د. الطيب زين العابدين

د. الطيب زين العابدين: المرحلة القادمة ستكون أكثر اضطرابا سياسيا .. ومعاناة اقتصاديا


أستاذ العلوم السياسية والكاتب والمحلل السياسى  د.الطيب زين العابدين فى قراءة للساحة السياسية: (2-2)
المرحلة القادمة ستكون أكثر اضطرابا سياسيا .. ومعاناة اقتصاديا 
الحكومة قد تضطر للاستجابة للإصلاح .. وإلا ستقع المواجهة بما يشبه ما يدور في العالم العربي
الشعبي الآن في حاجة حتى لإقناع المنتمين إليه بالحوار
سيد الصادق استطاع لملمة الفرقاء فى حزبه بعد خروجه من المنطقة الرمادية
الحكومة لن تسمح للاتحاديين بالتكتل ضد السيد محمد عثمان وستلجأ للمعاكسة


الناظر الى الساحة السياسية فى السودان لا يرى إلا صورة من فوضى وإرتباك تعتريها ،سوى كان على صعيد الحكومة او القوى المعارضة … عام مضى على الدعوة للحوار تخلله العديد من التناقضات وحالات المد والجزر من قبل الحكومة ،فهى تارة داعية الى حوار شامل يضم كل القوى السياسية وحاملى السلاح ثم تلوذ بصمت وصم آذان لتخرج بسير الحوار بمن حضر.. وتعلن فى طور، اعدادها العتاد لحرب ضروس فى صيف تحسم فيه وتقضى على حاملى السلاح الذين دعتهم الى مائدة الحوار منذ برهة .. لتعود وتدعوهم الى المائدة مرة اخرى ،فى وقت هاجمت فيه واعتقلت من حاول جرهم من ساحة القتال الى مائدة مماثلة للحوار .. لتنال صيات  تهديدها ووعيدها حتى من جلس معها للحوار ،بينما بدت الساحة بعيدة عن اى مناخ مهيأ لحوار … كل ذلك وسط تناقضات وتضارب تصريحات المسئولين حول ابسط القرارات التنفيذية… مرشحين مستقلين من المؤتمر الوطنى رغم انف الحزب .. وآخرون تم ترشيحهم،من المحسوبين على احزاب الوحدة الوطنية دون علمهم …   
فيما بدى حال ابرز القوى السياسية المعارضة والمحسوبة عليها ،ممثلة فى الحزبين الأمة والأتحادى،ليس ببعيد عن الحالة التى ترزح فيها الحكومة ..تجاذبات وصراعات داخل القوى الطائفية بدرجة غير مسبوقة..الاتحادى ينذر بتحول دراماتيكى بانقلاب على السيد من قبل القيادات المستنيرة فيه. فيما يواجه حزب الامة الى جانب خلافاته الداخلية هجمة امنية على صعيد الحزب وقائده الذى  تراوح مصيره بين المحاكمة والترحيب ضمن حال الساحة الذى يموج تشويشا .
جلسنا فى ” الأيام ” مع استاذ العلوم السياسية والباحث الكاتب الصحفى والمحلل السياسي د. الطيب زين العابدين لفهم وقراءة ما يدور فى الساحة السياسية .
حاورته : سمية المطبعجى

حالة التململ التى ذكرت والخلافات داخل الوطنى ،هل نتوقع ظهورها كصراعات بارزة تؤدى الى تكوين تنظيمات سياسية مستقلة ،ام سيتم اللجؤ الى اصلاح ،ام ماذا تتوقع ان يحدث ؟ 
من الصعب الاجابة على السؤال.. فلا يمكن توقع ما سيحدث ،لكن ليس هناك مؤشر بوجود انشقاقات ، بل يمكن حدوث إنسحابات وإستقالات من البعض للمنافسة بينهم وبين المرشحين الرسميين للوطنى …وستحدث مقاطعة للنشاط الانتخابى ،حتى على مستوى التصويت من اللذين لا يودون المشاركة من داخل الحزب ،خاصة الشباب ويمكن ان يحدث ذلك وسط قياديين بعد ان يصل الموقف الى صورة من القبح يتبرأ منها بعض قياديى الوطنى …. وبالتالى فان الربكة ستكون سلبية تجاه الانتخابات ..اما عن الموقف السلبى هذا وامكانية تطوره الى معارضة فلا نستطيع التنبؤ بذلك الان  . 
كيف يمكن قراءة اجواء المرحلة القادمة على ضؤ ما تم من تعديلات دستورية وتوسيع صلاحيات جهاز الأمن والمخابرات الوطنى؟
أعتقد ان المرحلة القادمة ستكون اكثر اضطرابا عن المرحلة السابقة وأكثر معاناة إقتصاديا ،إذ ليس هناك حتى وعد بانفراجة إقتصادية . ومن الناحية السياسية، سيزيد نشاط المعارضة وتوحدها فى الغالب عن ماكانت عليه على المستويين الداخلى والخارجى ،فحزب الامة الذى يهدد بالمحاسبة الآن، لديه المقدرة ولديه اتصالات بجهات دولية واسعة .
اما بشأن القبضة الأمنية ،اتوقع نوع من الإحتكاكات بين القوات النظامية ،الآن منح جهاز الأمن سلطات اكبر بكثير من صلاحياته السابقة ،وهى سلطات كانت لدى القوات النظامية الأخرى من شرطة وجيش ..فجهاز الأمن الآن أصبح قوة مقاتلة وعليه التصدى للمهددات الأمنية على حساب الجيش.. كما تبعت مليشيات قبلية لجهاز الأمن على حساب قوات نظامية أخرى. فقد تضمن التعديل مقابلة جهاز الامن للوضع اذا وجدت مهددات امنية –اقتصادية –سياسية وكافة ..
الأمر الذى سيحدث احتكاكات وربكة داخل اجهزة الدولة الهامة . وفى النهاية مهما كان تعاطف الرئيس مع جهاز الأمن لن يستطيع الوقوف ضد الجيش السودانى الذى رفض من قبل ضم المليشيات المسلحة ..وما منح من سلطات لجهاز الأمن لن يستمر طويلا.. فاذا اصبحت هنالك مواجهة بين الجيش و جهاز الامن فسيكون الرئيس الى جانب الجيش بحكم إنتمائه له كما ان الجيش قوة نظامية يمكن مساءلتها امام البرلمان ،لكن جهاز الامن يتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية . فكل ما يفعله لتوضيح امر ربما إقامة مؤتمر صحفى لنشر ما يريده من اراء .كما ان جهاز الامن ليست لديه السلطة المعنوية للمواجهة مثل الجيش والشرطة. لذا فان سلطات جهاز الامن التى منحت له مؤخرا لن تصمد طويلا لما ستصبح عليها الاجواء من وضع معادى لا يمكن مجابهته فى ظل الوضع السياسي المتوتر والمعاناة الاقتصادية … مما يضطرهم للاستجابة اما لعملية إصلاح او مواجهة لا تنتهى وقد تتصاعد كما حدث فى مناطق اخرى فى العالم العربى . فالوضع غير قابل للاستمرار بصورته الحالية ويتطلب تغيرات جزرية سواء من جانب الحزب الحاكم برضاه اومن غير رضاه .
كيف ترون وضع المؤتمر الشعبى بعد ان اصبح الحزب الوحيد ،ذو الوزن، الذى يستمر فى عملية الحوار ،فما هو مصيره كحزب كان الى جانب المعارضة ،ولاتزال مصير علاقته مع المؤتمر الوطنى غير معروفة؟
وضع المؤتمر الشعبى الآن كحزب مستمر لوحده فى الحوار بعد ان كان الى جانب المعارضة لفترة طويلة ،فقد كان الناس يعتقدون ان الشعبى لديه وعد من الرئيس ببعض التنازلات ،مثل تأجيل الانتخابات و فترة انتقالية وضم الحركات المسلحة ،جميع تلك التكهنات اتضح انها (كلام فارغ) .واصبح المؤتمر الشعبى الان فى حاجة لاقناع حتى المنتمين إليه بالحوار ..فالمؤتمر الوطنى لم يستجب حتى لطلب الفترة الانتقالية ولا لاطلاق سراح المعتقلين ..فالان الشعبى ليس لديه وجه لبيع فكرة الحوار للناس واقناعهم بها.
تطلع د.الترابى كثيرا فكان لديه الامل حتى لتوحيد الاسلاميين فى المنطقة ككل ..هل تبخرت بذلك تلك الامال؟
منهج شيخ الترابى دوما وضع الأهداف الكبرى للوصول الى نتيجة معقولة ،فعندما يضع هدف ضخم يريد أن يبذل الناس مجهودات على قدر ما يستطيعون .فهى ليست دعوة حقيقية فى اعتقادى ،بل لتعبئة اتباعه للاجتهاد فى الامر … فالواضح بعد مقابلته الرئيس كان مؤملا على الاستجابة ،لكن الرئيس لم يستجب ،بل العكس تباقص كثيرا . فهذه الاوضاع ستضطرالوطنى الى ايجاد معالجة ومخرج . فحتى اتحاد اصحاب العمل الذى يحسب فى اغلبه للمؤتمر الوطنى اصدر بيانا بشأن الميزانية هاجم فيه الحكومة للمرة الاولى، مشيرا الى انها غيرت كثيرا ..فهى لم تكن حقيقية وحدثت بها زيادات كثيرة جدا من رسوم وجمارك وغيرها ،واليوم استقال معظم اصحاب الحبوب الزيتية . فالسياسات الكثيرة الخاطئة لم تجعل للحكومة صليح ليقف معها . كذلك الامر لأحلام شيخ الترابى التى اتضح أن ليس سبيل لتحقيقها واشك فى ان يمضوا مع هذه الحكومة الى الامام . .. بل سيكون الشعبى فى ورطة لاقناع اتباعه بالصلح والمضى مع الحكومة .
الخلافات الجارية الان داخل احزاب الامة والاتحادى الديمقراطى ،صراع التيارات والانفراد بالقرارات .. هل يمكن ان تكون بداية النهاية للقوى ذات الطبيعة الطائفية ؟  
بالنسبة لحزب الامة فبالعكس ،موقف السيد الصادق الأخير جمعهم اكثر من ان يفرقهم ،فتيار ابراهيم الامين يوافق سيد الصادق فى مقاطعته ،كذلك التيار العام بقيادة مادبو . فالسيد الصادق بموقفه الاخير الواضح فى معارضته الذى يختلف عن ما درج عليه بالوقوف فى المنطقة الرمادية استطاع لملمة المتفرقين الذين اجازوا له بان يعين من يراه وان ليس بالضرورة ان يمضى الجميع فى العمل السرى بل يمكن تقسيمه بين سرى وعلنى. وجميعهم متفقين على امكانية اتخاذ الرئيس من الاجراءات التى يراها مناسبة ،كأنهم فى حالة طوارئ، كما يكنه تكليف البعض بمهام خاصة .وبهذا الموقف الجديد جمع اعضاء حزبه اكثر من الماضى,, فحزب الامة الان لا يعانى من ازمة . فالحرج الوحيد لدى عبدالرحمن الصادق الذى وضع فى كورنر وقد دعته مريم الصادق للخروج من الحكومة .
اما الحزب الاتحادى فنعم لديه أزمة ،سببها الرغبة فى المشاركة فى الانتخابات بعطية من المؤتمر الوطنى ..كما ان محمد الحسن الميرغنى ،ابن السيد، ليس لديه صفة تنظيمية فى الحزب ليخاطب ويكاتب مجلس الاحزاب .ولأول مرة تجتمع قيادات الحزب الاتحادى ،ابو سبيب – بخارى الجعلى – على السيد وعدد من القيادات الاخرى وفى اعتقادهم ان حزبهم اكبر من المؤتمر الوطنى واوسع جماهيرية ،ومع ذلك يشارك حزبهم بمن يوافق عليهم المؤتمر الوطنى من الذين توكل اليهم مناصب ويلوذون بالصمت . فهنالك ململة شديدة داخل الحزب الاتحادى الديمقراطى.
ماذا تتوقع لنهاية هذه الازمة غير المسبوقة ؟
اعتقد ان الحكومة هى التى تحكم الانتخابات ،واى شخص يتم ترشيحه باسم الحزب الاتحادى من قبل السيد محمد عثمان سيؤيدونه ..لكن ذلك يعطى فرصة للذين هم من المؤتمر الوطنى من غير الراضين عن التنازل من مواقعهم وتم ترشحهم فى دائرة ترشح فيها احد من الحزب الاتحادى ،فهو حتما سيكسب اصوات الوطنى فى هذه الدائرة ،مما يتسبب بربكة . 
والحزب الاتحادى الديمقراطى ليس كحزب الامة الذى بدأ كحركة سياسية دينية ذات اصلاح ومنهج  ارادت اقامة دولة المهدية . فالعمل السياسى جزء من تركيبة الأمة وليس بالجديد ،مثل الطائفية الختمية التى كانت بعيدة جدا عن السياسة وفجأة ركبت عليها . والانفتاح على الناس ليس بغريب على حزب الامة ،فهنالك فرق كبير بين الطائفتين .وما حدث فى الحزب الاتحادى من ربكة يمكن ان يدفع بالكثيرين للخروج من الحزب وقد تدفع بهم نحو التوحد مع تيارات الحزب الاخرى.
المجموعة الغاضبة داخل حزب الاتحادى وضعت خيارات ،منها الخروج وتكوين حزب مستقل او البقاء والضغط من الداخل ،فهل ترى ان خروج تلك المجموعة فى حزب منفصل يمثل مكسب للمعارضة بعد الموقف الذى بدى عليه الاتحادى فى تحالفه مع الحكومة ،وما مدى امكانية ذلك؟
المتحدثون الآن من القيادات بالطبع هم مكسب للمعارضة ..لكن السؤال هل هناك امكانية للوصول والانسجام لكى يتوحدوا فى حركة واحدة .. ويجب ان نلاحظ ان الحكومة لن تسمح لهم بالتكتل ضد السيد محمد عثمان وستلجأ لأى نوع من المعاكسات ،إلا اذا كان لديها نظرة بأن تترك هذه الطائفة تتكسر ثم ما بقى من جماعة يمكنها ان تقدر عليهم . وايضا ليس من السهل التوحد فى ظل شخصية قيادية فى كل مجموعة من المجموعات المنشقة عن الحزب ،وهناك منهم قوى مسجلة وأخرى غير مسجلة … لكن مجموعة جلال الدقير أقرب للانتماء الى المؤتمر الوطنى بعد ان ذهبت شخصية زين العابدين الهندى الذى كان يتمتع بقاعدة جماهيرية .. فحزبه اصبح لا وجود فيه لقاعدة جماهيرية بل افراد مستوعبين فى وظائف رسمية ،فبالنسبة لهؤلاء المعارضة ليست مقبولة .اما السيد محمد عثمان فمهما حدث سيكون له قاعدة كاتحادى ديمقراطى … والتوحد فى حزب واحد فكرة اصلا موجودة لكن تنفيذها عمليا امر تكتنفه صعوبات وعوائق عملية ولا يمكن التنبؤ بها   
جاء فى الصحف ان السيد الصادق قد يواجه عقبة المواصلة مع المجموعة الموقعة على (نداء السودان) ويقال انه طالب باعادة هيكلة الجبهة الثورية ليمضى معهم قدما ،الامر الذى رفضته الجبهة ،كيف ترى ذلك؟  
اشك فى ذلك الكلام ،فالجبهة الثورية مكونة من حركات حاملة للسلاح ،الحركة الشعبية- العدل والمساواة- حركة عبدالواحد نور ومنى اركو.والسيد الثادق لا يقبل الارتباط بحركات حاملة للسلاح ،وقد قال وكتب فى نداء السودان واعلان باريس ونادى دوما بالعمل السلمى ،فان يكون جزءا من عمل مسلح فهذا ليس طلبه ولا يشبهه. فتخمينى يمكن ان يقبل تحالف تنسيق بين مكونات الجبهة الثورية على ان يرأس هو ذلك التنسيق ،فهذا ما يشبه الصادق .اذ لا يمكن ان يقوى الادانة من النظام ضده بان يكون جزء من الجبهة الثورية … فهو يفخر بدعوته لاقناع الجبهة الثورية بإلقاء السلاح وممارسة العمل السلمى وهو مصر على ذلك ، ودوما يريد الوقوف على مسافة بين من يقول بفصل الدين عن الدولة وآخر ينادى بحمل السلاح ،وهذه منطقة حساسة جدا لا يريد الدخول فيها وبالتالى انا اشك فى هذا الكلام ،فما قيل لا يشبه السيد الصادق ولا من مصلحته .

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً