دراسة في العرض المسرحي عند الفاضل سعيد

دراسة في العرض المسرحي عند الفاضل سعيد

رؤية نقدية في تجربة رائد الكوميديا السودانية

بقلم: دكتور الوليد محمد الحسن إدريس

تمهيد: من يكون الفاضل سعيد؟

إذا كان للمسرح السوداني أبٌ روحيٌّ استطاع أن يؤسس لتيار مسرحي متميز، استمر لخمسين عامًا، وغرس فيه روح الكوميديا الناقدة، وربط الخشبة بالشارع، والضحك بالبكاء، والنقد بالمرح، فإن هذا الأب هو بلا شك الفاضل سعيد ضرار سلنتوت (1935-2005) .

هو ذلك الفنان الذي قال عن نفسه: “أي مكان به ناس هو مسرح مفتوح، أمل الشعوب ومجدهم المسرح… أحيا على خشبة المسرح وسأموت وأنا على خشبته” . وقد كان له ما قال، إذ وافته المنية في مدينة بورتسودان عام 2005 وهو يؤدي عرضه المسرحي الأخير، ليموت كما عاش، على الخشبة، بين جمهوره الذي أحبه وأخلص له طوال نصف قرن .

هذه الدراسة تسعى لقراءة تجربة الفاضل سعيد قراءة نقدية، تركز على خصوصية عرضه المسرحي، وتكشف عن آليات اشتغاله الفني، وتقف على جماليات التكوين، وتناقش دلالات هذه التجربة في سياق المسرح السوداني والعربي.

أولاً: التكوين والنشأة – جذور العبقرية

  1. البيئة الثرية

ولد الفاضل سعيد في منطقة الغدار قرب دنقلا بالولاية الشمالية، ونشأ في بيئة لغوية وثقافية فريدة: أبوه لا يعرف العربية ويتحدث النوبية، وأمه تجيد العربية ولا تعرف النوبية . هذا التباين اللغوي والثقافي منحه ثراءً ذهنياً مبكراً، جعله قادراً على التقاط التناقضات والتفاصيل الدقيقة في الشخصيات والمجتمع.

ثم انتقل إلى أم درمان حيث تربى في حضن جدته بحي بيت المال، ذلك الحي العريق الذي شكل وعاءً للثقافة الشعبية والروايات التاريخية . من هذه الجدة، تلقى الفاضل أولى دروسه في الحكاية الشعبية والإلقاء والإيماءة، لتتشكل ملكته الأولى قبل أن يمسك بكتاب أو يصعد خشبة.

  1. التأثيرات المبكرة

في مدرسته الأولية، صادفه معلم الرياضيات الفنان الكبير خالد أبو الروس، أحد أقطاب فرقة السودان للتمثيل والموسيقى . تأثر به الفاضل، وبدأ يحاكيه، لكن أبا الروس كان صاحب رؤية تربوية عميقة حين قال له: “يا ابني لا أريدك أن تمثل الآن.. ولو مثلت الآن فلن تتعلم، ونحن في حاجة للممثل المتعلم” . كانت هذه النصيحة بمثابة خريطة طريق: التعليم أولاً، ثم الفن.

في المرحلة الثانوية، وتحديداً في مدرسة الفاروق (مدارس البعثة المصرية)، تعمق إحساسه بالمسرح من خلال ما كان ينقله أساتذته المصريون من مسرحيات نجيب الريحاني . وهنا التقى باثنين من نجوم الكوميديا المصرية لاحقاً: أمين الهنيدي (مدرس التربية الرياضية) ومحمد أحمد المصري الشهير بـ”أبو لمعة” (مدرس الرسم) . كان اللقاء بهما بمثابة احتكاك مباشر بنموذج المسرح الكوميدي المصري، لكن الفاضل سيكون له طريق آخر، أكثر خصوصية وسودانية.

ثانياً: نشأة الفرقة – تأسيس تيار مسرحي

في عام 1955، اتخذ الفاضل سعيد خطوته الأهم: تأسيس “فرقة الشباب للتمثيل الكوميدي” . ضمت الفرقة أسماء ستصبح لاحقاً علامات في المسرح السوداني: محمود سراج “أبو قبورة”، عثمان أحمد حمد “أبودليبة”، وعثمان اسكندراني، إضافة إلى مجموعة من الفتيات .

تم تسجيل الفرقة في مجلس بلدي أم درمان، وكان مقرها نادي العمال . هذا الاختيار لمقر الفرقة ليس عابراً: نادي العمال يعني جمهور العمال، جمهور البسطاء، جمهور الشارع. كان الفاضل يدرك منذ البداية أن مسرحه سيكون مسرحاً شعبياً بامتياز، يخاطب الناس بلغتهم، ويحكي همومهم، ويضحكهم على أنفسهم ليصححوا أخطاءهم.

ثالثاً: رحلة الأقاليم – مسرح لكل السودان

من أبرز ملامح تجربة الفاضل سعيد أنه لم يحبس نفسه في العاصمة. كان يرى أن “جمهور العاصمة هو جمهور الأقاليم”، وأن المسرح الحقيقي هو الذي يذهب إلى الناس حيثما كانوا . لذلك، قاد فرقته الصغيرة في جولات شملت كل مدن السودان وقراه:

من الشمال: حلفا، دنقلا، كرمة، عطبرة، شندي.
إلى الغرب: الجنينة، نيالا، الفاشر، الأبيض.
إلى الشرق: القضارف، كسلا، سواكن، بورتسودان.
إلى الوسط: كل قرى ومدن الجزيرة والنيل الأبيض .

هذه الجولات لم تكن مجرد عروض عابرة، بل كانت بناءً لجمهور واعٍ ومحب للمسرح. كان الفاضل يقدم عروضه في كل مكان: في الأندية، في الساحات العامة، في المدارس، حتى وصل إلى الجمهور الذي لم يكن ليرى مسرحاً في حياته.

رابعاً: خصوصية العرض المسرحي عند الفاضل سعيد

  1. البناء الدرامي: بين الإرتجال والتأليف

البدايات الأولى للفاضل سعيد كانت في الكشافة، حيث كان يحول قانون الكشافة إلى دراما عبر الإرتجال . هذه المهارة الإرتجالية ظلت حاضرة في عروضه، لكنها لم تكن إرتجالاً فوضويًا، بل إرتجالاً متمرّساً، يقوم على معرفة عميقة بالشخصية والموقف والجمهور.

مع الوقت، تحول إلى التأليف المسرحي المكتوب، لكنه احتفظ بروح الإرتجال في الأداء. مسرحياته مثل “أكل عيش” (1967) تمثل مرحلة النضج، حيث انتقل إلى المسرحيات ذات الفصول المتكاملة . هذه المسرحية كانت أول مسرحية عربية غير مصرية تُصوَّر وتُبث من التلفزيون المصري، مما يؤكد جودة المستوى الفني الذي وصلت إليه تجربته .

  1. الشخصيات الكاريكاتيرية: نماذج إنسانية ناقدة

أبدع الفاضل سعيد في تقديم شخصيات كاريكاتيرية راقصة على الخشبة، تحمل في طياتها نقداً اجتماعياً لاذعاً. أشهر هذه الشخصيات:

الشخصية صفاتها ودلالاتها
بت قضيم الحبوبة الكبيرة، سليطة اللسان، الناقدة بذكاء للمظاهر الاجتماعية الفاسدة
العجب شخصية تمثل نموذجاً إنسانياً ساخراً
الحاج كرتوب شخصية تعبر عن نمط اجتماعي معين

هذه الشخصيات لم تكن مجرد أقنعة كوميدية، بل كانت مرايا تعكس المجتمع السوداني بكل تناقضاته. “بت قضيم” خصوصاً أصبحت أيقونة ثقافية، ترمز للمرأة السودانية الحكيمة، السليطة، المحبة، الناقدة في آن.

  1. اللغة المسرحية: بين العامية والفصحى

استخدم الفاضل سعيد اللغة العامية السودانية ببراعة، لكنها لم تكن عامية مبتذلة أو سوقية، بل عامية أدبية مصفّاة، قادرة على التعبير عن أعمق الأفكار بأبسط الكلمات. كانت لغته قريبة من قلب الجمهور، لأنها لغة الجمهور نفسه.

في الوقت نفسه، كان قارئاً نهماً، له مكتبة ضخمة تضم أمهات الكتب: من تاريخ البشرية لنهرو، إلى طبقات ضيف الله، إلى دواوين المتنبي وأبي نواس . هذا التكوين الثقافي الواسع انعكس على نصوصه، فجمع بين البساطة والعمق، بين الضحكة والفكرة.

  1. الموسيقى والغناء: تكامل فني

تعاون الفاضل سعيد مع كبار المطربين السودانيين، أبرزهم محمد أحمد عوض في أغاني خالدة مثل “أبوي ماتقول ليه لا” و”البوسطجي” و”ضربت ليه تلفون” . قصة أغنية “أبوي ماتقول ليه لا” مثيرة: الفاضل كان يعاني من أزمة عاطفية بعد رفض أهالي خطيبته له لأنه “ممثل”، فغنّى القصيدة في رحلة فنية، فأعجب بها محمد أحمد عوض وغناها لاحقاً .

الموسيقى في مسرح الفاضل لم تكن مجرد فاصل أو تزيين، بل كانت جزءاً عضوياً من البناء الدرامي، تعمق المشاعر وتبرز المواقف.

خامساً: آليات النقد الاجتماعي في عروضه

  1. الضحك الناقد

الكوميديا عند الفاضل سعيد لم تكن للضحك فقط. كانت ضحكة ناقدة، تفضح التناقضات الاجتماعية، وتكشف زيف المظاهر، وتسخر من العادات البالية. من خلال شخصية “بت قضيم” مثلاً، كان ينتقد سلوكيات المجتمع دون تجريح، لأن النقد يأتي من داخل الشخصية، من داخلها، بحب وحكمة.

  1. معالجة قضايا الناس

تناولت مسرحياته قضايا الناس اليومية: لقمة العيش (أكل عيش)، العلاقات الاجتماعية (الناس في شنو)، العادات والتقاليد (نحن كده)، المشكلات الزوجية (جارة السوء). لم يكن هناك فصل بين المسرح والواقع، بل كان المسرح مرآة للواقع، وأحياناً مشرطاً لفضح عيوبه.

  1. نقد السلطة بلطف

في زمن لم يكن فيه النقد السياسي المباشر ممكناً، استطاع الفاضل سعيد، عبر شخصياته الكوميدية، أن يوجه سهام نقده إلى بعض الممارسات الحكومية والاجتماعية. كان نقده ذكياً، غير مباشر، لذلك استمر في العمل في ظل أنظمة متعاقبة، محتفظاً بجمهوره وحريته.

سادساً: الإرث والتأثير

  1. العدد الهائل من العروض

يُقال إن الفاضل سعيد قدم أكثر من سبعة آلاف عرض مسرحي ! هذا الرقم الخرافي تقريباً يعكس مدى عطائه وارتباطه بالجمهور. كان يقدم عروضاً متواصلة، في كل مكان، لكل الناس.

  1. التكريم والتقدير

نال الفاضل سعيد العديد من التكريمات خلال حياته، من أبرزها جائزة أفضل ممثل من الرئيس جعفر نميري في مهرجان المسرح الأول بالمسرح القومي بأم درمان عن مسرحية “نحن كده” . كما منح درجة الدكتوراه الفخرية قبل رحيله بفترة وجيزة .

  1. تأثيره في الأجيال التالية

أثر الفاضل سعيد في أجيال من المسرحيين السودانيين، منهم الفنان الكبير هاشم صديق . الطريقة التي بنى بها الشخصيات، وأدار بها العروض، وخاطب بها الجمهور، أصبحت مدرسة يدرسها المهتمون بالمسرح السوداني.

سابعاً: قراءة نقدية معاصرة

  1. الإيجابيات

· الجماهيرية الحقيقية: استطاع أن يصل إلى الجمهور البسيط دون أن يسقط في الابتذال.
· التجديد المستمر: ظلت تجربته متطورة على مدى خمسين عاماً، تواكب التحولات الاجتماعية والسياسية .
· الهوية السودانية الأصيلة: قدم مسرحاً سودانياً خالصاً، دون تقليد أعمى للنماذج العربية أو الغربية.

  1. الملاحظات النقدية

· التوثيق المفقود: كثير من أعماله لم تُسجل أو توثق بشكل كاف، مما يجعل دراستها صعبة على الأجيال الجديدة.
· التركيز على الكوميديا: ربما لو اتجه إلى التراجيديا في بعض أعماله، لكشف أبعاداً أخرى من موهبته.
· المركزية الذكورية: شخصياته النسائية رغم أهميتها (مثل بت قضيم) تبقى محدودة مقارنة بالشخصيات الرجالية.

  1. دروس للمسرح المعاصر

· أن المسرح الناجح هو الذي يخاطب الناس بلغتهم وهمومهم.
· أن الكوميديا أعمق من التراجيديا في قدرتها على النقد والتغيير.
· أن البساطة في الشكل لا تعني السطحية في المضمون.

خاتمة: الفاضل سعيد… أيقونة المسرح السوداني

الفاضل سعيد لم يكن مجرد ممثل كوميدي، بل كان مؤسساً لتيار مسرحي، ومعلماً لأجيال، وضميراً فنياً للمجتمع السوداني. استطاع أن يحول الخشبة إلى منصة للنقد الاجتماعي، والضحكة إلى أداة للتغيير.

رحل الفاضل سعيد في 10 يونيو 2005 في مدينة بورتسودان، وهو يؤدي عرضه المسرحي، ليصدق قوله: “أحيا على خشبة المسرح وسأموت وأنا على خشبته” . لكنه لم يرحل حقاً، لأنه ترك وراءه كنزاً من العروض والشخصيات والأفكار، ستظل حاضرة في وجدان السودانيين، وستظل مادة خصبة للدراسة والبحث للأجيال القادمة.

“الفاضل سعيد اسم لا يمكن أن يتخطاه أي مطلع على مسيرة المسرح السوداني، فهو بحق من استطاع الصمود” .

المراجع

  1. ويكيبيديا: “الفاضل سعيد”
  2. موقع البيان: “ملك الكوميديا السوداني الفاضل سعيد”
  3. صحيفة السودان: “الفاضل سعيد”
  4. صفحة الفاضل سعيد على فيسبوك
  5. موقع الحوار المتمدن: “أسئلة الحداثة في المسرح السوداني” (للاستئناس بمنهج التحليل)

تم إعداد هذه الدراسة بقلم دكتور الوليد محمد الحسن إدريس، وهي محاولة للإسهام في توثيق وتأصيل التجربة المسرحية السودانية، وفتح حوار نقدي حول إرث الفاضل سعيد وإسهاماته.

waleed.drama1@gmail.com

عن الوليد محمد الحسن ادريس

شاهد أيضاً

شخصيات الاطفال ودورها التربوب

عندما نتحدث عن ( شخصيات character ) الأطفال ، بالتأكيد نقصد خبرة ترتبط بالفن المسرحي …