محمد الأمين عبد النبي
في زمنٍ تتقاطع فيه السياسة مع السرديات الإعلامية والثقافية، لم يعد العمل الدرامي مجرد حكاية تُروى على الشاشة. فمع عرض مسلسل “رأس الأفعى”، بدت القصة وكأنها تعكس نقاشاً أوسع يدور خارج إطار الفن؛ نقاش يتعلق بطبيعة تنظيم الإخوان المسلمين ومسار حضوره في المشهدين الإقليمي والدولي. فالمسلسل لا يكتفي ببناء حبكة درامية حول شبكات سرية وصراعات خفية، بل يلامس أسئلة سياسية حقيقية تتعلق بالتوتر القائم بين خطاب سياسي يقدّم الجماعة بوصفها حركة سياسية طبيعية، وبين وجود بنى تنظيمية مغلقة وشبكات عنف مرتبطة بها أو متفرعة عنها.
ومع تصاعد الأحداث في العمل، تتشكل صورة درامية تقترب من واقع أكثر تعقيداً؛ واقعٍ تتشابك فيه التنظيمات المتطرفة مع الحسابات الأمنية. وهنا يصبح “رأس الأفعى” أقرب إلى مرآة سردية لجدل دولي يتنامى منذ سنوات حول العلاقة الملتبسة بين العمل السياسي العلني والهياكل العسكرية السرية التي يحتفظ بها التنظيم أو يعيد إنتاجها في لحظات الأزمات.
وفي اللحظة ذاتها التي يتابع فيها المشاهد تلك الحكاية على الشاشة في رمضان، كانت تطورات سياسية على الأرض تعيد فتح الملف ذاته. فقد تم خلال الشهر الماضي تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في أربع دول، وفي منتصف هذا الأسبوع جاء قرار الولايات المتحدة بتصنيف الإخوان المسلمين في السودان (الحركة الإسلامية السودانية) وذراعها العسكري لواء البراء بن مالك ككيان إرهابي، في سياق حرب السودان وتعقيداتها، ليضيف طبقة جديدة إلى النقاش حول مستقبل التيارات الإسلامية ذات الامتدادات التنظيمية المرتبطة تاريخيًا بمدرسة الإخوان المسلمين.
وهكذا تتقاطع الدراما مع الواقع: فبينما يروي “رأس الأفعى” قصة تنظيم يحاول التكيف مع ضغوط الملاحقة والانكشاف، يفتح الواقع السياسي باباً لنقاش أكثر حساسية حول مستقبل الحركة الاسلامية. هل ما تزال حركة سياسية يمكن إدماجها في المجال العام، أم أن مسار الأحداث والتطورات الأمنية يدفع تدريجياً نحو إعادة تعريفها دولياً بوصفها تنظيماً عابراً للحدود يقترب أكثر فأكثر من دائرة الملاحقة والعزل؟
وفق القواعد الأمريكية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، فإن إدراج أي كيان ضمن قوائم الإرهاب يعني عملياً تجميد جميع الأصول الواقعة ضمن الولاية القضائية الأمريكية، وحظر أي تعامل مالي أو تجاري مع الكيان أو الأفراد المرتبطين به. كما يمتد أثر القرار إلى المؤسسات المالية الدولية التي غالباً ما تتجنب التعامل مع أي جهة مصنفة خشية التعرض لما يُعرف بـ”العقوبات الثانوية”. ومن الناحية العملية، يؤدي ذلك إلى تضييق المجال أمام شبكات التمويل العابرة للحدود التي تعتمد عليها الحركة سياسياً أو عسكرياً، ويضع البنوك والمؤسسات السودانية تحت رقابة دولية مشددة إذا ثبت وجود تعاملات مرتبطة بهذه الكيانات.
تعود جذور الحركة الإسلامية في السودان إلى أربعينيات القرن الماضي، حين تأثر طلاب سودانيون في مصر بأفكار مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا. ومع عودة هؤلاء الطلاب إلى السودان، بدأت تتشكل النواة الأولى للحركة التي أصبحت أحد أبرز الفاعلين في السياسة السودانية. فقد شهدت الحركة تطوراً تنظيمياً متدرجاً، كان أبرز مهندسيه الدكتور حسن الترابي، الذي سعى منذ ستينيات القرن الماضي إلى توسيع قاعدة الحركة عبر تغيير أسمائها وهياكلها التنظيمية. فظهرت جبهة الميثاق الإسلامي كواجهة سياسية أكثر انفتاحاً، ثم تحولت لاحقاً إلى الجبهة الإسلامية القومية في ثمانينيات القرن الماضي بأفكار أكثر راديكالية، لتنتهي بالحركة الإسلامية السودانية أكثر ميلاً إلى العنف ومصادرة الحريات وتقويض الديمقراطية.
تميزت التجربة السودانية داخل التيار الإسلامي بقدر كبير من البراغماتية السياسية. ففي عهد الرئيس جعفر نميري، دخلت الحركة في تسوية سياسية مع النظام، ما أتاح لها التغلغل تدريجياً في مؤسسات الدولة والاقتصاد. وقد مهد ذلك الطريق لوصول الإسلاميين إلى السلطة بعد انقلاب عام 1989 الذي قاده عمر البشير بدعم مباشر منهم.
بعد استيلائها على السلطة، شرعت الحركة الإسلامية في تنفيذ سياسة عُرفت باسم “التمكين”، هدفت إلى إحلال كوادرها في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية. ومع مرور الوقت، تشكلت شبكة واسعة من النفوذ السياسي والاقتصادي، شملت قطاعات البنوك والشركات الكبرى والمنظمات الخيرية.
غير أن هذا المشروع تعرض لاهتزاز كبير عقب الصراع الذي نشب عام 1999 بين البشير وعرّاب الحركة حسن الترابي، فيما عُرف بـ”المفاصلة”. وقد أدى ذلك إلى انقسام التيار الإسلامي إلى جناحين متنافسين، لكنه لم يُنهي نفوذ الحركة داخل مؤسسات الدولة، كما لم تتغير الأهداف والمنطلقات الأساسية.
ومن السمات اللافتة للحركة الإسلامية السودانية اعتمادها على استراتيجية “تعدد الواجهات”، حيث ظلت تعمل عبر كيانات سياسية وتنظيمية متعددة، مع الاحتفاظ بالبنية الفكرية والتنظيمية الأساسية. كما أنشأت تشكيلات شبه عسكرية، مثل قوات الدفاع الشعبي سابقاً، قبل أن تظهر لاحقاً تشكيلات عقائدية جديدة خلال الحرب الحالية.
بعد سقوط نظام البشير عام 2019، بدا أن نفوذ الحركة الإسلامية يتراجع مع صعود قوى الثورة المدنية، إلا أن اندلاع الحرب في أبريل 2023 فتح مجالاً جديداً لإعادة تموضع الحركة. ففي ظل تعبئة عسكرية واسعة، برزت مجموعات عقائدية مرتبطة بالتيار الإسلامي، مثل لواء البراء بن مالك، كجزء من القوات المساندة للجيش. وقد استغلت الحركة هذا الظرف لتقديم نفسها باعتبارها طرفاً يدافع عن الدولة في مواجهة ما تصفه بالتمرد.
غير أن هذا الاندماج بين التشكيلات الأيديولوجية والعمليات العسكرية النظامية أثار مخاوف داخلية ودولية متزايدة، خصوصاً مع اتهامات بتلقي بعض هذه المجموعات دعماً أو تدريباً من جهات خارجية، بينها عناصر مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني.
عسكرياً، يستهدف القرار الأمريكي بالدرجة الأولى الذراع العسكري المرتبط بالحركة الإسلامية. فتصنيف لواء البراء بن مالك ضمن قوائم الإرهاب يعني عملياً نزع الشرعية الدولية عن مشاركته في العمليات العسكرية. هذا التطور يضع الجيش السوداني في موقف معقد؛ إذ إن استمرار التنسيق العملياتي مع هذه التشكيلات قد يعرّض قياداته لاتهامات بتقديم دعم مادي أو لوجستي لكيانات مصنفة إرهابية. كما يمكن أن يُستخدم هذا التصنيف مستقبلاً في ملاحقات قانونية تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان أو جرائم الحرب.
سياسياً، يسعى التصنيف إلى تقويض استراتيجية “تعدد الواجهات” التي اعتمدتها الحركة الإسلامية لعقود. فالقوانين الأمريكية لا تقتصر على الكيانات المسماة صراحة، بل تمتد إلى أي منظمة يثبت أنها تعمل كواجهة أو تحت سيطرة الكيان المصنف. ومن شأن ذلك أن يضع الحركة خارج أي عملية سياسية أو تفاوضية ترعاها القوى الغربية، إذ يمنع القانون الأمريكي الوسطاء الرسميين من التعامل مع المنظمات المصنفة إرهابية.
اقتصادياً، يمثل القرار ضربة محتملة للشبكة المالية المرتبطة بالحركة الإسلامية، والتي تشكلت عبر عقود من النشاط السياسي والاقتصادي. فمع تشديد الرقابة على التحويلات الدولية وتجميد الأصول المحتملة، قد تواجه الشركات أو المؤسسات المرتبطة بالحركة صعوبة في الوصول إلى النظام المالي العالمي. كما قد يمتد أثر القرار إلى دول إقليمية تستضيف استثمارات أو أصولًا مرتبطة بقيادات الحركة، في ظل مخاطر التعرض للعقوبات الثانوية الأمريكية.
لا تقتصر تداعيات التصنيف على الحركة الإسلامية وحدها؛ فالتصنيف يضعف الرواية التي تقدمها حكومة بورتسودان للحرب باعتبارها مواجهة بين دولة شرعية وميليشيا متمردة، إذا كان بعض حلفائها العسكريين مدرجين ضمن قوائم الإرهاب. كما قد يزيد القرار من الضغوط الدبلوماسية على بورتسودان لفك الارتباط مع التشكيلات العقائدية المسلحة، وهو مطلب قد يكون صعب التنفيذ في ظل اعتماد الجيش على المليشيات المساندة في ميدان القتال. وأي محاولة للابتعاد عن هذه المجموعات قد تخلق توترات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، حيث توجد عناصر ذات توجهات أيديولوجية مرتبطة بالحركة الإسلامية.
إقليمياً، يأتي التصنيف في سياق أوسع يتعلق بأمن البحر الأحمر والصراع على النفوذ في المنطقة. فربط بعض الجماعات السودانية بـ الحرس الثوري الإيراني يثير مخاوف لدى دول الجوار، التي تسعى إلى منع تحول السودان إلى ساحة صراع بالوكالة بين قوى إقليمية. كما تشير مؤشرات دبلوماسية إلى احتمال أن تنظر الدول الأوروبية في خطوات مشابهة.
ويبقى تأثير القرار مرهوناً بمدى قدرة الأطراف المحلية على التكيف مع الواقع الجديد. فإذا أدى إلى مزيد من الاستقطاب العسكري، فقد يعمّق الحرب ويطيل أمدها. أما إذا دفع نحو إعادة ترتيب التحالفات السياسية والعسكرية، فقد يشكل أحد العوامل التي تعيد فتح الباب أمام مسار تسوية سياسية في السودان.
في ضوء التصنيف الأمريكي، تبرز مجموعة من السيناريوهات المحتملة لمستقبل الحركة ودورها في المشهد السوداني. هذه السيناريوهات لا تعتمد فقط على تأثير العقوبات الدولية، بل ترتبط أيضًا بمآلات الحرب الجارية وتوازنات القوى، إضافة إلى مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين.
السيناريو الأول يتمثل في دخول الحركة الإسلامية وواجهاتها مرحلة الانكفاء التنظيمي والتحول التدريجي إلى العمل السري. ففي حال توسع نطاق العقوبات الدولية وامتدادها إلى شبكات التمويل والاستثمارات المرتبطة بالحركة، قد تجد قيادتها نفسها مضطرة إلى تقليص حضورها في المجال السياسي، وقد تعود إلى نمط التنظيمات السرية الذي عرفته في مراحل سابقة من تاريخها، مع الاعتماد على شبكات اجتماعية ودعوية غير رسمية للحفاظ على نفوذها داخل المجتمع.
السيناريو الثاني يتمثل في تعميق الاندماج بين الحركة الإسلامية وبعض مكونات المؤسسة العسكرية، خاصة في ظل الحرب الدائرة. ففي حال استمرار القتال لفترة طويلة، قد تزداد حاجة الجيش السوداني إلى القوى التعبوية والعقائدية التي توفرها المجموعات المرتبطة بالحركة. وقد تتحول هذه التشكيلات إلى جزء غير رسمي من البنية القتالية للجيش، ما يؤدي إلى تعزيز نفوذ الحركة داخل المؤسسة العسكرية نفسها. إلا أن هذا المسار قد يضع القيادة العسكرية تحت ضغوط دولية متزايدة، إذ إن استمرار التنسيق مع جماعات مصنفة إرهابية قد يفتح الباب أمام عقوبات إضافية أو ملاحقات قانونية. كما أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى مزيد من تسييس المؤسسة العسكرية وتحويلها إلى ساحة صراع بين تيارات أيديولوجية مختلفة.
السيناريو الثالث يقوم على احتمال تفكك الحركة الإسلامية إلى تيارات متعددة نتيجة الضغوط الدولية والانقسامات الداخلية. فالحركات الأيديولوجية التي تتعرض لعقوبات قاسية غالباً ما تشهد انقسامات بين تيارات براغماتية تسعى إلى التكيف مع الواقع الجديد، وأخرى أكثر تشدداً ترفض أي تنازل سياسي. وقد يظهر جناح داخل الحركة يدعو إلى الانخراط في العمل السياسي المدني بعيداً عن العمل العسكري، في مقابل جناح آخر يواصل الاعتماد على التشكيلات المسلحة كوسيلة للحفاظ على النفوذ. وقد يؤدي هذا المسار إلى نشوء تنظيمات أو حركات جديدة تحمل أفكاراً مشابهة ولكن بأسماء مختلفة، في محاولة للالتفاف على القيود القانونية والسياسية المفروضة على الحركة الأصلية.
أما السيناريو الرابع فيتمثل في تراجع تدريجي لنفوذ الحركة الإسلامية داخل الدولة والمجتمع نتيجة الضغوط الدولية والتغيرات الداخلية في السودان. ففي حال نجاح القوى المدنية أو العسكرية في إعادة بناء مؤسسات الدولة بعيداً عن الشبكات التي نشأت خلال العقود الماضية، قد تفقد الحركة الكثير من أدواتها التقليدية في التأثير السياسي والاقتصادي.
تشير هذه السيناريوهات إلى أن قرار التصنيف قد يكون له تأثير يتجاوز الحركة الإسلامية، ليطال طبيعة النظام السياسي السوداني ومستقبل العلاقة بين الدين والسياسة داخل الدولة. فإذا أدى القرار إلى إعادة ترتيب التحالفات السياسية والعسكرية، فقد يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة السودانية على أسس مختلفة. أما إذا ساهم في تعميق الاستقطاب والصراع، فقد يصبح عاملاً إضافياً يطيل أمد الحرب ويزيد من تعقيد الأزمة.
ما بين سردية الدراما التي يقدمها مسلسل “رأس الأفعى”، والواقع السياسي الذي تعكسه قرارات التصنيف، تتكشف ملامح مرحلة جديدة في التعامل مع ظاهرة التنظيمات الأيديولوجية. فالقضية لم تعد تقتصر على جدل نظري حول طبيعة الإخوان المسلمين كحركة سياسية أو دعوية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بحسابات الأمن الإقليمي وتوازنات الصراع داخل الدول التي شهدت حضوراً تاريخياً للحركة، وفي مقدمتها السودان.
يطرح التصنيف أسئلة أعمق تتجاوز حدود الحالة السودانية. فهل يشكل هذا القرار بداية مسار دولي لإعادة تعريف العلاقة مع التنظيمات المرتبطة بمدرسة الإخوان؟ أم أنه إجراء مرتبط بظروف الحرب السودانية وتعقيداتها دون أن يتحول إلى سياسة دولية شاملة؟ وهل سيدفع هذا التصنيف الحركة الإسلامية إلى مراجعة استراتيجياتها السياسية والتنظيمية، أم سيدفعها إلى مزيد من الانكفاء والعمل عبر شبكات أكثر تعقيداً وسرية؟ وهل يؤدي هذا التطور إلى إعادة رسم حدود العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيارات الأيديولوجية المسلحة، أم أنه سيضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى صراعٍ لم تتضح ملامح نهايته بعد؟ ختاماً يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة؛ احتمالات ستحددها في النهاية قدرة الفاعلين المحليين والإقليميين على إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والحركات الأيديولوجية، في منطقة لم تتوقف بعد عن إنتاج أزماتها وأسئلتها الكبرى.
wdalamin_2000@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم