون استعمار أو استغلال.
    المصرف العربي للتنمية في إفريقيا ليس مجرد مؤسسة تمويل، بل هو تجسيد لفكرة التضامن العربي الإفريقي. ويُعتبر وجوده السابق في الخرطوم امتدادًا لدور السودان الطبيعي في محيطه الإفريقي والعربي. ويُميز المصرف عن غيره تركيزه الحصري على الدول الإفريقية غير العربية، وقيامه بدور مزدوج تنموي وتجاري، مما جعله فاعلًا نادرًا في ساحة تموج بالتنافسات الدولية.
    عبدالعظيم الريح مدثر
    8/7/2025
    sanhooryazeem@hotmail.com

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …