lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لـوال كوال لـوال
منذ إعلان استقلال جنوب السودان عام 2011، كان الأمل كبيراً في أن يتحول هذا الحدث التاريخي إلى نقطة بداية لبناء دولة مستقلة قادرة على تجاوز إرث الحروب الطويلة. لكن سرعان ما تحوّل ذلك الأمل إلى خيبة ثقيلة، ومعه عادت البلاد إلى دائرة الصراع، ليس فقط بين القوى السياسية، بل داخل المجتمعات نفسها، حيث أصبحت النزاعات القبلية واحدة من أبرز مظاهر هشاشة الدولة الوليدة. هذه النزاعات، رغم أنها تبدو في ظاهرها محلية أو ذات طابع اجتماعي تقليدي، تحمل في حقيقتها بعداً سياسياً واقتصادياً عميقاً، وتؤثر بشكل مباشر في قدرة جنوب السودان على بناء مؤسسات مستقرة تحمي المواطنين وتوفر لهم أساساً لعيش كريم. إن الواقع القبلي في جنوب السودان ليس ظاهرة طارئة، بل هو جزء أصيل من البنية الاجتماعية للمجتمع الجنوبي. فالقبيلة ليست مجرد هوية، بل هي إطار للحماية، والانتماء، وتكوين التحالفات، وتوزيع الموارد. وفي ظل غياب مؤسسات الدولة وضعف القانون، تصبح القبيلة هي الملاذ الطبيعي للفرد. لذلك لم يكن غريباً أن تعود النزاعات القبلية بقوة بعد الانفصال، حين لم تكتمل عملية بناء الدولة، ولم تتمكن السلطة الجديدة من بسط نفوذها على كل المناطق أو إنشاء جهاز إداري قادر على إدارة الخلافات بصورة سلمية. وهكذا شهدت البلاد عشرات النزاعات المحلية في أعالي النيل، جونقلي، واراب، البحيرات، الاستوائية، وغيرها، حول الأرض والماشية والثأر، لكنها سرعان ما تحولت إلى صراعات مسلحة واسعة بفعل انتشار السلاح وتسييس الانتماءات. ما زاد الوضع تعقيداً أن الطبقة السياسية في جنوب السودان لم تفصل نفسها عن الروابط القبلية، بل استعانت بها لتثبيت نفوذها. فقد أصبح الولاء السياسي في كثير من الأحيان يستمد قوته من الولاء القبلي، وأصبحت السلطة تُوزّع وفق اعتبارات الانتماءات الاجتماعية أكثر مما تُوزّع وفق معايير الكفاءة والعدالة. هذا التشابك بين القبيلة والسياسة جعل النزاعات الصغيرة قابلة للاشتعال بسرعة أكبر، لأن أي خلاف محلي يمكن أن يتحول بسهولة إلى جزء من صراع وطني أوسع، كما حدث في أعقاب الأزمة السياسية التي اندلعت في ديسمبر 2013، حين اختلط التنافس السياسي بالطابع القبلي، فتحوّل الخلاف السياسي إلى صراع أهلي دموي أضرّ بالنسيج الاجتماعي كله. إن هشاشة الوضع السياسي في جنوب السودان ليست سوى نتيجة طبيعية لهذا الترابط بين الانتماء القبلي والسلطة. فالدولة التي لم تستطع أن تنشئ مؤسسات مستقلة وفعالة، ولا قضاءً قادراً على حل النزاعات، ولا أجهزة أمنية محايدة، تجد نفسها أسيرة شبكات الولاءات المحلية. وعندما تغيب الدولة، تصبح القوة هي الفيصل، ويصبح السلاح لغة الحوار الوحيدة. لذلك لم يسعف اتفاق السلام الشامل، رغم أهميته، في إيقاف النزاعات القبلية بصورة نهائية، لأنها ليست مجرد صراع مسلح قابل للتهدئة، بل تعبير عن أزمة بنيوية في طبيعة الدولة وفي علاقتها بمجتمع يعاني من انقسامات عميقة. على الصعيد الاقتصادي، تساهم النزاعات القبلية في تعميق الهشاشة التي يعيشها جنوب السودان. فالبلاد تعتمد إلى حد كبير على عائدات النفط، ومعظم مناطق الإنتاج تقع في مناطق يسهل فيها تفجّر النزاعات. ومع كل اشتباك، تتوقف حركة التجارة، وتتقطع طرق الإمداد، وتتراجع الأنشطة الزراعية والرعوية التي تمثل مصدر الدخل الأساسي للكثير من الأسر. كما أن انعدام الأمن يجعل المستثمرين المحليين والأجانب مترددين في ضخ رؤوس أموالهم في مشاريع تنموية، مما يؤدي إلى حالة ركود اقتصادي تزيد من معدلات الفقر، الذي بدوره يزيد احتمالات العنف. إنها دائرة مغلقة: الحرب تؤدي إلى الفقر، والفقر يؤدي إلى المزيد من العنف. وللأزمة أيضاً بعد اجتماعي لا يقل خطورة. فالنزاعات القبلية تترك أثراً عميقاً على النسيج الاجتماعي، وتؤدي إلى فقدان الثقة بين المجتمعات، وتغذي مشاعر الكراهية والتشظي. ومع مرور الوقت، يصبح من الصعب إعادة بناء هذه الثقة، لأن ذاكرة العنف تظل حاضرة في الأجيال، وتتحول إلى مبرر لاستمرار الصراع. كما أن تأثيرها يمتد إلى التعليم والصحة والطفولة، حيث تتعطل المدارس، وتنهار الخدمات، ويتعرض الأطفال لصدمات نفسية، ويحرم الشباب من أي فرصة للمستقبل، مما يجعلهم فريسة سهلة للتجنيد في النزاعات أو العصابات المسلحة. رغم هذه الصورة القاتمة، إلا أن جنوب السودان ليس عاجزاً عن تجاوز أزمته. إن الحلول ممكنة لكنها تتطلب إرادة سياسية حقيقية، ورؤية تتجاوز الحسابات الضيقة نحو بناء وطن يستند إلى المواطنة والعدالة. أول هذه الحلول هو بناء مؤسسات دولة قوية، مستقلة، ومهنية، تكون قادرة على بسط سيادة القانون، وتوفير الأمن للجميع دون تمييز. وهذا يحتاج إلى إصلاح أمني شامل يعيد هيكلة الجيش والشرطة على أسس قومية، بعيداً عن الانتماء القبلي والسياسي. كما تحتاج البلاد إلى مشروع للمصالحة الوطنية، مصالحة تتجاوز الاتفاقيات السياسية الموقعة بين النخب، وتصل إلى المجتمعات المحلية التي تحمل جراح الحروب. هذه المصالحة لا بد أن تشمل آليات للعدالة الانتقالية، والاعتراف بالانتهاكات، وتعويض المتضررين، وإعادة دمج المقاتلين الشباب في المجتمع. ومن دون معالجة الجروح الاجتماعية، ستظل الاتفاقيات السياسية حبراً على ورق. على الصعيد الاقتصادي، من الضروري تنويع الاقتصاد الوطني، وتشجيع الزراعة والرعي في بيئة آمنة، وتطوير البنية التحتية، وتوزيع عائدات الموارد بشكل عادل يحد من شعور المجتمعات بالتهميش. كما يجب إدخال برامج للتنمية المجتمعية تضمن مشاركة النساء والشباب في عمليات البناء واتخاذ القرار، لأن تغييب هذه الفئات يضعف أي محاولة لإعادة الإعمار. أما على المستوى الثقافي والاجتماعي، فهناك حاجة إلى مشروع طويل الأمد لإعادة بناء الهوية الوطنية على أساس المواطنة لا القبيلة. وهذا يتطلب إصلاح التعليم، وتعزيز الخطاب الذي يدعو للتعايش والسلام، ومواجهة خطاب الكراهية الذي يغذي الانقسامات. فالدولة التي تريد أن تستقر يجب أن تكون لها هوية جامعة يتساوى فيها الجميع، وتحترم فيها كل المكوّنات دون استثناء. إن مستقبل جنوب السودان لا يجب أن يكون استمراراً للمسار الحالي. فالبلاد التي قدم شعبها تضحيات جسام في سبيل الحرية تستحق دولة توفر العدالة والأمن والكرامة. لكن هذا لن يحدث ما لم تدرك النخب السياسية أن التمسك بالقبيلة كأداة للحكم هو وصفة مؤكدة للفشل، وأن بناء الدولة يحتاج إلى شجاعة التخلي عن الولاءات الضيقة لصالح مشروع وطني واسع. ربما تكون أزمة جنوب السودان معقدة ومتجذرة، لكنها ليست مستعصية على الحل إذا توافرت الإرادة، وتم وضع مصلحة الشعب فوق مصلحة الأفراد والجماعات.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم