تأهيل المعلم السوداني: بين استحقاقات الداخل ومنطق المنافسة العالمية
رد على تعقيب د. أسامة خليفة محمد
- صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
اطلعتُ باهتمام وتقدير على التعقيب الذي كتبه الدكتور أسامة خليفة محمد حول مقالي السابق، والذي قدّم فيه قراءة واقعية لتحولات سوق العمل التعليمي في دول الخليج، خاصة فيما يتعلق بسياسات التوطين وتنامي الكفاءات الوطنية. وهي ملاحظات وجيهة، لا يمكن تجاوزها أو التقليل من أهميتها.
غير أنني أرى أن مساحة الاختلاف بيننا لا تكمن في توصيف الواقع، بل في كيفية قراءة ما يترتب عليه من نتائج وخيارات.
أولاً: سوق التعليم… انفتاح دائم لا اكتفاء مطلق:
لا خلاف على أن دول الخليج قطعت شوطاً مهماً في توطين الوظائف التعليمية، غير أن التجارب العالمية تشير إلى أن قطاع التعليم، بحكم طبيعته المعرفية، يظل مفتوحاً للكفاءات المتميزة، خاصة في مجالات التعليم الدولي والتخصصات الدقيقة والتعليم ثنائي اللغة.
وعليه، فإن الحديث عن “اكتفاء ذاتي كامل” يبدو أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع، إذ تظل الجودة والتميّز عوامل حاسمة تتجاوز الاعتبارات الأخرى.
ثانياً: من البحث عن فرصة إلى صناعة قيمة:
لم تكن دعوتي في المقال السابق موجّهة نحو “سد فراغ” أو استبدال جنسية بأخرى، بل كانت محاولة لإعادة تعريف موقع المعلم السوداني في سوق العمل.
فالتحول الحقيقي لا يكمن في البحث عن فرصة، بل في بناء كفاءة تمتلك من المهارات ما يجعلها مطلوبة في بيئة تنافسية.
ومن هنا جاءت الدعوة إلى التأهيل النوعي، الذي يشمل المهارات الرقمية، والذكاء العاطفي، وفهم بيئات العمل الحديثة، وهي متطلبات لم تعد مرتبطة بالخارج وحده، بل أصبحت ضرورة داخل السودان نفسه.
ثالثاً: تأهيل الخارج مدخل لإصلاح الداخل:
قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تعارضاً بين تأهيل المعلم للعمل بالخارج وبين التركيز على بناء الداخل، لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك.
فالمعايير التي تحكم التوظيف في المؤسسات التعليمية المتقدمة هي ذاتها التي يحتاجها نظامنا التعليمي للنهوض من جديد. كما أن اكتساب الخبرات، حتى عبر العمل الخارجي، ظل تاريخياً أحد مصادر تطوير التعليم في كثير من الدول.
وبالتالي، فإن تأهيل المعلم وفق معايير عالمية هو في جوهره استثمار في الداخل، قبل أن يكون بوابة محتملة للخارج.
رابعاً: التأهيل كأداة حماية وتمكين:
من الجوانب التي حرصت على إبرازها في مقالي، مسألة الوعي التعاقدي والاقتصادي. فالمعلم السوداني، في ظل الظروف الراهنة، قد يجد نفسه أمام عروض عمل لا تعكس قيمته الحقيقية، نتيجة ضعف المعلومات أو غياب التأهيل المناسب.
لذلك، فإن فهم معادلة “صافي العائد”، والإلمام بتكاليف المعيشة، واكتساب مهارات التفاوض، ليست أموراً ثانوية، بل تمثل جزءاً أساسياً من تمكين المعلم وحمايته من الاستغلال.
خامساً: بين الواقعية والإحباط:
أتفق مع الدكتور أسامة في ضرورة الابتعاد عن التصورات القديمة التي تقوم على “الهجرة الجماعية”، غير أن توصيف سوق العمل الخليجي باعتباره فضاءً مغلقاً لا يعكس الصورة الكاملة.
الأقرب إلى الواقع أن الفرص أصبحت أقل عدداً، لكنها في المقابل أكثر انتقائية، وهو ما يرفع من أهمية التأهيل النوعي، ويجعل منه شرطاً للدخول، لا مجرد ميزة إضافية.
ختاماً:
إن الدعوة إلى تأهيل المعلم السوداني لا تنطلق من وهم، ولا تراهن على ظروف استثنائية، بل تستند إلى فهم لطبيعة عالم يتغير بسرعة، وتزداد فيه قيمة المهارات والمعرفة.
فالمعلم المؤهل وفق معايير حديثة هو الأقدر على الإسهام في إعادة بناء التعليم في السودان، وهو في الوقت ذاته الأجدر بالمنافسة في أي سوق عمل خارجي، إذا ما اختار ذلك.
أجدد شكري للدكتور أسامة على هذا الحوار الراقي، الذي أتاح فرصة لإثراء النقاش، وتوضيح أن بناء الداخل والاستعداد للمنافسة العالمية ليسا طريقين متعارضين، بل مسارين متكاملين.
salahabusarah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم