رواية 48 .. محمد المصطفى موسى وإعادة كتابة التاريخ روائياً

بروفيسور محمد المهدي بشرى

يدخل بنا القاص والروائي محمد المصطفى موسى مناخاً جديداً لم نألفه من قبل، ويختلف عن المناخات التي رأيناها في نصوصه السردية.
هذه المرة نحن أمام نص روائي يحمل كل عناصر المغامرة. وهل الكتابة نفسها ليست سوى مغامرة في آفاق مجهولة؟

وهذه المغامرة هي تحد اقتحمه محمد المصطفى، والمغامرة تتجلى في أمرين : الزمان والمكان . أما الزمان هو العام 1948 وهو الذي حمل عنوان النص الروائي، أي عتبة النص الأولى، وهو توقيت مفصلي في تاريخ السودان الحديث. ففي هذا العام صار الشعب السوداني يترقب بحماس وشوق لنيل البلاد استقلالها، أي قطف الثمرة الحلوة لنضال عقود من الزمان منذ انطلاق المشروع المهدوي في العام 1889 ثم انكسار المشروع بالهزيمة في كرري على ربا أم درمان، ثم انتفاضة ود حبوبة 1907 وحركة 1924 وغير ذلك من الهبات الثورية التي اشعلت جذوة النضال ضد الغزاة. وسرعان ما تحول النضال المسلح الى نضال سياسي سلمي، وشرعت النخب في معركة من أجل التحرر الوطني. وها هي طلائع الحركة الوطنية من خريجي كلية غردون والجامعة الأمريكية في بيروت والجامعات المصرية خاصة الأزهر تتقدم كطليعة لهذا النضال. وهي في هذا الأمر مدفوعة ومحفزة بأصداء نضال النخب في دول عانت من وطأة الاستعمار الأوربي، خاصة البريطاني والفرنسي. وهذه النخب الوطنية تملكت المعرفة ليس في مجالات السياسة وحدها، بل في الاقتصاد والابداع والرياضة. وكل هذا يبدو جلياً في المكان الذي اختاره محمد المصطفى ، أم درمان، أو العاصمة الوطنية أو البقعة كما أسماها المهدي وهي بلا شك السودان المصغر أو البوتقة التي ذابت فيها الأعراق من شرق البلاد الى غربها، ومن شمال البلاد الى جنوبها، بل ومن كل شعوب البلاد من الأرمن والشوام والاغاريق والهنود، وغيرهم.

وقد دخل الروائي والقاص الى هذا التحدي وهو بكامل عتاده وكما ينبغي لسارد يُمتحن من التاريخ، فقد درس هذا التاريخ وعرف أدق أسراره. فهو لم يأخذ القارئ الى المدينة بل أخذ المدينة الى القارئ وجعله يتجول في أزقة ودروب هذه المدينة القديمة الحديثة. وقد توقف الكاتب وتأمل في اشكال الصراع المتعددة التي يموج بها قلب المدينة، وهي صراعات في كافة المجالات: في السياسة وفي التجارة وفي الابداع وفي الرياضة، صراع محموم كاد أن يخلخل المدينة. وقد وفق الكاتب في رسم فسيفساء المدينة واختار نماذج لتمثل هذه الفسيفساء مثل إيديل اليهودية وديمتريوس الاغريقي ورافائيل البعلبكي اليهودي والرفاعي المجذوب، و نيكولا الأرمني و (ماتريد) التي تمثل ثمرة تلاقح الغابة مع أوربا، وجميع هذه الشخصيات هي بحق شخصيات ملهمة وقد جسدها الكاتب وها هي تتحرك في النص مفعمة بالحياة والحركة.

نخلص للقول أن كاتبنا وفق في اختيار العام 1948 كبؤرة نظر من خلالها للسودان في لحظة فارقة ودقيقة. كان السودان يقف فيها بين نقيضين: بين الاستعمار والحرية، بين العلمانية والدين، بين الموت والحياة، بين التقليد والحداثة، بين النور والظلام. ويمكن ملاحظة تناص نص 1948 مع نص الكاتب الانجليزي شارلس ديكنز الذائع الصيت :قصة مدينتين، ومثلما فعل ديكنز كذلك فعل محمد المصطفى، كلاهما اختار لحظة فارقة في تاريخ بلديهما، فقد قال ديكنز ان اللحظة التي توقف عندها لحظة فارقة بين نقيضين، النور والظلام، والحرية والعبودية وهكذا .
وكلاهما ديكنز ومحمد المصطفى أعادا انتاج الماضي احتجاجاً على الحاضر، ونضيف أن ذهاب محمد المصطفى للتاريخ هو المغامرة الكبرى في نص كهذا، لأن المبدع السوداني خاصة الروائي لم يكتشف-بشكل كافٍ- ثراء التاريخ وضرورة استلهامه في الابداع.

mmahdibushra@yahoo.com

عن بروفيسور محمد المهدي بشرى

بروفيسور محمد المهدي بشرى