ذاكرة الخذلان تعرقل مواجهة الأكراد لإيران

نزار عثمان السمندل

تتراءى في الأفق الكردي ذكريات الخذلان الأميركي، ثقيلة، كما لو أنها نُسجت من أحداث لا تُمحى. الحماسة التي تدفع الأكراد للتأهب للقتال ضد النظام الإيراني تتشابك مع الخوف، حيث التاريخ يلوح كمرشد ساخر، يذكّر بأن القوة التي تُستدعى اليوم قد تُترك غداً. الرغبة في التأثير على مستقبل المناطق الكردية تصطدم بحذر متجذر في تجارب مريرة.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوضح حدود التوقعات، يعلن عدم رغبته في انخراط الأكراد مباشرة، يضعهم على حافة المشاركة دون ضمانات مكتملة.
المكالمات الهاتفية التي أجراها مع قادة الأكراد في العراق وإيران، من مسعود بارزاني إلى بافل طالباني ومصطفى هجري، تحمل دعوات للمشاركة وحوافز محدودة: دعم جوي، إمدادات عسكرية، وعدة تأكيدات بالكلمات أكثر من الفعل.
لكن الذاكرة الكردية تقف شامخة، تتذكر “قتال الأنفال”… القمع، التراجع الأميركي بعد الانتفاضات ضد صدام، والشراكات المؤقتة ضد تنظيم “داعش”. كل هذه الأحداث تشكّل إطاراً لا يمكن تجاوزه بالحديث أو المراوغة السياسية.
التجربة تحفر مأزقاً أخلاقياً وسياسياً: المشاركة تمنح فرصة للتأثير العسكري والسياسي، لكنها تعرض الأكراد لمخاطر شخصية وسياسية مباشرة. أي خطوة ضد إيران تعني مواجهة الحرس الثوري، وتعريض مناطقهم وشعوبهم للانتقام.
في المقابل، البقاء على الحياد يحفظ استقرار مناطقهم ويمنع الانجرار إلى صراع قد يستنزف القوى ويعيد إشعال ذاكرة الخذلان.
الأكراد الإيرانيون، الذين يشكلون نحو عشرة في المئة من السكان شمال غرب البلاد، يمتلكون تاريخاً طويلاً من الاحتجاج والمقاومة. موجة الغضب التي تلت وفاة مهسا أميني عام 2022 كشفت قدرة المجتمع الكردي على الحركة السريعة والتحرك داخل أزمات النظام السياسي.
في العراق، يمثل القادة الكرد قوة شبه مستقلة، مع خبرة في إدارة مناطقهم، لكن أي تدخل مباشر في الأراضي الإيرانية يحمل مخاطر دولية ويضعهم أمام حسابات دقيقة على صعيد السيادة والرد الإيراني.
التحالف العسكري بين ستة أحزاب كردية معارضة للنظام الإيراني يوضح استعداداً للعمل المشترك، لكنه يظل في انتظار ضمانات واضحة من الولايات المتحدة. الغطاء الجوي والإمدادات العسكرية وحدهما لا يكفيان، إذ الثقة تحتاج إلى إثباتات ملموسة تتجاوز الكلمات والتصريحات الصحفية. التهديدات الإيرانية بالصواريخ والهجمات على مواقع الأكراد في العراق تضيف طبقة من الخطر تزيد الضغط على أي قرار.
في واشنطن، يختلط الاهتمام بالاستفادة من قدرات الأكراد مع الخشية من الانجرار إلى حرب برية موسعة، ما يضع الطرفين أمام توازن هش بين الفرص والمخاطر.
انهيار النظام الإيراني بدعم جماعات مسلحة قد يؤدي إلى فوضى واسعة وتقسيمات على أسس عرقية، كما يشير خبراء مثل ديفيد شينكر، ما يجعل أي مشاركة خيارًا محفوفًا بالتعقيد.
رغم ذلك، يحتفظ الأكراد بقدرات عسكرية وتجهيزات متقدمة بفضل دعم طويل من وكالة المخابرات الأميركية. موقعهم الاستراتيجي على الحدود الإيرانية يمنحهم قيمة عسكرية وسياسية حقيقية، ويتيح لهم إمكانيات للمساهمة في مرحلة ما بعد النظام، لكن السؤال المركزي يبقى: هل سيحققون أهدافهم الوطنية والسياسية، أم سيكونون أداة لتطلعات قصيرة المدى؟
تتقدم الجمل الكردية بثقة وحذر متزامن، تمشي على حافة التاريخ، تزن كل خطوة بالمخاطر والعوائد. القرار النهائي سيعتمد على وضوح الضمانات الأميركية، وحجم الدعم الفعلي، وإمكانية تحقيق أهدافهم دون الانجرار إلى فوضى.
التاريخ الطويل من الخذلان يشكل محور كل تفكير، ويجعل أي حماسة مباشرة مرتبطة بحسابات دقيقة، خوفًا من تكرار التجربة.
الحماس للكفاح ضد النظام الإيراني يتقاطع مع ذاكرة ثقيلة، معقدة، مليئة بالتجارب التي لا تُنسى. التحدي مزدوج: السعي للتأثير السياسي والعسكري في مناطقهم، مع تجنب الانزلاق إلى فخ الاستخدام ثم التخلي، كما جرى مرات عدة.
مستقبل المشاركة يبقى مفتوحاً، بين دور محوري مؤثر، أو أداة مؤقتة لتحقيق أهداف محدودة للآخرين، في لعبة قاسية بين الطموحات الوطنية والأهداف الاستراتيجية الكبرى.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

خطاب كجاب يعمّق عزلة قائد الجيش

نزار عثمان السمندل على نحوٍ فجّ يتكشّف المشهدفي السودان. كأن حوائط التماسك الهشّ التي أُنفقت …