lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
دارفور ليست مجرد إقليم في غرب السودان، بل هي مرآة تعكس كل أوجاع الوطن وأزماته المتراكمة. إنها الجرح المفتوح في جسد دولةٍ لم تتعلم بعد أن تنزف بحكمة، ولا أن تضمد جراحها بعدل. منذ عقودٍ طويلة، ظلت دارفور تدفع ثمن موقعها الجغرافي، وثرواتها المطمورة، وتركيبتها القبلية المعقدة، حتى تحولت من أرضٍ للسلام والتجارة إلى ساحةٍ للصراع وسفك الدماء. وما يجري اليوم ليس إلا امتدادًا لتاريخٍ من الإقصاء والخذلان وسوء التقدير. حين اشتعلت شرارة التمرد الأولى في دارفور مطلع الألفية، لم تكن القضية في أصلها دعوةً إلى الحرب، بل صرخة في وجه التهميش. أبناء الإقليم، من الزرقة والعرب على السواء، كانوا يرفعون شعار العدالة والمساواة في الثروة والسلطة، غير أن النظام الحاكم آنذاك قرأ مطالبهم بعقلية أمنية لا سياسية، وتعامل مع مظالمهم كتهديدٍ يجب سحقه لا إصلاحه. فبدلاً من فتح باب الحوار، أطلق البشير العنان لآلة القمع، وأنشأ مليشيات قبلية مسلحة لمواجهة الحركات المتمردة، فكانت النتيجة أن تحولت دارفور إلى مسرحٍ للإبادة الجماعية والنزوح الجماعي، وسقط مئات الآلاف بين قتيل وجريح. ومع مرور الزمن، تغيّرت أسماء الحركات المسلحة، وتبدّلت قياداتها، لكن جوهر الأزمة لم يتغير. فقد تآكلت القضايا الكبرى تحت ثقل المصالح الشخصية. صارت الحركات تتناحر فيما بينها أكثر مما تتناحر مع خصومها، وتحوّل النضال إلى وسيلة للابتزاز السياسي والمساومة. لم تعد دارفور تتحدث بصوتٍ واحد كما كانت في بداياتها، بل تفرقت كلمتها بين عشرات الحركات التي تبحث كل منها عن نصيبٍ في كعكة السلطة المركزية. وبهذا الانقسام، ضاعت البوصلة، وضاع معها جوهر القضية الذي بدأ باسم العدالة وانتهى في أروقة المساومات والمناصب. لقد استغلت الحكومات المتعاقبة في الخرطوم هذه الانقسامات بذكاءٍ مصلحي. فكلما ظهرت حركة جديدة، فُتِح معها باب التفاوض، وكلما انقسمت حركة قديمة، جرى استقطاب أحد أجنحتها لخلق توازنٍ هش يُبقي دارفور مشتعلة إلى الأبد. فدارفور بالنسبة للنظام القديم كانت ورقة ضغطٍ تُستخدم متى ما احتاج إلى تخويف الداخل أو مساومة الخارج. والنتيجة أن دارفور أصبحت حقل تجارب لكل سياسات الخرطوم الفاشلة: مرةً تُدار بالسلاح، ومرة بالاتفاقيات التي لا تنفذ، ومرةً بالوعود الكاذبة. إن ما نراه اليوم من انفجار دموي جديد ليس معزولًا عن ذلك الإرث الطويل من الفشل. فحين قرر بعض قادة الحركات المسلحة الانخراط في العملية السياسية بعد اتفاقية جوبا، لم يحملوا معهم مشروع سلامٍ حقيقي، بل حملوا طموحاتٍ شخصية ومواقع في السلطة. ومع اشتعال الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وجد هؤلاء أنفسهم في مأزقٍ جديد: هل يقفون على الحياد أم ينحازون؟ لكن تحت ضغط التحالفات والصفقات، اختاروا الانحياز إلى الجيش، فخسروا بذلك موقعهم كوسيط محتمل بين الطرفين، وأدخلوا دارفور مجددًا إلى بطن الحرب. ولم يكن هذا الانحياز قرارًا بريئًا، بل نتيجةً لحساباتٍ قصيرة النظر. فقد رأى بعض قادة الحركات أن تحالفهم مع الجيش قد يضمن لهم دورًا في إعادة ترتيب السلطة بعد الحرب، غير أن حساباتهم لم تكن دقيقة. فالجيش نفسه لم يكن يمتلك السيطرة الكاملة، والدعم السريع كان يزداد قوةً يومًا بعد يوم. وبينما كانت قوات الحركات المسلحة تحاول دعم الجيش في مناطق الوسط، كانت دارفور تُترك مكشوفة أمام زحف الدعم السريع، الذي تمدد بسهولةٍ في مدن الإقليم الواحدة تلو الأخرى. وهكذا تحوّل الإقليم الذي كان يومًا مهد الحركات المسلحة إلى ميدانٍ لمعارك تُدار بأيدي الغرباء. المأساة الكبرى أن هذه الحركات، التي نشأت من رحم المعاناة، أصبحت اليوم جزءًا من المشكلة بدل أن تكون جزءًا من الحل. فقدت ثقة الناس، وانهار رصيدها الشعبي، لأن الجماهير اكتشفت أنها لم تعد تقاتل من أجل العدالة أو الكرامة، بل من أجل مقاعد السلطة. وبينما تتقاتل النخب على المواقع، يواصل المدنيون دفع الثمن: قرى تُحرق، ونساء تُغتصب، وأطفال يُقتلون أو يُهجّرون بلا مأوى. دارفور التي كانت تنادي بالمساواة، أصبحت اليوم أكثر مناطق السودان انقسامًا وضعفًا. لكن الخطر لا يأتي فقط من البنادق، بل من الوعي المشوّه الذي زرعته سنوات التحريض والكراهية. لقد لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دورًا بالغ السوء في تفتيت النسيج الاجتماعي. صارت المنصات منابر للانتقام اللفظي، تُبثّ منها دعوات الثأر والاصطفاف القبلي. بعض من يكتبون من بعيد يؤججون النيران دون أن يشعروا بلهيبها، يوزعون الاتهامات كما تُوزع الرصاصات، ويُعيدون إنتاج خطاب الإقصاء ذاته الذي أشعل الحروب في الماضي. وهكذا، بينما تُزهق الأرواح في الميدان، تُغتال الحقيقة على الشاشات. دارفور اليوم ليست فقط ضحية السلاح، بل ضحية غياب الرؤية. فالمأساة لم تبدأ في أبريل 2023، بل في اليوم الذي قرر فيه السودانيون أن يواجهوا بعضهم بالسلاح بدل الحوار. كل الأطراف مسؤولة: الجيش الذي يرى نفسه وصيًا على الوطن، والدعم السريع الذي ظن أنه قادر على بناء دولة بالبندقية، والحركات المسلحة التي خانت أهدافها الأولى، والنخب التي صمتت حين كان الكلام واجبًا. إن هذا الجرح الدارفوري لن يندمل ما لم تواجه الحقيقة بالشجاعة. لا خلاص لدارفور من خلال السلاح، ولا مستقبل للسودان ما لم يتوقف نزيف الغرب. ما يحدث اليوم ليس قدرًا مكتوبًا، بل نتيجة أخطاء متراكمة كان يمكن تفاديها. والسؤال الآن: كم من الدماء يجب أن تُراق حتى يدرك الجميع أن هذه الحرب بلا جدوى؟ دارفور كانت ولا تزال مرآة الوطن، إن تألمت تألم السودان كله، وإن شفيت شُفي الجسد كله. لذلك، فإن إنقاذ دارفور ليس عملًا إقليميًا، بل مهمة وطنية وأخلاقية، لأن النار التي تشتعل هناك، إن لم تُطفأ بالحكمة، ستحرق الجميع — كما يقول المثل السوداني: النار بتحرق الواطيها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم