«لا يبدأ السلام حين تصمت البنادق، بل حين يصل الغذاء والدواء إلى من أنهكتهم الحرب.»
مقدمة
في التاريخ الحديث للسودان لم تكن المجاعات والنزوح مجرد نتائج للحروب، بل كانت دائماً مؤشرات على فشل الدولة في حماية مجتمعها وإدارة تنوعه وتوزيع موارده بعدالة. فمنذ الاستقلال عام ١٩٥٦ اندلعت الحروب مراراً في أطراف السودان — أولاً في الجنوب، ثم في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق — بينما ظل ملايين السودانيين يدفعون الثمن في شكل نزوح وجوع وانهيار للخدمات الأساسية.
ومع اندلاع حرب أبريل ٢٠٢٣، التي أشعلها جيش البرهان المؤدلج ومليشيات الحركة الإسلامية، دخل السودان مرحلة جديدة من الكارثة الإنسانية. إذ يواجه أكثر من ٢٥ مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يعيش نحو ١٢ مليون إنسان كنازحين داخلياً أو لاجئين داخل البلاد وخارجها. ولم تعد الأزمة الإنسانية مجرد نتيجة للحرب، بل أصبحت أحد العوامل الحاسمة التي تشكل مستقبل السودان نفسه.
في هذا السياق يبرز مفهوم الوصول الإنساني ليس فقط كاستجابة طارئة لإنقاذ الأرواح، بل كشرط أساسي لبناء السلام واستعادة الدولة السودانية.
من الإغاثة إلى بناء السلام
تقدم الورقة التي قدمها الأستاذ عزالدين الصافي بعنوان «الوضع الإنساني وتداعياته» رؤية شاملة للتعامل مع الكارثة الإنسانية في السودان. فهي لا تكتفي بوصف حجم المأساة، بل تقترح مسارات عملية لإنهاء الحرب وضمان الوصول الإنساني وحماية المدنيين وإعادة تنشيط الاقتصاد والخدمات الأساسية.
وتستند هذه الرؤية إلى مجموعة من المبادئ الأساسية، من بينها: إنهاء الحرب وفرض وقف إطلاق نار إنساني، ضمان إيصال المساعدات عبر ممرات آمنة، حماية المدنيين، إنعاش الاقتصاد المحلي — خاصة الزراعة — وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية مثل المدارس والمستشفيات.
دروس من أفريقيا: رواندا وأوغندا
تقدم أفريقيا أمثلة واضحة لدول انتقلت من الحرب والفوضى إلى الاستقرار.
ففي رواندا، وبعد الإبادة الجماعية عام ١٩٩٤، نجحت القيادة الجديدة بقيادة بول كاغامي في إعادة بناء مؤسسات الدولة وفتح البلاد أمام العمل الإنساني الدولي وبرامج إعادة الإعمار والتنمية، وذلك بدرجة عالية من التنسيق والاحترافية والتوقيت الدقيق.
أما في أوغندا، فقد خرجت البلاد أيضاً من سنوات طويلة من الصراع عندما شرعت القيادة بقيادة يوري موسيفيني في إعادة بناء مؤسسات الدولة تدريجياً مع الحفاظ على الانفتاح على العمل الإنساني الدولي وبرامج إنعاش الاقتصاد.
وتوضح هاتان التجربتان أن الوصول الإنساني يمكن أن يتحول من مجرد نشاط إغاثي إلى أداة لإعادة بناء الدولة وإطلاق مسار التنمية والاستقرار.
كما توضحان أن تعافي السودان بعد الحرب لن يستفيد من تجارب الدول النفطية المجاورة ولا من مصر التي تعاملت تاريخياً مع السودان كحديقة خلفية للموارد، بل من تجارب الدول الأفريقية الخارجة من النزاعات مثل إثيوبيا وكينيا وجنوب أفريقيا، إضافة إلى الاستثمارات البنّاءة من الدول الصديقة التي تدعم تحول السودان لأسباب جيوسياسية، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة.
الوصول الإنساني كجسر للسلام
إن ضمان الوصول الإنساني ليس مجرد مسألة لوجستية، بل هو اختبار لقدرة الدولة المستقبلية على حماية مواطنيها وضمان حقوقهم الأساسية. فعندما تصل المساعدات إلى المجتمعات المتضررة وتُستأنف الخدمات الأساسية تبدأ عملية التعافي الاجتماعي والاقتصادي.
ولهذا يمكن أن يصبح الوصول الإنساني أحد المفاتيح الرئيسية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع الدولي، وكذلك بين الدولة والمواطنين السودانيين.
خاتمة
إن الطريق إلى السلام في السودان لا يبدأ فقط عند طاولات التفاوض، بل يبدأ عندما تعود الحياة إلى القرى والمدن التي دمرتها الحرب. فعندما تصل المساعدات الإنسانية إلى الناس دون عوائق، ويعود الإنتاج الزراعي والاقتصاد المحلي إلى العمل، يبدأ السلام الحقيقي في التشكل.
المراجع والدراسات الداعمة
١. الصافي، عزالدين محمد أحمد. الكارثة الإنسانية في السودان: الأسباب والنتائج ورؤية متكاملة لمعالجتها. ورشة السلام لتحالف السودان التأسيسي، نيروبي، ٩ مارس ٢٠٢٦.
٢. سيد أحمد، أحمد التيجاني. تعليق على ورقة الأستاذ عزالدين الصافي: الوضع الإنساني وتداعياته. ورشة السلام لتحالف السودان التأسيسي، نيروبي، مارس ٢٠٢٦.
٣. سيد أحمد، أحمد التيجاني. عزالدين الصافي: من حقول دارفور إلى منصة الوصول الإنساني. مقال ترحيبي، ٥ أكتوبر ٢٠٢٥.
٤. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD. States of Fragility – Rwanda Country Profile.
٥. مجلة Migration Letters
https://migrationletters.com
٦. Clark, Phil.
The Gacaca Courts, Post-Genocide Justice and Reconciliation in Rwanda.
٧. Prunier, Gérard.
The Rwanda Crisis: History of a Genocide.
٨. Booth, David & Golooba-Mutebi, Frederick.
Developmental Patrimonialism? The Case of Rwanda.
٩. Mutibwa, Phares.
Uganda Since Independence: A Story of Unfulfilled Hopes.
١٠. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA.
Sudan Humanitarian Response Plan.
عزالدين الصافي
رئيس
الهيئة الوطنية للوصول الإنساني
حكومة السلام في السودان
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي مؤسس في تحالف تأسيس السودان
روما – إيطاليا
حكومةًالسلام في السودان
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم