خطاب وزيرة الخارجية لمجلس الأمن حول السد الإثيوبي… لِواذ المستيئس .. بقلم: د. محمد عبد الحميد

تقدمت السيدة وزيرة الخارجية السودانية بخطاب لمجلس الأمن الدولي في ٢١ يونيو ٢٠٢١م وقد نشرت صحيفة سودانايل الالكترونية نص الخطاب الذي ترجمته الصحفية لبنى احمد حسين بتاريخ ٢٣ يونيو ٢٠٢١م. وبالرغم من أن الخطاب قد تطرق في ثناياه لما قد ينجم عن السد من أضرار يتعرض لها الناس والبيئة، إلا أن الخطاب في مجمله مؤسس على ذات الموقف والفلسفة التي تقر وتعترف بأن للسد فوائد على السودان يمكن تقاسم عوارفها مع إثيوبيا. وبذلك يكون الخطاب رغم ترصيعه بالعبارات التي تؤكد أن هنالك مخاطر وأضرار إلا أنها مخاطر مُدركة من خلال عامل أساسي ينسف فكرة الخطاب لمجلس الامن من أساسها وهي ما وصفه الخطاب “بالتعنت الإثيوبي في التوصل لإتفاق ملزم حول الملء والتشغيل”. وهذا في واقع الأمر جانب فني لا يشغل مؤسسة كمجلس الأمن الدولي التي تُعنى بالمحافظة على الأمن والسلم الدوليين.
مهما يكن من امر، فقد كان يمكن أن يكون الخطاب محل نظر حقيقي إذا ما أقر بأن السد كمنشأة يمثل خطرا ماثلاً eminent hazard وبالتالي فانه ينطوي على مخاطر غير مقبولة unacceptable risks بالنسبة للسودان ويعتير “منشأة عدوانية” تهدد حياة أكثر من عشرين مليون سوداني من قاطني النيل الأزرق ونهر النيل في السودان، وأن السودان لن يقف مكتوف الأيدي إزاء هذا الخطر الداهم مما قد يهدد الأمن والسلم في المنطقة …. هنا يمكن لمجلس الأمن أن ينظر بعين الاعتبار لهذا المهدد. أما تركيز الخطاب على موقف اثيوبيا المتعنت في الوصول لإتفاق ملزم حول الملء والتشغيل، فذلك أمر لا يعد من شواغل المجلس. فالسد من حيث هو وبحسب ما ورد في الخطاب منشأة ذات فوائد منظورة للسودان حال قلبت اثيوبيا بتوقيع ذلك الإتفاق الملزم قانونياً حول الملء والتشغيل لاسيما وأن الخطاب أكد على أن الدول الثلاث السودان ومصر واثيوبيا يمكنهم البناء على ” تسعين في المائة من القضايا التي تم الإتفاق عليها بالفعل في الجولات السابقة” بهذه الفقرة فقط تنتفي صفة التعنت عن إثيوبيا طالما أقرت وزيرة الخارجية بأنها اتفقت معهم على تسعين في المائة من القضايا العالقة… وبهذا فان المطلوب من مجلس الأمن هو دفع اثيوبيا من خلال الضغط عليها لتوقيع اتفاق حول الملء والتشغيل… أما السد من حيث هو سد بسعة تبلغ ٧٤ مليار متر مكعب فلا يشكل أي مخاطر بالنسبة للوزيرة ولا للموقف السوداني الرسمي. وهذا ما أكده الخطاب في غير موقع ومنذ البداية حيث ورد ما نصه :(اكتب إليكم بخصوص آخر التطورات المتعلقة بنزاع سد النهضه والضرر الجسيم الذي يواجه السودان في مواجهة الملء الثاني أحادي الجانب …. ) إذن الشاغل الأساسي للوزيرة والموقف الرسمي هو الملء الأحادي.. وهو أمر بالنسبة لمؤسسة دولية كمجلس الأمن لا يُعد مشكلة ذات بال، ويمكن بالرجوع الي ما تم الاتفاق عليه أن يصل لخلاصة مهمة أن يطلب من اثيوبيا ان تمضي في الملء أما مقابل اتفاق جزئي كما تعرض إثيوبيا الآن. أو أن يشير الي ضرورة أن تمضي اثيوبيا قُدماً في عملية الملء دون أن توقع ضررا ذا بال على السودان وفي كل الأحوال لن يتدخل مجلس الأمن لحسم موضوع “مفيد” بالنسبة للسودان من ناحية مبدئية.
هنالك نقطة مهمة يجب التركيز عليها وهي أن الخطاب تطرق في سياقه العام الي مسالة أمان السد وهي أكثر المسائل المفصلية التي كان من المفترض أن تنبني عليها فلسفة الموقف السوداني منذ البداية، غير أن هذه القضية بالذات تم غض النظر عنها ولم تعد قضية بالنسبة للمفاوض السوداني، وتخطاها بدليل أنه قد بنى موقفه بأن السد آمن من ناحية هندسية. بل أكد أحد المفاوضون أنهم كجانب سوداني أدخلوا بعض التعديلات على جسم السد وأن اثيوبيا لم تستجب فقط لذلك، وإنما أنفقت ملايين الدولارات على ذلك التعديل، وهم بذلك مطمئنون تماماً على سلامة السد. بالدرجة التي جعلتهم يبشرون أهل السودان بالخير العميم الذي سينشره السد عليهم في نجوعهم وقراهم وسائر مضاربهم، لذلك فإن اللجؤ لمجلس الأمن في قضية لا تُعتبر مهدد للأمن والسلم الدوليين، تبقى بمثابة لِواذ لمستيئس لم يعد يقوى على الظفر من الغنيمة حتى بمجرد الإياب.

د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …

اترك تعليقاً