ذكريات ومذكرات حاج في الزمن الجميل علي المستوي الشخصي والمستوي العام !!.. ( ١ )
ghamedalneil@gmail.com
الزمان العام ١٩٧٣ والمكان مدرسة رجل الفولة المتوسطة وانا مازلت معلما اسمي في سجلات الوزارة مكتوب بقلم الرصاص إذ أنني لم احصل بعد علي التأهيل والتدريب في بخت الرضا لكي أنال عن جدارة واستحقاق لقب معلم مدرب استطيع بمقتضي هذا الإنجاز أن أقوم بتدريس الصف الاول وهي مهمة شاقة لمن لم يمر ببخت الرضا ويقتطف من بساتينها فن توصيل المعلومة في سهولة ويسر وان اقوم كذلك بتدريس الصف الرابع الذي تقلص للصف الثالث بعد أن تحولت المدرسة الأولية إلي مرحلة أساس نظام الست سنوات .
ومن بركات بخت الرضا الاقتصادية تلك الترقية المحترمة التي تقفز بالخريج من ( اسكيل K ) الي ( اسكيل H ) وهي نقلة نوعية تفتح الباب علي مصراعيه للعلاوات والبدلات ومزيداً من الترقيات الي درجة نائب الناظر ودرجة الناظر نفسه بالمدرسة ويتيسر الطريق الي مكتب التعليم للعمل في التوجيه أو أي وظائف إدارية أخري لأزمة للارتقاء بالشأن التربوي والتعليمي وقد وصل البعض الي مراكز متقدمة في رئاسة الوزارة ومنهم من تبوأ منصب الوكيل والكثير من المعلمين ابتعثوا لبريطانيا خاصة معلمي اللغة الإنجليزية الذين رحبت بهم جامعة ( ليدز ) التي منحتهم المزيد من التأهيل !!..
نعود لمدرسة رجل الفولة المتوسطة وانا معلم بها ( Junior ) في أول السلم الوظيفي وكان مرتبي وقتها قد بلغ الاربعين جنيها وقد تم تعيني في العام ١٩٦٩ براتب قدره ( ثمانية وعشرون جنيها وريال ) !!..
تقدمت بطلب لرئاسة الوزارة بالخرطوم حيث لم تنشأ بعد الوزارات الولائية وكان الشأن التعليمي في رئاسة المديريات يسند لمكاتب التعليم بقيادة الباشمفتش وأركان حربه من أكفأ التربويين الذين صقلتهم التجارب منذ بداية تعيينهم كمعلمين والي أن تقلبوا في أروقة المكتب في مختلف المهام وكما قلنا فقد وصل البعض منهم الي درجة الباشمفتش في أعلي السلم بالكفاءة والعمل الدؤوب ولم تكن هنالك محسوبية ولاتمكين ولا قفز بالزانة !!..
تقدمت بطلبي لرئاسة الوزارة طالبا منهم الموافقة علي أداء فريضة الحج ذاك العام ١٩٧٣ بواسطة ناظر المدرسة الأستاذ المخضرم خريج كلية غردون ( صالح مكين ) المختص في تدريس مادة الجغرافيا نظريا وعمليا بصورة ليس لها مثيل … وتقدم معي في نفس اللحظة زميل آخر أكبر مني سنا ومتزوج وله ذرية أما أنا فمازلت مرابطا في نادي العزوبية إذ أنني مكثت بعد هذا العام ١١ سنة حتي خرجت من العزوبية الي دنيا الزوجية في العام ١٩٨٤ قبل سنة من قيام ثورة أبريل المجيدة !!..
وجاء الرد من رئاسة الوزارة بقبول طلب زميلي الأستاذ الأكبر مني سنا واعتذروا لي بحجة أن المدرسة تعطي فرصة الحج بها لشخص واحد فقط !!..
انطلق زميلي يجهز حاله لهذه الشعيرة التي هي ركن من أركان الإسلام مفروضة مرة واحدة في العمر مع توفر الاستطاعة !!..
وغادرت أنا الي الأبيض خلسة دون أخذ الإذن من الناظر وهي مخالفة يستحق مرتكبها ان يعقد له مجلس تأديب !!..
في الأبيض بدأت أولي خطواتي استعدادا للسفر الي الأراضي المقدسة وليس في يدي إذن من الوزارة لأكون من حجاج ذاك العام واشتريت ملابس الإحرام وحجزت لنفسي مقعدا بالطائرة ( بورتسودان جدة بورتسودان ) وضعت التذكرة في جيبي واحتجت الي حقيبة واعطاني لها ابن بلدتنا المسلمية صاحب البازار الأنيق بالابيض العم صديق فضل الله مجانا بعد إن علم اني باذن الله سبحانه وتعالى متوجه لمكة المكرمة والمدينة المنورة وطبعا هذه لفتة جميلة منه وتقديرا لي ولاسرتي وقد كنا جميعا أسرة واحدة في كافة الأحوال!!..
توجهت الي مكتب التعليم بالابيض ومعي وثائق السفر ، الباسبورت والتذكرة وكرت الحمي الصفراء ودخلت من غير استئذان الي مكتب الإنسان التربوي المعتق الخلوق الاستاذ حسن بيومي وفاجاته بأن رميت علي مكتبه وهو جالس في هدوء يطالع بعض الملفات أمامه كل ما معي من أوراق وسط أشد أنواع الدهشة التي بدت علي محياه ولم ينبث ببنت شفة وانتظرني في صبر واناة حتي أفصح عن مكنونات اقتحامي هذا المكان بكل هذه الجرأة ومن غير استئذان!!..
قلت بعد هنيهة استعدت فيها توازني :
( سيادتك أنا فلان بن فلان معلم بمدرسة رجل الفولة الوسطي مازلت متدربا ونويت الحج هذا العام ورفضت الوزارة طلبي وقد جئت اليكم من وراء ناظر المدرسة ولم احصل علي إذن منه وانا إن شاء الله ماشي الحج سواءا وافقتم ام لا !!..
كنت أتوقع بعد حديثي الجاف هذا مع ذاك المسؤول الكبير ان تكون ردة الفعل عليه قوية مزلزلة علي الاقل كنت أتوقع ان يطردني من المكتب غير مأسوف علي وان يأمرني بالرجوع فورا لمدرستي انتظارا لقرار يصدر في حقي بسبب مغادرة المدرسة من غير إذن وبسبب الوصول إلي رئاسة مكتب التعليم بكل هذه الهمجية وقلة الذوق والقصور في مخاطبة المسؤول الكبير بكل ادب واحتشام !!..
بعد ان ظل الأستاذ حسن بيومي مطرقا لبعض الوقت رفع رأسه ونظر الي مليا وقال علي عكس ماكنت اتوقع حديثا يفيض بالابوة والعطف والحنان والاستاذية بنبرة فيها كل قيم التربية والتعامل من واقع المسؤولية بعيدا عن تطبيق القوانين الصارمة ومجالس التأديب وإيقاع أشد العقوبات علي المخالفين !!..
قال لي :
( ياابني لم يحدث مطلقا إن فعلت ذلك ولكني اليوم سامنحك إجازة محلية لمدة شهرين مدفوعة الأجر تقضيها بالمملكة العربية السعودية لأداء مناسك الحج ، وكل ما اطلبه منك ان لا تنسونا من صالح الدعوات وانتم في هذه البقاع الطاهرة ) !!..
طبعا نزل علي هذا الكلام الجميل بردا وسلاما وشعرت براحة كبيرة تدب في أعماقي أمام هذا الإنسان الراقي الذي يتعامل مع مرؤوسيه بكل هذا الفهم العميق وهذا الخلق الرفيع والرقي العالي المستوي!!..
كانت الساعة قد أوشكت ان تصل إلي موعد خروج الموظفين وكنت محتاج إن أذهب الي غرفة الكتبة لطباعة الإجازة ولاستخراح تصاريح السفر بالقطار ( الخرطوم بورتسودان الخرطوم ) !!..
وشعر الأستاذ حسن بيومي ربما إن الموظفين هنالك وقد أوشك موعد خروجهم علي الدنو إن يطلبوا مني الحضور غدا نسبة لضيق الوقت ، فذهب معي إليهم وحثهم علي مساعدتي وقد كان إن استلمت ورقة الاجازة وتصاريح السفر ولم يقتصر الأمر بذلك بل ذهب معي الي مكتب الحسابات لاستلم مرتب شهرين عدا نقدا وكمان وجدت ان لي متأخرات علاوات تم صرفها لي في التو والحال وخرجت من مكتب التعليم بخير وفير وكنز ثمين واغلي كنز خرجت به إن ودعني الأستاذ حسن بيومي الي الباب الخارجي وتمني لي حجا مبرورا وسعيا مشكورا وزيارة مقبولة باذن الله سبحانه وتعالى.
نواصل إن شاء الله سبحانه وتعالى في الحلقة القادمة .
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم