خطيئة الحرية والتغيير في إفلات اللجنة الأمنية من المحاسبة الثورية لايمكن تجاوزها بالاحتفاء والوهم

hafiz_63@yahoo.com

✍️الفرصة التي أُهدرت: لكنها حاضرة
خطيئة الحرية والتغيير في إفلات اللجنة الأمنية من المحاسبة الثورية لايمكن تجاوزها بالاحتفاء والوهم

عبدالحافظ سعد الطيب

كوشيب اذكى من على عثمان الذي لاينجية من القادم الا الموت

في لحظة كانت فيها نار الثورة ما تزال متقدة، والدماء لم تجف بعد على شوارع الخرطوم وأم درمان وبحري، ارتكبت قوى الحرية والتغيير أكبر أخطائها الكارثية: تخلّت عن المحاكمة الثورية السريعة للجنة الأمنية التي شكّلت عماد نظام الإنقاذ، وعلى رأسها علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية والمشرف العام على الأجهزة الأمنية والعسكرية.

ذلك القرار لم يكن مجرد خطأ سياسي؛ بل كان انتحاراً ثورياً بطيئاً، إذ منحت الثورة أعداءها فرصة ذهبية لإعادة تنظيم صفوفهم تحت لافتات “الانتقال” و”الاستقرار” و”العدالة وفق القانون”، بينما القتلة ظلوا يتحركون بحرية في وضح النهار.

أصل الجريمة: توجيه “Shoot to kill”

في ذروة الاحتجاجات التي واجهها نظام البشير، أصدر علي عثمان محمد طه توجيهات مباشرة للأجهزة الأمنية والعسكرية باستخدام العنف المميت ضد المتظاهرين.
كانت عبارته الصارخة “Shoot to kill” – أي أطلقوا النار لتقتلوا – إعلاناً رسمياً لسياسة الرصاص الحي ضد المدنيين.

لم تكن تلك الكلمات مجرد انفعال أو تهديد بل أمر عمليات سياسي وأمني، تُرجم فوراً على الأرض إلى أكثر من 200 شهيد، معظمهم أصيبوا برصاص مباشر في الرأس أو الصدر.
كانت تلك المجازر تنفيذاً حرفياً لتوجيهات نائب الرئيس، في سلسلة أوامر صدرت من قمة هرم السلطة إلى أدنى وحدات الأمن والمخابرات.

المناورة السياسية بعد الثورة

حين انتصرت إرادة الجماهير وأسقطت رأس النظام، كان المفترض أن تُفتح محاكم ثورية علنية تُحاسَب فيها اللجنة الأمنية على جرائمها.
لكن ما حدث هو العكس تماماً:

جرى تجميد أي إجراءات عدلية عاجلة بحجة انتظار “العدالة الانتقالية”.

أُبقي على القوانين نفسها التي شرّعها النظام القديم، وهي التي تضمن الإفلات من العقاب.

وبدلاً من المحاكم، فُتحت قنوات تفاوض مع ذات الأجهزة التي قتلت الشعب، لتصبح طرفاً في “شراكة سياسية”.

هكذا تحوّلت الثورة إلى صفقة، وانتهت العدالة إلى وعد مؤجل لا يأتي.

علي عثمان.. ظل النظام وخيوط الظلام وعرّاب القمع

لم يكن علي عثمان محمد طه مجرد مسؤول في النظام؛ بل العقل المدبّر للمنظومة الأمنية والعسكرية منذ انقلاب 1989 وحتى سقوط البشير.
هو من أنشأ أجهزة الأمن الحديثة، وهو من ربطها مباشرة بالرئاسة، وهو من أشرف على أخطر ملفات القمع والتصفية السياسية في تاريخ السودان المعاصر.
وحين صدرت أوامره بـ”Shoot to kill”، كان يعلم تماماً أن الأجهزة ستنفذ دون تردد، وأن القانون الذي صاغه بنفسه سيحميهم لاحقاً من أي مساءلة.

الحرية والتغيير.. من الثورة إلى التسوية

خطأ الحرية والتغيير لم يكن في حسن النية، بل في سوء التقدير.
حين رفضت المحاكم الثورية بحجة “احترام القانون”، نسيت أن القانون نفسه كان سلاح النظام ضد العدالة.
تحدثت عن دولة القانون وهي تتعامل مع أجهزة صاغت القوانين لحماية المجرمين، وعن انتقال ديمقراطي وهي تعقد الصفقات مع من انقلبوا على الديمقراطية طوال ثلاثة عقود.

تلك كانت لحظة الفشل الكبرى، حين غلب منطق الغزل السياسي على منطق القصاص الثوري، وحين فُضلت المساومة على المحاسبة، بحجة “عدم الانتقام”، في حين أن العدالة ليست انتقاماً، بل ضمان لعدم تكرار الجريمة.

النتيجة الكارثية

تُركت اللجنة الأمنية دون محاسبة، فترعرعت من جديد، واستعادت نفوذها داخل الدولة والجيش والإعلام والمال.
ومن رحم هذا الإفلات، وُلدت كل الكوارث اللاحقة:

الانقلابات المتكررة. والحرب
عودة النظام القديم بوجوه بلبوسية
انفجار الحرب الحالية التي تلتهم البلاد.

الثورة التي لم تقتص لدماء شهدائها، كان لابد أن يُعاد استهدافها، لأن الجريمة بلا عقاب تولّد جرائم أكبر.

العدالة الثورية ليست رفاهية، بل ركيزة وجود الثورة نفسها.
وما لم تُفتح ملفات اللجنة الأمنية وعلى رأسها علي عثمان محمد طه، وما لم تُحاكم وفق معايير الثورة لا وفق قوانين النظام، فسيبقى السودان يعيش في الدائرة الجهنمية ذاتها:
انقلابات، دماء، تسويات، ثم خيانات جديدة.

“من يأمن العقاب، يتفرعن.”

وقد تفرعنوا فعلاً لأن الحرية والتغيير آمنتهم العقاب.

احسن تسلم نفسك للجنائية وتفلت من عقاب السودانين وثورتهم القادمة مابتفرط تاني

عن عبدالحافظ سعد الطيب

شاهد أيضاً

من الإنقاذ إلى تأسيس: غسيل الباطل بالدم والذهب.. والجنجويد مقاول حرب لافصيل ثورة

hafiz_63@yahoo.com لم تبدأ المأساة من اليوم، ولا من فراغ، بل خرجت من رحمٍ واحدٍ أنجب …