تأمُلات
ركزت معظم التعليقات على خروج الإعلامية رشان أوشي من السجن على شكل وجهها قبل وبعد، وقد حظي ذلك باهتمامٍ مبالغ فيه، ولم تطرح سوى قلة قليلة جداً السؤال المهم: “كيف خرجت من السجن، ووفقاً لأي ترتيبات؟” علماً بأنها لم تدخله كسجينة سياسية حتى يفرج عنها سجانوها متى ما شاءوا، بل أدانتها المحكمة في قضية تشهير وإساءة في حق من تقدم بالبلاغ ضدها.
لم يُطرح هذا السؤال كثيراً، رغم أن مجموعة قيل إنها تتبع لمصطفى طمبور استقبلتها أمام بوابة سجن النساء بالطبول والدفوف. وهذا ما كان ينبغي أن يشغلنا ويدفعنا إلى التفكير في مسألة العدالة، وما إذا كان هناك تنازل من الشاكي، أم ضغوط، أم ماذا؟ لكننا، للأسف، ننشغل دائماً بتوافه الأمور وننسى الأهم، والأكثر أسفاً أننا، مع تكرار التجارب، نصر على ألا نتعلم منها، وما زلنا نعيد ونكرر أنفسنا بصورة تجعلك تحتار وتتساءل: هل أصابتنا لوثة عقلية عميقة، أم أننا بحاجة إلى أطباء نفسيين، أم ماذا؟
فمن غير المعقول ألا يفيق شعب، رغم كل هذه المحن التي ألمّت به.
ولأننا ننشغل دائماً بالهوامش، كان طبيعياً أن تستمر مجالسنا ومواقعنا أياماً في مناقشة حديث “الغوريلات” الذي انتشر كالنار في الهشيم، وأصبحت تلك المصرية التي نطقت به شخصية معروفة للجميع. كما أضعنا وقتاً ثميناً في ملهاة أخرى، وانشغلنا بالتنظير حول موقف من تقدموا بشكاوى ضدها، ولم نفكر إطلاقاً فيما إذا كان كل ذلك مقصوداً لإبعاد تفكيرنا عن قضايا أخرى، وإشغالنا بالانقسام حول من معنا ومن ضدنا، مع أن الكل ضدنا. لكننا شعب طيب، ويكثر في وسطه السذج، حتى بين المتعلمين وصفوة المجتمع، للأسف.
لكل ما تقدم، لم أستغرب ما كتبته رشان أوشي، ولا دور البطولة الذي حاولت تقمصه وهي تتحدث عن تلقيها تواصلاً من جهات دولية معنية بحماية الصحفيين، وأنهم عرضوا عليها إمكانية التوطين خارج السودان، وتأكيدها لهم أنها تغادر الوطن، لأنها تريد الاصلاح، ولا أدري كيف يُصلح من يناصر بعض رؤوس الفساد ويزين أخطاءهم ويغض الطرف عن جرائمهم.
صدقوني، يا قوم، نحن من نفسح المجال لكل من يريد أن يصنع لنفسه بطولة من العدم، ولكل من يرغب في تضليلنا وإهدار وقتنا في قضايا انصرافية وتغبيش وعينا. لذلك، يفترض أن نغضب من أنفسنا، ومن مواقفنا المائعة، ومن انشغالنا بالهوامش، لا من رشان أو غيرها، هذا بالطبع إن تحلينا بشجاعة مواجهة النفس والاعتراف بالأخطاء وأوجه القصور. أما إذا أصر بعضنا على أننا شعب واعٍ لا نظير له في الكون، فلتبشر فئة المضللين والخبثاء، ومن يدسون السم في عسل قضايا التضامن مع شعبنا، بطول سلامةٍ.
kamalalhidai@hotmail.com
