رد على رشا عوض: قلب الحقائق وتسفيه الآخر، إلى أين يقود؟

في هذا العالم أناس يعتقدون انهم ملكوا الحقيقة والموا بطرف كل شيء ونصبوا انفسهم قضاة على مواقف الغير وهذا باب في الجهل كبير …

ليس من الصعب تفكيك ما كتبته رشا عوض، لأنه يقوم على مغالطات منهجية وتاريخية وسياسية، ويخلط بين الوقائع والاتهامات المتعجلة، ويحمّل الحزب الشيوعي ما لم يقله أو يفعله، بينما يتجاهل السياق التاريخي وتوازن القوى في السودان خلال ثلاثة عقود من القمع والديكتاتورية.

أولاً: المشاركة البرلمانية تحت نظام شمولي ليست “شراكة دم”
المشاركة المحدودة في بعض الأجسام التي أنشأها النظام لم تكن اعترافا بالنظام، ولا تبريرا لجرائمه، بل كانت جزءا من تكتيكات العمل العلني لفتح نوافذ للعمل وسط الجماهير، وهذا تقليد مارسه الشيوعيون حول العالم، بما فيهم الشيوعيون الروس قبل 1917.

بل إن الحزب الشيوعي السوداني كان:
• ممنوعا رسميا
• معرضا للحظر المستمر
• وضعت قياداته في المعتقلات
• ومكتبه السياسي تحت الرقابة
• وصحفه وأدواته الإعلامية مصادرة دائمًا

فكيف يسمّى هذا “شراكة”؟

الشراكة تعني توازنا في القوة وتأثيرا في القرار… وهو ما لم يحدث اطلاقا.

هذا خلط مقصود بين “وجود اضطراري” وبين “تحالف سياسي”.

ثانيًا: استدعاء لينين هنا غير دقيق
لينين دعا إلى العمل داخل البرلمانات حين يفتح ذلك إمكانية لتوسيع عمل الجماهير.
ولكنه أيضًا حذّر من تحويل “التكتيك” إلى “خط استراتيجي” دائم أو إلى غطاء لتجميل الأنظمة الرجعية.
الحزب الشيوعي السوداني لم يفعل ذلك اطلاقا.
لم يصفّق للإنقاذ، ولم يبرر جرائمها، ولم يشارك في سلطتها التنفيذية، ولم يكتسب شرعية منها.
ولو أراد مكافآت السلطة لقبل عروض الإنقاذ التي قُدّمت له في التسعينات.

ثالثًا: اتهام الحزب بأنه “غواصة كيزانية” هو تناقض داخلي في المقال
من غير المنطقي – ولا السياسي – أن تتهم الحزب الشيوعي بأنه:
• شارك الإنقاذ وبرلمانها
• وفي نفس الوقت عارض قوى الحرية والتغيير لأنها “شراكة دم”
• وفي نفس الوقت كان (حسب المقال) “غواصة أمنية”
الغواصة الأمنية لا تنتقد الشراكة، بل تعمل على تثبيتها.
الغواصة الأمنية لا ترفض الاتفاق السياسي، بل تسهّل تمريره.
الغواصة الأمنية لا تخرج من الاتفاقات السياسية، بل تُبقي عليها.
هذا تناقض يكشف أن المقال ليس تحليلا سياسيا بل مرافعة عن غضب وتحميل المسئولية لطرف واحد أكثر من كونه نقدًا حقيقيًا. اذا اردت ان يكون لك وجود في الساحة السياسية والإعلامية فاول ما تبدا به انتقاد الحزب الشيوعي لان البعض يعتقدون انهم ينالون درجة افضل وسبقا لا يتجاوزه سبق.

رابعًا: خرج الحزب الشيوعي من حكومة حمدوك الأولى في فبراير 2021 وقدم اعتذارا عن مشاركته للشعب السوداني
المقال يتجاهل حقيقة صلبة:
الحزب الشيوعي كان أول حزب يعلن رفضه للوثيقة الدستورية، ويعتبرها شراكة منقوصة، ويمتنع عن المشاركة في الحكومة والمجلس التشريعي.
وفي الوقت الذي كانت فيه قيادات مدنية كثيرة تجلس مع العسكر، كان الحزب الشيوعي:
• يرفض المحاصصات
• ينتقد الوثيقة الدستورية
• يحذّر من الانقلاب
• ويطالب بسلطة مدنية كاملة
هذا موقف ثابت، ولا يمكن ان يكون موقف “غواصة أمنية”.

خامسًا: استخدام عبارة “شراكة الدم” لم يكن كيزانيًا
وصف الشراكة بأنها “دموية” لم يأتِ من الكيزان بل من:
• أسر الشهداء
• لجان المقاومة
• قوى شبابية
• منظمات حقوقية
• ناشطين مستقلين
• وحتى بعض مكونات الحرية والتغيير نفسها
والسبب بسيط:
لأن الشراكة مع قيادة انقلابية – تلطخت يدها بالدم منذ 1989 – لم تنتج انتقالًا ديمقراطيًا، بل انتهت كما انتهت كل الشراكات السابقة: بانقلاب.
هذه ليست “مزايدة”، بل قراءة سياسية واقعية أثبتتها الأحداث.

سادسًا: مقارنة مَن دعا للانتقال الديمقراطي بمن يقاتلون اليوم مع كرتي وهارون… خلطٌ كامل
أكبر مفارقة في المقال أنه:
• يساوي بين مواقف الحزب الشيوعي الرافضة للانقلاب
• وبين مجموعات اختارت الانخراط في الحرب والانحياز لتيارات مضادة للديمقراطية
الحزب الشيوعي واضح:
• ضد المليشيات
• ضد الانقلاب
• ضد الإسلاميين
• ضد عسكرة الدولة
• ضد الحرب
• مع بناء دولة مدنية ديمقراطية

ولا يمكن مساواة من رفض الشراكة (لأنه رأى فيها تهديدا للانتقال) بمن يتحالف اليوم مع كتائب البراء أو الحركة الإسلامية.

هذا ببساطة اختزال مخلّ.

سابعًا: “توازن القوى” ليس تبريرًا كافيًا
يقول المقال: إن الشراكة فرضتها “تعادل القوى”.
لكن صاحب المقال يتجاهل تماما حقيقة أن تعادل القوى نفسه كان يحتاج إلى تقوية عبر:
• توسيع التحالف المدني
• بناء جبهة شعبية واسعة
• إصلاح المؤسسات
• مقاومة عسكرة الاقتصاد
• إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية

بدلاً من ذلك، تم:
• الانجرار لمحاصصات
• إهمال لجان المقاومة
• إضعاف المؤسسات الانتقالية
• ترك العسكر يتحكمون في المفاصل
ثم حين وقع الانقلاب، أُلقي اللوم على “الشارع” وعلى “الرافضين للشراكة”.!!

هذا قلب للحقائق وهذا هو التدليس بمعناه الحقيقي ليس الا.

وقل المقال في 3 أخطاء:

  1. تحويل الاختلاف السياسي إلى تخوين
  2. خلط بين المشاركة الاضطرارية تحت نظام شمولي وبين الشراكة السياسية
  3. رفع المسئولية عن العسكر والحركة الإسلامية وتحميل القوى المدنية وزر الانقلاب

الحزب الشيوعي ليس حزبا معصوما، وله أخطاؤه كغيره، لكن محاسبته يجب أن تكون بنقد موضوعي لا بروح الثأر والتخوين.

أما الاتهامات من نوع:
“غواصات أمنية”
“كيزان مستترون”

فلا تخدم الثورة، بل تخدم الانقسام الذي استفادت منه الإنقاذ 30 سنة، وتستفيد منه اليوم قوى النظام القديم مرة أخرى.

عز الدين الشريف
17/11/2025

ezzeldin8@yahoo.com

عن عز الدين الشريف

عز الدين الشريف