د. جون قرنق والرؤية التي أنارت الطريق (2-6)

lualdengchol72@gmail.com
الرحيل والفراغ.. لحظة التحوّل

بقلم: لوال كوال لوال

حين سقطت طائرة الدكتور جون قرنق دي مبيور في ذلك المساء الحزين من يوليو 2005، لم تسقط مجرد طائرة تحمل رجلاً من الجنوب، بل سقط معها جسرٌ من الحلم كان يربط بين الماضي والمستقبل، بين الثورة والفكرة، بين الإنسان والوطن. لم يكن رحيله حدثًا عابرًا في تاريخ السودان، بل كان زلزالاً سياسياً وفكرياً غيّر ملامح الحركة الشعبية إلى الأبد. في تلك اللحظة المشحونة بالدموع والذهول، شعر كثيرون بأن شيئًا كبيرًا قد انكسر. لم تكن الحركة الشعبية مستعدة نفسياً ولا تنظيمياً لمواجهة غياب مؤسسها الذي كان يجمع المختلفين ويوازن بين المتناقضات. فقرنق لم يكن مجرد زعيم؛ كان فكرةً تمشي على الأرض، وشخصيةً جامعة قادرة على احتواء الجميع داخل مشروعٍ واحد. ومع غيابه المفاجئ، وجد القادة من حوله أنفسهم أمام إرثٍ ضخم لا يعرفون كيف يتعاملون معه، وإزاء مشروعٍ بلا مهندسٍ يرسم له الطريق. بدأت علامات الارتباك تظهر في بنية الحركة. كان واضحاً أن كثيرين لم يدركوا عمق الرؤية التي كان يحملها قرنق، وأنهم كانوا يعيشون في ظل شخصيته الكاريزمية أكثر من إيمانهم بالفكرة ذاتها. وما إن غاب، حتى انكشفت تلك الحقيقة المؤلمة: أن التنظيم الذي كان يبدو متماسكًا من الخارج كان في داخله مجموعة من الولاءات المتنافرة، يجمعها القائد أكثر مما تجمعها المبادئ. في الأيام الأولى بعد رحيله، حاولت القيادة الجديدة أن تُظهر التماسك والاستمرار، وأن الحركة ماضية على ذات النهج. لكن سرعان ما بدأت الانقسامات تتعمّق، وظهر التناقض بين من أرادوا الحفاظ على خط السودان الجديد كمشروعٍ وطني عابر للجهات، وبين من رأوا أن الوقت قد حان لتحويل الحركة إلى حزبٍ جنوبيٍ صرفٍ يدير سلطةً ناشئة ويؤسس لدولةٍ جديدة. تلك كانت لحظة التحول الكبرى: من مشروع وطني شامل إلى كيان سياسي محدود الأفق، ومن حلم السودان الجديد إلى واقع الجنوب المستقل الذي لم يكن في حسابات قرنق المباشرة. كانت تلك التحولات مدفوعة بالخوف والارتباك أكثر مما كانت نتيجة لتخطيط واعٍ. فالحركة الشعبية، التي وُلدت في الميدان وعاشت على وقع المعارك، لم تكن تملك البنية الفكرية والمؤسسية الكافية لتتحول فجأة إلى سلطةٍ مدنيةٍ تُدير دولة. ومع غياب الزعيم، برزت أسئلة القيادة والمصالح، وبدأت الشلليات في التشكل حول مراكز القرار الجديدة. تحوّلت القيادة إلى معادلةٍ معقدة من التوازنات بين العسكريين والمدنيين، بين الميدان والعاصمة، بين من قاتلوا طويلاً ومن انتظروا طويلاً. وفي ظل تلك الصراعات الخفية، تراجعت الرؤية الفكرية لتفسح المجال أمام البراغماتية السياسية التي جعلت البقاء في السلطة أهم من استكمال مشروع التحرير. كان كثير من القادة الذين التفوا حول قرنق يؤمنون بالثورة كوسيلة للوصول إلى الحكم، لا كوسيلة لبناء الدولة. وعندما تحقق لهم ذلك جزئياً، لم يعودوا يرون في “السودان الجديد” سوى شعارٍ جميلٍ يصلح لخطابات الاحتفال. أما في الواقع، فقد بدأوا في بناء نظامٍ جديدٍ بمفاهيم النظام القديم نفسه، مع فارقٍ واحد: أن مركز السلطة هذه المرة أصبح في جوبا لا في الخرطوم. بغياب قرنق، فقدت الحركة الشعبية صوت الضمير الذي كان يذكّرها دائماً بأن الثورة ليست غاية في ذاتها. الرجل الذي كان يوازن بين السلاح والفكرة، بين الضرورة الأخلاقية والواقعية السياسية، لم يعد موجوداً ليمنع الانزلاق إلى مستنقع السلطة والامتياز. ومن هنا بدأت الحركة تتحول تدريجياً من تنظيمٍ يحمل حلم التغيير إلى سلطةٍ منشغلة بالصراعات الداخلية وتوزيع النفوذ. كانت السنوات التي تلت رحيل قرنق بمثابة اختبارٍ حقيقيٍ لفكرة “السودان الجديد”. وبدلاً من أن تُثبت الحركة قدرتها على تجسيد المشروع الذي تركه المؤسس، انزلقت إلى صراعاتٍ داخلية أنهكتها وأضعفت صورتها. لم تعد الحركة تُدار بالعقل الجمعي أو بالمؤسسات، بل بالأشخاص، وتحولت مواقع القيادة إلى ساحات تنافسٍ على الولاء لا على الكفاءة. في تلك المرحلة الحساسة، بدأت تتكوّن البرجوازية المرحلية التي ستتناولها هذه السلسلة لاحقاً بالتفصيل؛ فئة صغيرة وجدت في موارد الدولة الجديدة فرصةً لتكريس نفوذها، فتحولت الثورة من وسيلةٍ للتحرير إلى وسيلةٍ للثراء. وبذلك بدأ المشروع السياسي للحركة الشعبية يفقد روحه الثورية ويتجه نحو شكلٍ من الانتهازية السياسية التي ستطبع المرحلة اللاحقة بطابعها الكامل. كان الفراغ الذي خلّفه قرنق أكبر من أن يُملأ بخطابات الولاء أو الشعارات. لقد رحل الرجل الذي كان يرى أبعد من حدود القبيلة والمنصب والسلطة، فترك وراءه فراغاً فكرياً لم يستطع أحد بعده أن يملأه بالصدق نفسه. وبينما كانت البلاد تستعد لدخول مرحلة جديدة من التاريخ، كانت الحركة الشعبية تدخل مرحلة من التحوّل الصامت: من حركةٍ تحلم بوطنٍ يسع الجميع إلى سلطةٍ تدار من غرفٍ مغلقة، تتحكم فيها المصالح والشخصيات أكثر مما تتحكم فيها المبادئ. وهكذا، بدأت بوادر التيه. تيهٌ لم يكن سببه المؤامرات الخارجية أو الحروب وحدها، بل غياب الرؤية التي كانت تمسك بخيوط المشروع. ومع كل يومٍ يمر بعد غياب قرنق، كانت المسافة تتسع بين الحلم والواقع، بين الفكرة الأولى وشكلها الحالي. في الحلقة القادمة، سنقف أمام التحول الأخطر في مسار الحركة الشعبية: حين انتقلت من الثورة إلى الدولة، ومن التحرير إلى الحكم، فابتلعت السلطة الفكرة، وأصبح الكفاح الطويل مجرد طريقٍ إلى الكرسي. هناك تبدأ القصة الحقيقية لفقدان البوصلة.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

مأساة أبيمنم… حين يصبح المدنيون وقوداً لصراع لا ينتهي

بقلم: لوال كوال لوال ليست المأساة التي شهدتها مقاطعة أبيمنم حادثة عابرة يمكن طيّ صفحتها …