رانيا مأمون.. امرأة وحيدة تحت شجرة النيم..

بقلم: هشام الحلو
لطالما كانت مدينة “ود مدني” الحاضنة الوارفة للمبدعين في قلب السودان، ومن ضفافها انطلقت الكاتبة رانيا مأمون، محملة بشجن النيل الأزرق وعنفوان أشجار النيم الصامدة، لتقدم في مجموعتها القصصية “امرأة وحيدة تحت شجرة النيم” علامة فارقة في سِفر الأدب النسوي السوداني المعاصر. ومع مطلع عام 2026، توجت الأوساط الثقافية العالمية هذا المسار الإبداعي بفوز رانيا بجائزة القلم البريطاني للترجمة (English PEN)؛ وهو استحقاق وصفته لجنة الجائزة بأنه تكريم لعمل يماهي ببراعة بين التخييل والمذكرات، ويرسم بورتريهًا سديميًا وساحرًا للمرأة السودانية بلغة إنسانية عابرة للحدود والجغرافيا. إن هذا التتويج ليس انتصارًا ذاتيًا فحسب، بل هو احتفاء بجيل بأكمله من الكاتبات اللواتي نحتن في صخر الواقع منذ تسعينيات القرن الماضي وما بعده، حيث تقف رانيا اليوم كواحدة من أبرز وجوه هذا المد السردي الذي ضم أسماءً قلقلت الساكن الاجتماعي والوجودي؛ مثل سارة الجاك في غوصها في “المسكوت عنه”، والروائية آن الصافي بمشروعها الاستشرافي، وصباح سنهوري في عزلتها الوجودية، وصولاً إلى ريم جعفر التي حلقت باسم السودان أفريقيًا، وليلى أبو العلا التي حصدت الألقاب في مهجرها اللندني.
تعيدنا رانيا مأمون في هذا النص إلى زمن كانت فيه الحكاية ابنة شرعية للحياة، نابعة من تفاصيل الشخصيات العادية في حالتها الفطرية الأولى، حيث تستجيب لذاكرتها المتقدة وسخونة اللحظة السودانية الراهنة دون رتوش أو تكلف غاوٍ بالألاعيب البنيوية المعقدة. وكما أشار الناقد حسين بن حمزة، فإن رهان المؤلفة يتأسس على “غريزة القص” البسيطة والثراء الأنطولوجي للواقع، مما يجعلنا أمام نصوص مستقطرة من مسودة الروح والمفكرة الشخصية. ورغم الشهرة العالمية، لا تزال رانيا مسكونة بظلال البدايات، حيث ارتبطت الكتابة لديها بـ “السر” والقلق، وهي تعترف بصدق جارح: “لأن الكتابة ارتبطت عندي بأنها نشاطٌ سرِّيّ فإنني حتى الآن لا أستطيع أن أكتب وهناك عينٌ تراقبني.. أكتبُ في عزلة، أختبئ وأمارسُ طقسي الحميم جداً، المحرَّم سابقاً، متعتي الكُبرى”.
هذا “النَفَس” السردي هو ما يربطها برفيقات الدرب اللواتي اشتبكن ببيئة السودان المركبة، بدءاً من جيل الريادة الذي أرست دعائمه ملكة الدار محمد وبثينة خضر مكي وفاطمة السنوسي، وصولاً إلى أصوات مثل نجلاء التوم وسوزان كاشف التي تحمل وجع المنافي في نصوصها، ليُشكّلن معاً جبهة ثقافية عصية على التدجين رغم ويلات الحرب والنزوح. ويتجلى الصدق الفني عند رانيا في قدرتها الفذة على تحويل “العادي” إلى “مدهش” بسلاسة أخاذة، كما في روايتها “ابن الشمس” أو مجموعتها “ثلاثة عشر شهراً من شروق الشمس”، حيث تكتب بمداد من أوجاع المدن التي سكنتها وسكنت فيها، محولةً شجرة النيم من مجرد كائن نباتي إلى رمزية كثيفة للأصل والوحدة الوجدانية الصامتة. بهذا الفوز الدولي، الذي جسدته ترجمة إليزابيث جاكيت الرصينة “لامرأة تحت شجرة النيم ” تكرس رانيا مأمون مكانتها كصوت ريادي يبث الأمل في زمن الشتات، مبرهنةً على أن الكلمة السودانية التي صقلتها المحن قادرة على التحليق خارج الأسوار وتجاوز انكسارات الحرب، تماماً كما تهمس بطلتها في لحظة تجلٍّ: “ليتني عصفور جنة”.

hishamissa.issa50@gmail.com

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …