بقلم د.مرتضى القسم عوض الكريم
اتفق الناجحون على حقيقة واحدة: الصراع على الكرسي لا يبني وطناً، والخلاف السياسي لا يُدير مصنعاً، ولا يبني مدرسة، ولا يرصف طريقاً.
الدول التي عبرت لم تسأل: من يحكم؟ بل سألت: كيف تُحكم الدولة؟
التاريخ يقول: الدول لا تفلس لقلة مالها، بل تفلس حين يتقدم الولاء على الكفاءة، والشعار على الإنجاز، والمصلحة الضيقة على المصلحة العامة.
وهذا هو داؤنا في السودان.
وطن يملك خيرة العقول وأنبغ الأطباء وأمهر المهندسين وشعباً صابراً يريد أن ينهض، تحكمه عقلية تريد أن تبطش وتسفح وتلفح. عقلية تموّل العطالة من عرق الفقراء، وتُرضي عديمي الكفاءة من قوت اليتامى. نخب لا تجتمع إلا على إيذاء المواطن، ولا تتفق إلا على إفقاره.
لذلك ترى دولاً تملك كل شيء وتعاني، ودولاً لا تملك شيئاً وتتقدم. ونحن نملك كل شيء ونرذل كل عام إلى أسفل سافلين.
الحقيقة المرة: الأوطان لا تحتاج موارد أكثر، بل تحتاج إدارة أفضل، ورؤية أوضح، وشجاعة في القرار.
من أراد الاستقرار فليجعل التعليم مشروعاً وطنياً، والاقتصاد مشروعاً وطنياً، والكفاءة مشروعاً وطنياً. فالمستقبل لا يُبنى بخطب الأمس، بل بخطط الغد.
الأوطان لا تسقط باختلاف الآراء، بل تسقط حين تتفق النخب على دفن الحقائق. ولا تنهض بتغيير الأشخاص، بل بتغيير طريقة التفكير.
والدليل حولنا:
ألمانيا خرجت من تحت الرماد. رواندا خرجت من المذابح فصارت تاج أفريقيا. سنغافورة بلا ماء ولا أرض صارت مركز العالم.
أما الدرس الصيني فهو الفيصل:
الصين لم تنهض بالصدفة. نهضت لأن حزبها الحاكم قرر أن يتحول من حزب شعار إلى حزب إنجاز.
منذ 1978 قالها دنغ شياو بينغ واضحة: لا يهم لون القطة، المهم أن تصطاد الفأر.
الحزب الشيوعي الصيني فعل ثلاثاً:
أولاً: جعل الكفاءة معيار الترقية، لا الولاء.
ثانياً: ضرب الفساد بيد من حديد، بلا حصانة وبلا كبير.
ثالثاً: ربط شرعيته بلقمة الشعب، فقال: إن لم نُطعم الناس، فلا حق لنا في الحكم.
أنشأ مصانع الكوادر، وألزم كل مقاطعة بخطة خمسية وأرقام إنتاج، وجعل التعليم والصناعة مقدسات لا تمس.
فانتقل من المجاعة إلى قيادة العالم في أربعين عاماً.
هم سألوا: كيف نُطعم ملياراً؟ ونحن نسأل: كيف نحكم شعباً جائعاً؟
هنا يكمن الفرق بين من يبني دولة ومن يدفن وطناً.
