مصطفى عبد العزيز البطل
عرفت الاعلامي والناشط السياسي الاستاذ عبدالرحمن الأمين لأول مرة قبل حوالي عشر سنوات. وكنت قد تلقيت مكالمة هاتفية من الراحل المقيم الدكتور منصور خالد وتحادثنا لبرهة، ثم وفي نهاية المكالمة أنبأني منصور أنه يقيم مستضافاً في دار عبدالرحمن بنواحي ولاية ميريلاند، وأحالني اليه فوجدته انساناً طيباً ودوداً مثل سائر عصبته من عشيرة الهاشماب. وهو صاحب سيرة ذاتية متميزة في حقل الاعلام، عمل في كبريات الصحف العربية ثم في شبكة CNN ذات الحول والطول، وكاد ان يصبح السكرتير الصحفي للأمين العام للامم المتحدة، لولا ان الدكتور بطرس غالي عهدذاك استثقله لسبب ما فردّه واستأجر غيره!
كنت أتمنى أن يقلع الحبيب عبدالرحمن – وغيره من الناشطين – عن عادة كتابة وتوزيع الأرقام الخزعبلية عن أموال الاسلاميين السوادنة الطائلة المهولة، المكدسة في الأمريكتين واوربا وآسيا، وسائر القارات والجزر وأشباه الجزر وجبل قاف الذي تقول الاسطورة انه يقع على حافة العالم. وتلك مهمة لن يبلغ فيها اي منهم شأواً بعيداً، على أية حال، بعد أن انعقد لواء النصر في منافساتها المحتدمة للناشط السياسي الاستاذ محمد عصمت الذي وصل بالأرقام في بنوك ماليزيا وحدها، دون باقي العالم، الى ٦٤ مليار دولار. وكنت عندما سمعت هذا الرقم حينها ولأول مرة هتفت لا إرادياً: يا النبي نوح!
طالعت يوم أمس تصريحات غمرت الوسائط منسوبة الى الاستاذ عبدالرحمن الأمين لم يُبق فيها على دولار ولا دينار ولا درهم مملوك لمولانا علي كرتي وزمرته، أو كما قال، إلا وقد أجهزت عليه أمريكا ذات العماد، بعد أن غلّقت دونهم الأبواب وقطعت عليهم الطرق في عدد من دول ومدن وبنوك العالم سمّاها وفصّلها تفصيلا، فجردتهم من المحيط والمخيط، وتركتهم عُرياً بلابيص، مقطوعي اليد، مفاليس على باب الله، لم يبق في ديارهم نُفاخ نار!
ووددت لو أن صاحبي عبدالرحمن وغيره، ممن سلخوا أعمارهم في مطاردة وهجاء الاسلاميين السوادنة، بالحق وبالباطل، والكيد لهم في البكور والعشيات، وجعلوا من ذلك مبلغ علمهم وأكبر همهم على مدار الحقب، حتى علاهم الشيب ووهن منهم العظم وكاد ماء الحياة ان ييبس في عيونهم، وددت لهم – وقد ركبوا هضبة الشيخوخة – لو أنهم استهدوا بالله ونزعوا مافي الرؤوس من وساوس ومافي القلوب من هواجس، وثابوا الى أنفسهم واستأنسوا بها وأطلقوا لها العنان تحدثهم عن مسيرات حياتهم ومساراتها وهم ناهضون بأمر رسالتهم المقدسة تلك في مواجهة الاسلاميين، فتفتح لهم كتبهم وتقدم لهم كشف حساب: متى صدقوا ومتى كذبوا؟ أين أفلحوا وأين تنكبوا الطريق؟ متى كان الحق رفيقهم ومتى تلبستهم صولات الباطل؟!
أنظروا حولكم هداكم الله: شخوص الاسلام السياسي الحركي المنظم الذين أوقفتم حياتكم على مطاردتهم وملاحقة احزابهم وجماعاتهم في حركاتها وسكناتها لا وجود لهم في مشارع الحياة السياسية الفاعلة غداة يومنا هذا، اللهم الا في أوهام الواهمين. أجيال الاسلاميين من لداتكم، الذين عرفتموهم في المدارس والجامعات في الزمن القديم هم اليوم خارج خارطة الفعل بين ميت مغفورٌ له بإذن ربه، ومريض مدعوٌّ له بالشفاء، ومتقاعد يعيش سعادة الكبر او يعاظل الحياة وتعاظله، وهذه هي الدنيا وتلك سنن الله فيها.
والذين شاءت لهم تصاريف الأقدار ان يقتربوا من الاسلاميين السوادنة يعرفون لزوماً ان الحركة الاسلامية لم تتملك قط وفي أي وقت شركات ومؤسسات تخصها في اي مكان في العالم، وانه لا توجد مؤسسة او شركة او متجر أو كشك أو طابونة مملوكة او مسجلة باسم حزب المؤتمر الوطني. وقد نهض شركاء الجيش من جماعة الحرية والتغيير، في عهد هوجة لجنة ازالة التمكين، فأفرغوا وسعهم وهم يجرون وراء سراب ثروات الحزب والحركة، فانقطع نفسهم وانهد حيلهم ولم يخلصوا الا الى ملاليم هنا وملاليم هناك، ما لبث القاضي أبو سبيحة إلا ريثما قام من فروته فردها الى اصحابها!
كان التقليد والممارسة عند الحركة الاسلامية بشأن ما بين أيديها من اموال أن يُعهد بها للحفظ والاستثمار عند شخوص بأعيانهم من عضوية الحركة، منهم من ردها فأعادت الحركة توظيفها وتدويرها عند اعضاء آخرين، ومنهم غلبت عليه نفثات الشيطان فالتوى بها. وقد تسامع الناس في طرقات المدينة ذات يوم من أيام الانقاذ همساً عن عشر ملايين دولار أودعتها الحركة عند احد أعضائها في لندن، فأدركه الموت على حين غرة وهو في شرخ الشباب فتشبثت زوجته بتلك الملايين تشبث اللبوة بفريستها ورفضت أن تردها لاصحابها، وآزرها في ذلك والدها الوزير السابق ذو النسب المايوي، وأمها الحسيبة ذات النسب المهدوي. ويُقال في مثل ذلك “رزقٌ ساقه حسن البنا اليك”!
هل يعني هذا ان الوجود السياسي الاسلامي الفاعل قد انتهى وانقضى في السودان؟ كلا بالطبع، لا يقول بذلك إلا مخبول ففي الاسلام السياسي الحركي قوة وفتوة وصائية لا يخمد أوارها، ومتانة سلطوية لا تنطفئ جذوتها، وسيكون هناك دائماً على تتابع حلقات الاجيال رجال ونساء يجدون أشواقهم ورسالاتهم في الطروحات الاسلامية المستبصرة وغير المستبصرة.
ولكننا نريد من حبيبنا عبدالرحمن ومن اتبع سنته في الانشغال الدائم بالاسلاميين، وحياكة وترويج القصص والروايات الدرامية ليل نهار عن مخاطرهم ومؤامراتهم وملياراتهم وثرواتهم وأجنادهم وكتائب ظلهم وأبيهم الثعلب وأمهم الغولة، استدراراً للتصفيق وتكففاً للاعجاب من قومٍ هنا وقوم هناك، نريد منهم ان يستفتوا قلوبهم ويستلهموا وجدانهم، وأن يجدوا في أنفسهم ما يوطنهم على ابتداع رسالة جديدة يخلصون فيها لذواتهم ويصدقونها، فلا يتجشمون مشقات التكلف والمعاسرة واصطناع المواقف إرهاق الناس.
ان شعب السودان بكافة ملله وشيعه وطوائفه السياسية والعقائدية يقف اليوم أعزلاً عاري الصدر في مواجهة اكبر عدوان في تاريخه الحديث يتهدده في أصل وجوده. ومن أدعى مقتضيات الولاء والمسؤولية الوطنية في هذا الظرف العصيب ألا نغرق هذا الشعب الممحون، وهو يكابد هذا الابتلاء، في لجج الخرافات وشلالات الخزعبلات والأوهام، وأن نُحسن اليه فنسمو به وبأنفسنا فوق صغائر المكايدات والمغايظات والمزايدات والأخبار التالفة!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم