باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 4 يونيو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. سلمان محمد أحمد سلمان
د. سلمان محمد أحمد سلمان عرض كل المقالات

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (5– 29):

اخر تحديث: 4 يونيو, 2026 1:59 مساءً
شارك

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (5– 29):
مبادئ الإيقاد 1994
د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
كانت المحطات الثلاثة السابقة من هذه السلسلة من المقالات عن حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان هي:
إعلان فرانكفورت الذي صدر في 25 يناير عام 1992،
ومفاوضات أبوجا في عامي 1992 و 1993،
ثم محطة الإيقاد التي لجأت إليها حكومة الإنقاذ في شهر مارس عام 1994، كوسيطٍ بينها وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان، والفصائل المنشقة عنها.
سوف يتناول هذا المقال مبادئ الإيقاد التي صدرت رسمياً في 20 يوليو عام 1994، وما تبع ذلك من الرفض الكامل لهذه المبادئ في 6 سبتمبر عام 1994 بواسطة حكومة الإنقاذ التي كانت قد سعت سعياً حثيثاً لوساطة الإيقاد.
2
كما ذكرنا في المقال السابق فقد دارت جولة المفاوضات الأولى تحت رعاية الإيقاد في وزارة الخارجية الكينية في 21 مارس عام 1994.
وكما أوضحنا في ذلك المقال فقد كان وفد حكومة الإنقاذ مُصرّاً على أن تبدأ المفاوضات من حيث انتهت الجولة الثانية من مفاوضات أبوجا، وأن يتركّز التفاوض على مصادر التشريع واستثناء الولايات التي بها أغلبية غير مسلمة من تطبيق الشريعة الإسلامية، ومسائل تقسيم الثروة والوضع الدستوري في المرحلة الانتقالية.
من الجانب الآخر كان رأي جناحي الحركة الشعبية لتحرير السودان أن تتركّز المفاوضات على حق تقرير المصير والاجراءات الانتقالية التي ستسبق الاستفتاء.
استمع الوسطاء للأطراف الثلاثة وقرّروا إنهاء الجولة الأولى لإجراء مزيدٍ من التشاور، على أن تُعقد الجولة الثانية من المفاوضات في شهر مايو عام 1994.
3
بدأت الجولة الثانية لمفاوضات الإيقاد في 18 مايو عام 1994، بعد شهرين من الجولة الأولى. مثّل الأطراف الثلاثة نفس الشخصيات التي حضرت الجولة الأولى عدا القليل منهم، وكرّر كلُّ طرفٍ من أطراف التفاوض موقفه السابق الذي أثاره خلال الجولة الأولى من هذه المفاوضات.
بعد نقاشٍ استمر طوال اليومين الأوليين أصدرت لجنة وساطة الإيقاد مسوّدة لما اسمته إعلان المبادئ (مبادئ الإيقاد) في 20 مايو عام 1994. شمل إعلان المبادئ عدّة نقاط، أهمها أن النزاع في السودان لا يمكن حلّه عسكرياً، لأن الحلّ العسكري لن يحقّقَ سلاماً قابلاً للاستمرار.
تضمّن الإعلان تأكيد حق مواطني جنوب السودان في تقرير مصيرهم عبر الاستفتاء، مع إعطاء الأولوية لوحدة السودان، وإنشاء دولة علمانية وديمقراطية تسود فيها حرية الاعتقاد والتعبّد، وفصل الدين عن الدولة. شمل إعلان المبادئ نصوصاً عن التفاوض حول الترتيبات للفترة الانتقالية وإجراءات وقف إطلاق النار.
4
دار نقاشٌ مطولٌ بين الأطراف الثلاثة مع سكرتارية المؤتمر المكوّنة من وزراء خارجية الدول الأربعة (كينيا ويوغندا وإثيوبيا وإريتريا). أقرّت السكرتارية مسودة إعلان المبادئ التي صدرت في 20 مايو عام 1994، في اليوم الأخير من الجولة الثانية من المفاوضات، وأصبحت الموقف الرسمي لوسطاء الإيقاد.
اعترضت الحكومة السودانية بشدة على عدّة نقاط في مسوّدة المبادئ خاصةً حق تقرير المصير، وعلمانية الدولة، بينما رحب بها وفدا الحركة الشعبية.
إزاء هذه الخلافات أعلن رئيس لجنة الوسطاء السيد كولونزو مسيوكا، وزير خارجية كينيا، انتهاء الجولة الثانية من مفاوضات الإيقاد، على أن تُعقد الجولة الثالثة في 19 يوليو عام 1994، أي بعد شهرين من تلك الجولة، لإعطاء الوفود مزيداً من الوقت لدراسة المسودة.
5
وهكذا فجأةً وبلا إنذارٍ، أو حتى مقدماتٍ، تبنّت الإيقاد مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. كانت تلك قنبلةً هائلةً، انفجرت بعد حوالي الشهرين فقط من قبول وساطة الإيقاد التي سعت حكومة الإنقاذ سعياً حثيثاً إليها.
لا بد أن الدهشة والغضب قد عمت كل أطراف الحركة الإسلامية على هذا التطوّر غير المتوقّع. وبدأ تبادلُ الاتهامات بين قيادات الإسلاميين عن ذلك التطور الخطير، والجدلُ حول مبادرة الإيقاد، ومن سعى إليها، ومن وافق عليها وشارك فيها.
6
في تلك الأثناء بدأت الجولة الثالثة من مفاوضات الإيقاد في موعدها المحدد. وقد تواصل تمثيل الأطراف الثلاثة بنفس أعضاء الوفود للجولات السابقة.
أعلنت سكرتارية مفاوضات الإيقاد تمسّكها بالمسودة التي صدرت في 20 مايو عام 1994، كما هي.
أكّد الوفد الحكومي رفضه لمسودة الإعلان، بينما أعلنت الحركة الشعبية قبولها مسودة الإعلان. وأصبح التفاوض والنقاش والجدل في حقيقة الأمر بين سكرتارية مفاوضات الإيقاد والوفد الحكومي.
وقد ذكّرت سكرتارية مفاوضات الإيقاد الوفد الحكومي باتفاقية فرانكفورت وحق تقرير المصير الذي تضمّنته تلك الاتفاقية. ولكن الوفد الحكومي أثار مسألة قدسية الحدود بموجب ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية.
كما رفض الوفد مسألة علمانية الدولة مشيراً إلى أن أغلبية أهل السودان المسلمة هي التي أقرّت مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية.
7
لكن سكرتارية المفاوضات كانت قد حسمت أمرها.
فقد صدر إعلان مبادئ الإيقاد للسلام رسمياً في 20 يوليو عام 1994، كما رسمت خطوطه العريضة المسودة التي تمّت مناقشتها في الجولة الثانية للمفاوضات في مايو عام 1994. وقد أصبح إعلان مبادئ الإيقاد في ذلك اليوم (20 يوليو عام 1994) الموقفَ الرسمي للإيقاد في مفاوضات السلام السودانية.
وهكذا سجّلت الحركة الشعبية بصدور مبادئ الإيقاد انتصاراً سياسياً ودبلوماساً كبيراً، رعته بعنايةٍ، واستخدمته بذكاءٍ كبير بدايةً في مفاوضاتها مع الأحزاب الشمالية، ثم مع حكومة الإنقاذ لاحقاً، كما سنناقش في المقالات القادمة.
8
أشارت ديباجة مبادئ الإيقاد للمحادثات السابقة بين جمهورية السودان من جانب، والحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان، والحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان – الفصيل المتحد من جانبٍ آخر.
وتحديداً فقد أشارت الديباجة إلى اتفاقية أديس أبابا في أغسطس 1989، ونيروبي في ديسمبر 1989، وأبوجا في مايو/يوليو 1992، وأبوجا في أبريل/مايو 1993، ونيروبي في مايو 1994، ثم إلى إعلان فرانكفورت في يناير 1992.
وأكدت الديباجة أن تاريخ وطبيعة النزاع السوداني تبرهن على أن الحل العسكري لن يجلب السلام والاستقرار للسودان، وأن الحل السلمي والعادل يجب أن يكون الهدف المشترك لأطراف النزاع.
9
تضمّنت الفقرة الثانية من الديباجة إشارةً صريحةً إلى مبدأ حق تقرير المصير، ونصّت على الآتي: “يجب التأكيد على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان لتحديد وضعه المستقبلي عن طريق الاستفتاء.”
رغم هذا النص الصريح التأكيدي لحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، فقد أشار الإعلان إلى أن الحفاظ على وحدة السودان يجب أن يُعطى الأولوية من جميع الأطراف، شريطة أن يتم التقيّد بمجموعة مبادئ في الإطار القانوني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. شملت هذه المبادئ الاعتراف بأن السودان بلدٌ متعدّد الأعراق والشعوب والأديان والثقافات المجتمعية، لذا يجب تأكيد واحترام هذه الاختلافات، وضمان العدالة السياسية والاجتماعية لجميع شعوب السودان بالقانون.
أضافت هذه الفقرة أن الحق الشامل في تقرير المصير، سواءٌ بالفيدرالية أو الحكم الذاتي أو خلافه لشعوب السودان، يجب التأكيد عليه.
10
بعد تأكيد حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان لتحديد وضعه المستقبلي، ومنح بقية المجموعات في السودان الحق في الحكم الفيدرالي أو الحكم الذاتي، تضمّنت مبادئ الإيقاد نصّاً عن علمانية الدولة السودانية.
فقد نصّت الفقرة الثالثة من الإعلان على ضرورة تأسيس دولة علمانية ديمقراطية في السودان، وضمان حرية المعتقد والعبادة والممارسات الدينية بالكامل لجميع المواطنين السودانيين، وفصل الدين عن الدولة، على أنه يمكن أن تكون أسس القوانين الشخصية والعائلية مبنيّةً على الدين والتقاليد.
كما أشارت المبادئ إلى ضرورة تحقيق العدالة الملائمة في توزيع الثروة بين مختلف شعوب السودان وتضمين حقوق الإنسان المتعارف عليها دولياً، واستقلال القضاء في دستور السودان.
11
عادت المبادئ مرة أخرى لتشير إلى أنه في حالة عدم الاتفاق على هذه المبادئ فإن الشعوب المعنيّة سيكون لها الخيار في تحديد مستقبلها، بما في ذلك الاستقلال عبر الاستفتاء.
اختتمت المبادئ بالإشارة إلى فترة انتقالية يتفق الأطراف على مدتها ومهامها، وعلى وقفٍ لإطلاق النار يدخل حيز التنفيذ كجزءٍ من الاتفاق الشامل لحل النزاع في السودان.
12
كان واضحاً أن حكومة الإنقاذ قد خسرت، وبجدارةٍ، رهان وساطة الإيقاد التي سعت إليها سعياً حثيثاً، والتي كانت تؤمّل أن تخرجها من مأزقِ إعلان فرانكفورت وحرجِ أبوجا.
لكن الإيقاد أضافت إلى حق تقرير المصير لجنوب السودان المضّمن في إعلان فرانكفورت منح نفس الحق للأقليات الأخرى في السودان إذا تمّ خرقٌ للحقوق الأساسية لهذه الأقليات المضمّنة في الإعلان.
وكأن هذا لايكفي، فقد أكّد إعلان مبادئ الإيقاد علمانية الدولة السودانية وفصل الدين عن الدولة.
13
كان تكوين لجنة وساطة الإيقاد من إثيوبيا وإريتريا وكينيا ويوغندا يحمل في طياته بذور مثل هذا الإعلان. فإثيوبيا تحت نظام ميليس زيناوي وافقت على حق تقرير المصير لإريتريا، ولم تضع أيَّ عراقيلٍ في وجه الاستفتاء لشعب إريتريا. وفي حقيقة الأمر فقد كانت إثيوبيا أولَ دولةٍ تعترف بإريتريا عندما صوّت شعب إريتريا لصالح الانفصال.
وقد تضمّن دستور إثيوبيا الذي صدر في عهد السيد زيناوي حق تقرير المصير لكل المجموعات العرقية في إثيوبيا. عليه فلم يكن متوقّعاً أن تقف إثيوبيا في وجه حق تقرير المصير لجنوب السودان.
ولا يعقل أن تقف إريتريا التي حاربت لنحو أربعين عاماً لتنال حق تقرير المصير في طريق مجموعةٍ أخرى ظلّت تحارب من أجل نفس الحق لفترةٍ أطول من حرب إريتريا نفسها.
وقد كان السودان يعرف جيداً موقف كينيا ويوغندا المتعاطف مع جنوب السودان منذ أن نالت هاتان الدولتان استقلالهما في بداية الستينيات. لذا كان غريباً أن تعهد حكومة الإنقاذ في السودان إلى هذه الدول الأربعة بمهمة التوسّط لحل النزاع في السودان، وتتوقّع منها قراراتٍ غير تلك التي تضمّنها الإعلان.
14
كما أن حكومة السودان نفسها كانت قد وافقت على حق تقرير المصير في إعلان فرانكفورت، ونوّهت إلى موافقتها عليه خلال مفاوضات أبوجا ومفاوضات نيروبي التي تزامنت مع مفاوضات أبوجا.
وقد أشار الوسطاء مراراً وتكراراً إلى إعلان فرانكفورت وظلّوا يُذكّرون الوفد السوداني به. وقد أشارت ديباجة إعلان مبادئ الإيقاد إلى إعلان فرانكفورت كما ذكرنا أعلاه. ولم تفلح محاولات الوفد الحكومي خلال جولتي المفاوضات في أبوجا في التنصّل من إعلان فرانكفورت.
بل إن المتابع لعملية التفاوض يحسُّ أنه كلما حاولت حكومة الإنقاذ التنصّل من الإعلان، كلما زادت قناعة الوسطاء بعدالة موقف الحركة الشعبية التي ظلّت تشكو من نقض العهود بواسطة الحكومات السودانية المختلفة منذ الاستقلال، وبعدم جدّية حكومة الإنقاذ في التفاوض معها، أو في التعامل مع الوسطاء.
15
كانت سكرتارية المفاوضات قد أوضحت بعد تسليم نسخٍ من إعلان مبادئ الإيقاد إلى جميع الأطراف أن الجولة الرابعة للمفاوضات ستبدأ في 5 سبتمبر عام 1994. أعلنت السكرتارية أنها سوف تواصل اتصالاتها بالأطراف لتقريب وجهات النظر حول الاستفتاء وإجراءاته وترتيبات الفترة الانتقالية من أجل مناقشة هذه المسائل والاتفاق عليها خلال الجولة الرابعة.
عليه فقد تجاوزت سكرتارية الإيقاد مسألة حق تقرير المصير لجنوب السودان في 20 يوليو عام 1994، وأصبحت نقاط التركيز بعد ذلك التاريخ هي تفاصيل إجراءات الاستفتاء وترتيبات المرحلة الانتقالية.
16
لقد كان إعلان فرانكفورت مأزقاً تاريخياً أدخلت حكومة الإنقاذ السودان فيه. وزادت محاولات التنصّل منه الوضع سوءاً لحكومة الإنقاذ. لقد أخرج الدكتور علي الحاج مارد تقرير المصير من قمقمه في 25 يناير عام 1992 في مدينة فرانكفورت الألمانية. وعَبَرَ الإعلانُ الحدودَ إلى غرب أفريقيا، ثم شرقها، وأصبحت مسألة إعادة هذا المارد إلى قمقمه أمراً مستحيلاً.
وزاد الوضع سوءاً لحكومة الإنقاذ اختيارها لمنظمة الإيقاد كوسيطٍ دون دراسة هذه المسألة بتأني وفهمٍ لطبيعة المنظمة وعضويتها وأهدافها.
17
تغيّرت استراتيجية حكومة الإنقاذ بعد الجولة الثالثة من المفاوضات إلى الرفض التام لمبادئ مبادرة الإيقاد التي سعى السودان لوساطتها بدايةً، وتغيرّت معها تشكيلة الوفد المفاوض.
عهدت الحكومة برئاسة الوفد المفاوض للجولة الرابعة لمفاوضات الإيقاد إلى الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، وشملت عضوية الوفد الدكتور نافع علي نافع، والدكتور مطرف صديق.
18
وصل الوفد نيروبي في 5 سبتمبر والتقى سكرتارية الوساطة في يوم 6 سبتمبر عام 1994. وقد كتب الدكتور غازي العتباني الآتي يصف مهمته وأسبابها ونتائجها:
“في سبتمبر من عام 1994 انتُدبتُ لقيادة وفد مباحثات السلام في كينيا بدلاً عن الرئيس السابق للوفد. كان ذلك التكليف لمرةٍ واحدةٍ فقط، وكانت المهمة التي أُوكِلت إليّ واحدةً ومحددةً للغاية وهي إلغاء إعلان مبادئ مبادرة الإيقاد الذي صاغه الوسطاء، أو إلغاء مبادرة الإيقاد من أساسها.
الدافع لهذا التحول نما من الإدراك بأن مبادرة الإيقاد أصبحت شركاً كبيراً. فهذه المنظمة التي ترجمت اسمها «السلطة بين الحكومات من أجل التنمية»، والتي لم تكن تملك في رصيدها آنذاك ولا الآن إنجازاً واحداً في التنمية، اسْتُخدمتْ واجهةً للولوج إلى عمق الشأن السوداني. وكانت الدول الأربعة التي تولت التوسط بين الحكومة السودانية والحركة المتمردة آنذاك (يوغندا، كينيا، إثيوبيا، إريتريا) في عداءٍ مستحكمٍ مع السودان، ولم يكن مرجواً من أيّةٍ منها أن تنصف السودان في أيّة قضية محل نزاع، وهذا بالضبط ما حدث.
أدى الوفد مهمته بكفاءةٍ عاليةٍ، إذ دام الاجتماع حوالي خمس وثلاثين دقيقة فقط. رفض الوسطاء، الذين نصبوا أنفسهم قضاة في ذات الوقت، تعديل إعلان المبادئ فكان البديل هو أن تموت مبادرة الإيقاد التي أصبحت بالفعل بعد ذلك الاجتماع العاصف كبيتٍ مهجور تخرقه الأنواء من كل جانب.”
19
وهكذا نقل الدكتور غازي العتباني لسكرتارية الإيقاد في السادس من سبتمبر عام 1994، رفض السودان التام والقاطع لمبادئ الإيقاد التي تمّ إعلانها رسمياً في 20 يوليو عام 1994.
كان أحد أسباب هذا التغيير في موقف الحكومة هو الانتصارات العسكرية التي حقّقتها في منتصف ذلك العام. فقد نجحت القوات المسلحة في استرداد بعض المدن التي كانت في قبضة الحركة، بما في ذلك مدينة توريت ذات التاريخ الخاص للحركة الشعبية.
وقد سمّت الحكومة عملياتها العسكرية في عام 1993 “صيف العبور”، وأطلقت على عام 1994 “مسك الختام.”
أعطى هذا الوضعُ اليدَ العليا لصقور حكومة الإنقاذ الذين قرّروا أنهم سوف يستطيعون حلَّ مشكلة الجنوب عسكرياً ونهائياً، مثلما حلَّوا مسألة السلطة في الخرطوم في 30 يونيو عام 1989.
وسوف نرى التغيير الكبير المعاكس في استراتيجية الحكومة في عام 1996 عندما نجحت الحركة الشعبية في أخذ زمام المبادرة العسكرية وبدأت في استعادة المدن التي دخلتها القوات الحكومية. وقتها لجأت الحكومة لما أسمته استراتيجية السلام من الداخل بالتفاوض مع الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية، كما سنناقش لاحقاً في هذه السلسلة من المقالات.
20
وصف الدكتور غازي مبادرة الإيقاد بأنها أصبحت شركاً كبيراً، وأوضح أن المنظمة لم تكن تملك في رصيدها آنذاك ولا الآن إنجازاً واحداً في التنمية، وأنها قد استُخدِمتْ كواجهةٍ للولوج إلى عمق الشأن السوداني.
ووصف الدول الأربعة التي تولّت التوسط بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية (يوغندا، كينيا، إثيوبيا، إريتريا) بأنها كانت في عداءٍ مستحكمٍ مع السودان، ولم يكن مرجوّاً من أيّةٍ منها أن تنصف السودان في أيّةِ قضية محل نزاع.
21
واصل الدكتور غازي قوله إن حق تقرير المصير لجنوب السودان ليس لديه أيّ سندٍ قانونيٍ أو سياسي، ولن يقدّم حلاً للمشكلة. بالعكس، من المؤكّد أنه سيزيد التعقيدات الحالية لذلك الإقليم والذي لا منفذ له للبحر، ومتخلفٌ ويرزح تحت الخلافات القبلية الحادة.
ثم أضاف أنه من المؤكد أن تقرير المصير أو ما معناه انفصال جنوب السودان سيؤدي إلى تفاعلٍ متسلسلٍ يؤثّر على باقي أفريقيا. وهذا احتمالٌ حاول الآباء المؤسسون لمنظمة الوحدة الأفريقية بوعيٍ أن يتجنّبوه عندما شدّدوا على عدم انتهاك الحدود الموروثة من الاستعمار في ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية، والذى كان السودان أحد الموقعين عليه.
ختم الدكتور غازي كلمته بقوله إن حكومة السودان هي تبعاً لذلك ملتزمةٌ بأن تسلّم “نفس السودان” إلى الأجيال القادمة. وإن تقرير المصير أو أيّ تعبيرٍ آخر من الممكن أن يعني الانفصال هو ليس قضية، وإن الحكومة غير مستعدةٍ للتداول حوله. عليه فإنه من الأفضل بدلاً من ذلك مخاطبة القضايا الموضوعية التي تشكّل المرتكز الحقيقي للمشكلة، وأن نعمل على وضع الضمانات اللازمة لحماية الاتفاق النهائي.
22
لا بد من التنويه في البداية إلى أن الوساطة أمرٌ لا يتم بدون الرضاء التام والصريح للطرفين. ويحقُّ لأيٍ من الطرفين إنهاء الوساطة في أيِّ وقت، كما يحقُّ ذلك أيضاً للوسيط نفسه. إنّها مهمةٌ سياسيةٌ مبنيةٌ على التوافق، وليست إجراءً قانونياً يُفْرض على الطرفين أو أحدهما.
ولا بد من إضافة أن وساطة الإيقاد تمت بناءً على طلب (إن لم نقل إلحاح) حكومة الإنقاذ نفسها، والتي كانت تأمل أن ترد إثيوبيا وإريتريا دين الإنقاذ الذي تمثّل في مساعدتهما في إسقاط نظام منقيستو هايلي ماريام.
وليس واضحاً لماذا فات على السودان موقف هاتين الدولتين، وكذلك موقف كينيا ويوغندا، من مسألة تقرير المصير، وتعاطفهم التام مع قضية جنوب السودان نفسها. إن الحقائق التي ذكرها الدكتور غازي عن الإيقاد وعن هذه الدول، وما وصفه بعدائها التام للسودان، كان هو ما تزعمه وتتحدث به الحكومة دوماً، ولم تكن الحكومة في حاجةٍ إلى هذه التجربة لتعيد اتهاماتها السابقة، وتدّعي إثباتها كحقيقة. لكن رغم هذا سعت حكومة الإنقاذ سعياً حثيثاً إلى وساطة هذه الدول ومنظمة إيقاد، (وحدث ما حدث!!).
23
كما ذكرنا من قبل، لقد فتح إعلان فرانكفورت القمقم وخرج منه ماردٌ ضخم اسمه حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في 25 يناير عام 1992. نما واستطال ذلك المارد ولم يعد يمرح في حقلي الحكومة السودانية وفصيل الناصر وحديهما. فقد تبنّته منظمة الإيقاد وأضفت عليه طابعاً مؤسّسياً وقانونياً متكاملاً في مبادئ الإيقاد التي تم إصدارها رسمياً في 20 يوليو عام 1994.
24
كان أصدقاء الإيقاد الذين تحمّلوا كل التكاليف المالية لتلك الجولات من المفاوضات يتابعون عن كثبٍ تلك التطورات، وأخذوا علماً كاملاً بها. بل إن الحكومة السودانية نفسها تخلّت عن استحيائها وخوفها من اصطلاح “تقرير المصير” وعادت، بعد عامين وقبلت مبادئ الإيقاد، رغم كلمات الدكتور غازي العتباني الصارمة الرافضة لها في اجتماعه مع سكرتارية المبادرة في 6 سبتمبر عام 1994.
وقد تم قبول حكومة الإنقاذ لمبدأ تقرير المصير عندما وقّعت، كما سنناقش في مقالاتٍ قادمة، على اتفاقية “السلام من الداخل” التي اعترفت صراحةً بهذا المبدأ في أبريل عام 1996. وفصّلت تلك الاتفاقية ترتيبات وإجراءات تنفيذ حق تقرير المصير، بما في ذلك مدة الفترة الانتقالية التي تسبق الاستفتاء.
25
ولا بد من إضافة أنه بعد صدور إعلان المبادئ بواسطة الإيقاد في 20 يوليو عام 1994 لم يعد تقرير المصير حقّاً يدّعي ملكيته فصيل الناصر وحده بموجب إعلان فرانكفورت، بل أصبح المبدأ الأساسي لوثيقةٍ تملك كل الأطراف حق الاستشهاد بها والاعتماد عليها.
وقد اعتمدت الحركة الشعبية الأم في ذلك النهج اعتماداً كاملاً على مبادئ الإيقاد نفسها (رغم قناعتها التامة أن مبادئ الإيقاد خرجت من رحم إعلان فرانكفورت)، ونجحت في تفادي الاعتماد على إعلان فرانكفورت، وإعطاء الدكتور لام أكول وفصيله المنشق عنها حقّ وشرف انتزاعه من حكومة السودان قبلها.
26
بعد صدور مبادئ الإيقاد في مايو 1994، وحتى قبل إعلانها رسمياً في يوليو 1994، بدأت ونجحت الحركة الشعبية الأم في انتزاع الاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان من أحزاب المعارضة الشمالية واحداً بعد الآخر، ثم من هذه الأحزاب مجتمعةُ (التجمع الوطني الديمقراطي)، وبعد ذلك من حكومة الإنقاذ نفسها.
تم لها ذلك في حنكةٍ وذكاءٍ كبيرين، ومن خلال نهجٍ تدريجي امتاز بالسلاسة والبراعة، كما سنناقش في المقالات القادمة من هذه السلسلة من المقالات.
Salmanmasalman@gmail.com

الكاتب
د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
ذكرى مذبحة ميدان الاعتصام: يوم العار الأكبر. !
الأخبار
في أول تصريح رسمي من إدارة ترامب.. روبيو: السودان ساحة صراع بالوكالة بين أبوظبي والرياض
السعودية تفتح منبر تفاوضي جديد تزعم أنه حوار لحل المشاكل بين الروس والاكرانيين .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي
ترامب وأوروبا والهند والصين ومجتمع ما بعد الثورة الصناعية في ظل نهاية العولمة
الذكرى ٥٤ لاستشهاد عبد الخالق محجوب

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

يا أهلى فى الجنوب: سوف يورق الزهر يوما وينمو البرتقال !! … بقلم: د. على حمد ابراهيم

د. على حمد إبراهيم
منبر الرأي

حلول مدنية لمشكلة الاستثمارات العسكرية .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري

طارق الجزولي
منبر الرأي

زرياب، سلام نجدي، القدال والحلو رحلوا في يوليو كان لهم نبوغ وكنوز من محبة الناس .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

طارق الجزولي
منبر الرأي

بروفة الاستفتاء وخطأ التعبئة … بقلم: فايز الشيخ السليك

فايز الشيخ السليك
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss