كان يسير عطِشًا، لا إلى ماء، بل إلى شيء لا يُملأ بالأواني ولا يُروى بالأنهار…
كان عطشه من ذلك النوع الذي يسكن الروح، ويقضمها ببطء، كما تفعل الوحدة حين تتغلغل في تفاصيل الروح..
طرق أبوابًا كثيرة…
أبواب الكلام، وأبواب الصمت.
قرأ الكتب، وتأمل الوجوه، وسأل الريح عن ظلٍّ يشبهه، عن معنى يشبهه، عن صوتٍ يقول له: “هنا، استرح.”
لكنه لم يجد…
ظلّ يتقلب في صحراء الأيام، يحفر بأصابعه على جدران اللحظة، يبحث عن قطرة صدق،
عن كلمة لا تُقال لتُقال، بل تُقال لتُفهم،
عن يدٍ لا تُمسك به لتمنّ عليه ، بل لتثبت أنه لا يزال موجودًا… لا يزال يستحق.
ثم، حدث الأمر ببساطة.
ربما كان نظرة، أو جملة قصيرة، أو حتى صمتًا من نوع مختلف…
لكنه أحس فجأة أن شيئًا في داخله توقّف عن اللهاث،
أن جفافه القديم بدأ يتصدع، وأن نبعًا صغيرًا — لا يُرى — بدأ يسيل بين ضلوعه.
لم يكن حبًا تمامًا، ولا حكمة، ولا وعدًا،
كان مجرّد لحظة صادقة … لحظة صافية… لحظة تشبه المطر حين يلمس ترابًا اشتاق إليه طويلًا.
ومنذها، لم يعد يبحث،
لم يعد يركض،
جلس، وأسند قلبه،
حتى ارتوى وكفي ..
mohamed.abdommm@icloud.com
محمد عبد المنعم صالح
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم