خميس أبكر وأسامة حسن… قصة بيانين بين غياب النعي ووصف “المناضل”

لبنى احمد حسين

في حادثتين متقاربتين صدر بيانان..
كلا البيانين أدان…
وكلاهما تجنب تسمية الجهة المسؤولة…
وكلاهما طالب بتحقيق مستقل…
وكلاهما دعا لعدم استهداف المدنيين وحماية المدنيين..

الاختلاف لم يكن في الإدانة… بل في النعي،
ولا في المطالبة بالتحقيق… بل في التعزية.
لكن ما قولك اذا عرفت ان احد البيانين وصف احد القتيلين بانه ” مناضل” و زاد اختلاف رابع و وصف إحدى الحادثتين صراحة بأنها “جريمة حرب” وطالب بتقديم المخططين والمحرضين للمحاكمة؟

لنرى ما جاء في ببيان قحت المركزي عند اغتيال خميس أبكر و بيان تحالف صمود عند مقتل أسامة حسن…

بيان قحت المركزي هو من وصف اغتيال والي غرب دارفور خميس أبكر بجريمة حرب، حين أصدرت قحت بيان إدانة شديد اللهجة، دعت فيه إلى وقف العنف في الجنينة، وطالبت بتدخل المجتمعين الإقليمي والدولي بشكل عاجل لحماية المدنيين في دارفور، إضافة إلى الدعوة لتحقيق مستقل، مطالبة ايضا بتقديم المخططين والمحرضين للمحاكمة.

لكن البيان جاء سياسياً بحتاً… بلا كلمة “ننعى”… وبلا عبارة “خالص التعازي”.

ومع ذلك، وصف البيان خميس أبكر بأنه أحد القيادات السياسية “المناضلة”، و “أحد أبرز الداعمين لمسيرة العملية السياسية في كل مراحلها ونقاشاتها وورشها الخمسة”
وهو توصيف سياسي بامتياز، وليس مجرد مجاملة اجتماعية.

في المقابل، وعند مقتل القيادي في تحالف تأسيس أسامة حسن الأسبوع الماضي باستهداف طائرة مسيّرة لمنزله في نيالا، أدان بيان تحالف صمود الجريمة، وطالب بتحقيق مستقل، وبمحاسبة المسؤولين، ودعا إلى وقف استهداف القيادات المدنية وحماية المدنيين أيضاً. لكن لم يصف الحادثة بانها جريمة حرب، ولم يصف القتيل بالمناضل، لكنه قدّم نعيًا صريحًا للفقيد، وقدّم التعازي لأسرته ورفاقه، ووصفه بأنه أحد الداعين للحل السلمي وإنهاء الحرب.

فاذا كان نعي بيان صمود لأسامة حسن وتقديم التعازي لأسرته يُفسَّر كنوع من الانحياز السياسي للجهة التي يمثلها أسامة، فبماذا يُفسَّر وصف بيان قحت خميس أبكر بالمناضل؟
أليس ذلك أيضاً نوعاً من الانحياز للجهة التي كان يمثلها خميس أبكر حينها — سلطة البرهان؟

غير أن المشهد لم يتوقف هنا…
فقد سارع التجمع الاتحادي — أحد مكونات تحالف صمود — لإصدار بيان قال فيه:

“نترحم على جميع أبناء وبنات شعبنا الذين فقدوا حياتهم جراء هذه الحرب”

وأضاف:

“إن دماء السودانيين كافة متساوية في القيمة والحرمة، ولا يجوز تسييس مآسيهم”

وهي عبارة يمكن فهمها كاعتذار عن إصدار نعي خاص أو رد غير مباشر على الجدل حول التعزية الانتقائية.

كما أشار البيان إلى:

“سلوكيات البعض التي من شأنها أن تحرف التحالف عن موقفه الرافض للانحياز لأي من أطراف الحرب”

وهي صياغة توحي بالتحفظ على التعزية الفردية خشية تفسيرها كاصطفاف سياسي.

عموماً أرى أن البيانين لا يختلفان في الموقف السياسي، وأن ما أُثير من جدل لم يكن حول جوهر الموقف السياسي، إنما حول شكل التعبير الإنساني والتعاطف الاجتماعي. فحق جميع المدنيين من ضحايا الحرب في الترحم و النعي متساوٍ… و لا أبخس عدمه، لكن أقرؤه “كخيار وفقوس”، لا انحيازاً لجهة ما في الحرب. فمن قرأ نعي أسامة كاصطفاف مع تحالف تأسيس، لكان أولى به أن يقرأ وصف خميس أبكر بالمناضل انحيازاً للجهة التي كان يمثلها خميس.

وبعد… يبقى انتقاء العبارات والكلمات بل الحروف في زمن الحرب ضرورة لا تقل أهمية عن المواقف السياسية نفسها..
فالكلمات في زمن الحرب ليست مجرد لغة… بل إشارات يمكن ان يُقرأ وجودها و غيابها كاصطفاف و انحياز، ولهذا فإن الحذر في التعبير لا يحمي فقط من سوء الفهم…
بل يحمي أيضاً من معارك في غير معترك..

https://sudaray.com/99478 بيان قحت المركزي حول اغتيال خميس ايكر

lubbona@gmail.com

عن لبنى أحمد حسين

شاهد أيضاً

إن كانت “الدوحة” هي التسليم للجنائية… فماذا يكون الخروج الآمن؟

لبنى احمد حسين في كل مرة يظن الناس أن سقف العبث السياسي قد بلغ مداه، …