رسالة إلى مؤتمر برلين وتساؤلات حول بوصلة الحزب الشيوعي

بقلم : عاطف عبدالله

على الرغم من عدم انتمائي المباشر لأي من مكونات التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، إلا أن القراءة الفاحصة للمشهد السوداني المتأزم تجعل من تأييد هذا التحالف ضرورة وطنية، لا خياراً سياسياً عابراً. فوسط ركام الحرب والاستقطاب الحاد، تبرز “صمود” كبصيص ضوء في نفق الأزمة، وقاعدة ارتكاز لمشروع مدني يرفض الارتهان لآلة الحرب.

تحالف “صمود”: استعادة التوازن في مشهد عدائي
ما يثير الدهشة في المشهد الراهن هو حجم العداء “الصفري” الذي تواجهه “صمود” من أطراف متناقضة، فبينما تراه سلطة الأمر الواقع في بورتسودان والقوى المهادنة لها خطراً داهماً، تنشغل قوى أخرى، كتحالف “الجذريين”، بمهاجمته بشكل راتب ويومي.

هذا الهجوم المزدوج لا ينبع، في جوهره، من أخطاء “صمود” بقدر ما يعكس تمسكه بالاستقلالية، إذ اختار الوقوف على مسافة واحدة من أطراف الصراع المسلح، رافضاً إعادة إنتاج الشمولية تحت أي ذريعة. ومن هنا، فإن تأييدنا له لا يمثل صكاً بالكمال، بل هو انحياز واضح للمبدأ: مدنية الدولة، وقف الحرب، والانحياز لمصالح المواطنين.

تحالف “الجذريين”: نقد بلا أفق
في هذا السياق، يصبح من المؤسف أن ينشغل تحالف “الجذريين”، الذي يقوده الحزب الشيوعي السوداني، بمهاجمة “صمود” بشكل راتب من خلال صحيفة “الميدان”، دون تقديم بديل عملي أو رؤية قابلة للتنفيذ. فبدلًا من توجيه الجهد نحو بناء جبهة مدنية عريضة، أو حتى تقديم نقد موضوعي يسهم في تقويم المسار، انحدر الخطاب إلى تحميل “صمود” أوزاراً لا علاقة لها بها، في نهج أقرب إلى تصفية الحسابات السياسية منه إلى السعي لإنقاذ الوطن.

تساؤلات حول بوصلة الحزب الشيوعي

يزداد المشهد التباساً وإثارةً للاستغراب مع الرفض القاطع من قيادة الحزب الشيوعي لمجرد الجلوس أو الاستماع لكيان بوزن تحالف “صمود”، فضلًا عن البحث عن مساحات مشتركة يمكن أن تؤسس لتنسيق بين تحالفين مستقلين على برنامج حد أدنى. إن هذا التعنت لا يغلق باب الحوار فحسب، بل يهدر فرصة تاريخية لتشكيل نواة جبهة مدنية عريضة، باتت ضرورة وطنية ملحّة في ظل الانهيار المتسارع الذي يهدد البلاد.

وتتجلى مفارقة لافتة في هذا الموقف عند استحضار الذاكرة السياسية القريبة، إذ سبق للحزب أن أبدى انفتاحاً على خصم تاريخي بحجم الدكتور حسن الترابي، رغم الإرث المثقل بالانتهاكات ومرارات “بيوت الأشباح” التي سُفكت فيها دماء مناضلين شيوعيين تحت سلطة كان الترابي عرابها وأحد أبرز منظّريها. في المقابل، يرفض اليوم مجرد الحوار مع عبد الله حمدوك، الذي لم يكن خصما، بل كان ديمقراطياً نشطًا خلال دراسته الجامعية. هذه المفارقة لا يمكن قراءتها بوصفها اختلافاً في التقدير السياسي فحسب، بل تكشف عن انتقائية في المعايير يصعب تبريرها في سياق وطني بالغ التعقيد.

إن هذا التباين يضعنا أمام تساؤلات جوهرية حول اتساق الخط السياسي: كيف يُبرَّر الانفتاح على رموز أنظمة شمولية سابقة بدعوى الضرورة، في حين يُغلق باب الحوار أمام قوى مدنية تشترك في الهدف العام، وهو استعادة الدولة المدنية؟ وأين تنتهي المبدئية، وأين يبدأ الجمود الذي يتحول، في لحظات الأزمات الكبرى، إلى عائق أمام أي مشروع وطني جامع؟

ما تحتاجه القوى المدنية اليوم ليس طهرانية العزلة، بل واقعية الإنقاذ؛ أي القدرة على تجاوز الاعتبارات الشخصية والأيديولوجية الضيقة، والالتقاء حول برنامج حد أدنى يضع حدًا للحرب ويؤسس لمسار انتقالي. فإدارة التحالفات لا ينبغي أن تُبنى على منطق الخصومة أو الولاء للأفراد، بل على معيار واحد: مدى القرب من هدف وقف الحرب واستعادة الدولة.

إن الاستمرار في هذا النهج لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام داخل الصف المدني، ويصب، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مصلحة القوى المناهضة للتحول الديمقراطي. فالثورة التي رفعت شعار “حرية، سلام، وعدالة” لا يمكن أن تُختزل في صراع صفري بين مكوناتها، ولا يمكن أن تنتصر عبر إقصاء أطرافها لبعضها البعض. ومن هنا، فإن تجاوز هذه الانتقائية لم يعد خيارًا، بل خطوة أولى وضرورية نحو بناء جبهة مدنية حقيقية، قادرة على إنقاذ ما تبقى من الدولة السودانية.

المثقف السوداني: مسؤولية الغياب وعار الانحياز
من المؤلم أن نرى جزءاً من النخبة المثقفة، التي كان يُعوّل عليها أن تكون بوصلة للوعي وجسراً للحوار، تتخلى عن هذا الدور في لحظة وطنية فارقة. فقد كان المنتظر منها أن تكون صوت العقل والضمير، وأن تسهم في التنوير وفضح التضليل، وتقديم رؤى نقدية تساعد المجتمع على الخروج من أزمته.

غير أن الواقع كشف عن انحياز بعض هذه النخب للقوى الظالمة، إما تحت إغراءات مادية، أو نتيجة ضغوط وترهيب، أو بدافع حسابات ضيقة. وبدلاً من أن تكون جسوراً للحوار، تحولت إلى أدوات للاستقطاب، تبرر هذا الطرف أو ذاك، وتعيد إنتاج خطاب الكراهية والانقسام. فالكلمة، حين تُساء ممارستها، تكون أشد فتكاً من الرصاص.

نحو جبهة مدنية عريضة: ضرورة لا خيار
إن تأييدي لـ”صمود” لا ينبع من قناعة بكمال تجربتها أو خلوها من الأخطاء، بل من كونها، حتى الآن، تمثل أحد التعبيرات القليلة عن إمكانية بناء جبهة مدنية ديمقراطية حقيقية، تقف على مسافة واحدة من أطراف الصراع المسلح، وترفض إعادة إنتاج الشمولية تحت أي لافتة. فالمعيار ليس الادعاء بالكمال، وإنما القدرة على التمسك بالحد الأدنى من المبادئ.

رسالة إلى مؤتمر برلين والمجتمع الدولي
انطلاقاً من هذه الرؤية، نوجه نداءً واضحاً إلى القائمين على مؤتمر برلين والمجتمع الدولي:

إن دعم السودان لا ينبغي أن يقتصر على المساعدات الإنسانية، بل يجب أن يمتد إلى دعم الكتلة المدنية الديمقراطية المتماسكة. إن الاعتراف الدولي ينبغي أن يتجه نحو القوى التي ترفض عسكرة الحياة السياسية، وتعمل على بناء جبهة مدنية عريضة، وتلتزم بمسار “حرية، سلام، وعدالة”.

كما أن أي مقاربة دولية تتجاهل وحدة الصف المدني، أو تتعامل مع قوى متفرقة ومتصارعة، إنما تسهم، دون قصد، في إطالة أمد الأزمة. وعليه، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على دعم مشروع وطني مدني جامع، لا على إدارة التوازنات الهشة بين أطراف متنازعة.

خاتمة ونداء

إن الانحياز لـ”صمود” هو، في جوهره، انحياز لفكرة الدولة المدنية الديمقراطية التي تليق بتضحيات السودانيين. الطريق وعر وطويل، لكنه يظل الخيار الوحيد لتفادي الانهيار الكامل. فالسودان يستحق أن ينتصر، وهذا الانتصار يبدأ، قبل كل شيء، بوحدة قواه المدنية.

فالمواقف لا تُصنع بالعزلة، والتحالفات الوطنية لا تُبنى على تصفية الحسابات، سواء كانت شخصية أو أيديولوجية، بل على القدرة على استيعاب التناقضات الثانوية وتجاوزها، من أجل حسم التناقض الرئيسي مع الحرب والشمولية وخطر التفكك. فالتاريخ لن ينحاز لمن كان “الأكثر ثورية” في خطابه، بقدر ما سينحاز لمن كان “الأكثر شجاعة” في تقديم التنازلات اللازمة لبناء جبهة مدنية عريضة، قادرة على حماية السودان من الضياع.

ومن هذا المنطلق، فإننا ندعو القائمين على مؤتمر برلين، وكافة الفاعلين الدوليين، إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في الدفع نحو توحيد هذه الرؤى المتناثرة، ودعم مسار بناء كتلة مدنية ديمقراطية متماسكة، تشكل رافعة حقيقية للخروج من الأزمة الوطنية.

atifgassim@gmail.com

عن عاطف عبدالله

عاطف عبدالله

شاهد أيضاً

تعقيب على رؤية المؤتمر الشعبي لوقف الحرب وتشكيل سلطة انتقالية

عاطف عبداللهطرح حزب المؤتمر الشعبي، رؤية سياسية جديدة لحل الأزمة السودانية، دعا فيها إلى وقف …