هـي عــصاي :
لم يعرف أهل السودان صور الاجتياحات العسكرية أو الأزمات العسكرية فى مدنهم وبالتالى فان مايترتب عليها تظل ثقافة غائبة عليهم ، أو لنقل لا يدركون تفاصيلها ، وذلك هو التوصيف الأقوى .. عدم معرفتهم ل(تفاصيلها) ، والتفاصيل تلك هى المسائل فى الغالب النتعلقة بالشعور والاحساس ومقدار الفزع للاطفال وكبار السن وخوف الأب على أولادة فى ظل حالة الاهتياج التى تلم بالناس وهم يقابلون (عساكر) مطبوعا فقط برؤسهم القتل لكل من يعترض طريقهم .. يستوى فى ذلك من كان رسميا يحمل سلاحا أو مدنيا يحمل أطفالة ليحميهم لما بعد حالة الاجتياح تلك ، فأهل السودان ربما شاهدوا صور من حالات الاجتياحات والعمليات العسكرية التى تقتل الحياة وتدمر ماعمره الانسان .. ولكن فقط على شاشات التلفزيون ..!! ، وفرق بين من شاهد ومن وقع فى حمى تلك النيران التى لاتبقى ولا تزر ..!! ، ولأن ثقافة أهل السودان لا تحتوى تلك الصور القميئة والموحشة لم تتضمن قوانينهم معالجات قوية لتلك الاحداث فيبقي رفضهم لتلك الصور غير المعتادة عند وقوعها .. فما يلبث ذلك الرفض والمطالبة بتوقيع العقوبة القصوى عقب زوال الحدث والسيطرة على الموقف لأنها أحداث غير معتادة ، واذا وجدت تلك القوانين الرادعة فى قوانينهم الا أنها لم تطبق يوما فالشعب مسالم للدرجة التى تجعل أهل الشرق والغرب يفغرون أفواهم وهم يشاهدون رئيسنا (البشير) وهو يسير بين الجماهير المحتشده دون أن يفصل بينهم رجال الأمن أو الزجاج الواقى من الرصاص ..!! ، وفى بلدنا هذا (السودان) لم يذكر عنا حالة اغتيال سياسي واحده ، فالتسامح بين اهل بلادنا متسع لدرجه جعل منه الجميع رداءاً ارتدوه جلابيب وعمامات على رؤسهم ، لم يكن فى سلوك اهل السودان وطبعهم الغدر ، فهو صورة من صور الجبن التى يترفع عليها اهل السودان جميعا تستوى فى ذلك كل القبائل بلا استثناء ، فالشجاعة عندنا ليست لقبيلة دون الاخرى .. ومعروف ان من لديه خصومة لدرجة المنازله بالعصى فى الشارع العام يتقيد بأخلاقيات معينة تجعلة لا يغدر الرجل غريمه وياتيه من خلفه وهو فى غفلة ، تلك خصال سيئه ليست من شيمنا او قيمنا ، ومن فعل ذلك (يشنأ) و(يخطأ) و(يجرم) ويلحق بفعلته تلك وتقوده لخانة (ذوات الخدور) ..!! ، غير ان الواقع العالمى جعل كثير من الصور تنتقل الينا رغم أنوفنا .. عبر الحدود وبواسطة القادمين لبلادنا من أجل العمل والاستثمار ، فبدأت أشكال وأنماط من الجرائم لم تكن معهوده من قبل فى وسطنا الاجتماعى أو الجنائى تظهر وتدخل فى مفردات الشارع العام ، فقد صدم وفجع الوسط المجتمعى فى السودان من أقصاه الى أقصاه بالطرقة التى قتل بها شهيد الصحافة السودانية (الأستاذ/محمد طه محمد احمد) ، أن يتم اخراجه من بين اهله وأولادة بل من داخل سربه وحجره فيقاد بتلك الصورة التى لا تشبه سلوك أو طبع أو قيم اهل السودان ، لم تكن تلك الفاجعة على اهلة فقط ولكن أستوى فيها جميع المجتمع السوداني كله .. مسلمهم ومسيحيهم ، جميع الناس بمختلف ثقافاتهم أفجعهم ذلك الموقف الذى ضرب المروءه السودانية فى مقتل ..!! ، لم تبارح تلك الفاجعة أذهان السودانيين حتى جاءت الاخرى التى دخلت فيها مرتزقة (خليل ابراهيم) بعض حوارى مدينة أمدرمان ، وتلك كانت الصدمة الثانية لأصل المجتمع فهزت كيانه ووجدانه ، فبجمع الحادثتين جعلت الراى العام يتحدث عن تناسب العقاب على الجناة ومدي زجره وعدالته فى آن..!! ، كيف يكون وبأى وسيلة وعلى أى طريقة ..؟! ، والحديث الذى دار ردحا من الوقت فى كل الأوساط المجتمعية وبكل ولايات السودان كان هدفه الاخير هو الوصول لأنجع الطرق وأقصرها للوصل لصورة الزجر القصوى والمثالية لاستئصال ذينك الحدثين من عقل أهل السودان الحاضر والباطن وامتصاص الصدمة التى حدثت له ، لاسبيل غير أن تقشع تلك الاحداث بالكلية من ذهان وعقل ووجدان المجتمع ، فليس التشنيئ وحده يكفى ولا المحاكمات وحدها باتت تكفى لمقابلة تلك التفلتات التى لاتشبه طباعنا البته ، الحديث يسير الى ما هو أبعد من ذلك للبحث عن القوانين التى تيسر عمل الأجهزة الامنية ببلادنا ، فهى دون غيرها التى يمكنها أن تقى الناس شر تلك التفلتات الشاذه عن الطبع والسلوك السودانى ، فالايقاع السريع للعالم وتطور الجريمة بشتى صورها تتأثر به بلادنا .. فى الجريمة العابرة للقارات وقضايا الارهاب والجريمة المنظمة ونقل الثقافات التى يراد منها الفتك بقيم الناس والتزامهم بقيم دينهم ومعتقداتهم ، جميع تلك المؤشرات تجعل الحديث عن قوانين الاجهزة المعنية بأمن وسلامة الانسان أن تكون برشد أكبر ووعى أكبر ومسئولية أكبر كذلك ..!! ، لن يكون من بيننا أحد يعارض تشديد القوانين الحامية أو تلك التى تيسر عمل أجهزة الأمن ببلادنا غير الشاذين أصلا ومعتادى الاجرام والآخرين الذين بأنفسهم نوايا غدر وخيانة ، أو من أؤلئك الذين يريدون لبلدنا أن يكون نهباً لقطاع الطرق ومروجى المخدرات وتجار السلاح ..!! ، فليس معقولا أن تقابل التطورات فى الانفلات الامنى الذى يطال كل العالم الذى اجتررنا بعض مرارته أن نقوم بتقليص تلك الصلاحيات فتحيل أجهزتنا الامنية الى (نعام) لا تقوى على حماية نفسها بالعدو بفلاة الأرض أو على تغطية رؤسها برمال الأرض حتى ..!! ، وفوق ذلك نجد كل دول العالم تبحث فى كيفية زيادة صلاحيات أجهزة الامن بها ، (فألمانيا الاتحادية) تتجه نحو تشديد قوانين أجهزتها الامنية وذلك باعطائها سلطات واسعة وحركة غير محدودة ..!! ، فيكون من حقها الحصول على البيانات الشخصية من البنوك والسجلات الرسمية والتصنت على الهواتف الثابتة والنقالة ..!! ، و(هولندة) الدولة الأكثر تحضرا وليبرالية قدمت مشروع قانون جديد يعطي أجهزتها الأمنية والقضائية صلاحيات واسعة للتحرك في مواجهة الارهاب وغيره ، والحكومة وافقت أيضا على مشروع قانون يعطي وزير العدل صلاحيات كبيرة لإعطاء أوامر تتعلق بتكثيف عمليات المراقبة والملاحقة وكذلك التنصت على الهواتف بمختلف أشكالها ، وامريكا تسمح لأجهزتها الامنية تفعل أكثر من ذلك بكثير تحت دعوى عريضة تسمى (أمنها القومى) فجهاز ال CIA مسموح له بالخطف والاعتقال لوقت غير محدد والزج فى السجن لمجرد الاشتباه ولوقت غير محدد وكل ذلك بالقانون ، ونحن لانقول بذلك بطبيعة الحال ، فنحن قوم محصنون بديننا وقيمنا الخاصة ، لا ندعوا لأطلاق كل شئ هكذا كما لا ندعو لتكبيل أجهزتنا التى هى فى الأصل تحت سمع وبصر القانون وقيم ديننا واخلاق مجتمعنا السمحة ، ليس معقولا أن نغل أياديها وعيونها وآذانها ونطلب منها كل الأمن والحماية .. ثم نأتى غدا نتألم لصور وجرائم وأحداث سياسية أو عسكرية غير معروفة فى مجتمعاتنا بدأت تنسرب اليه ونسأل أين أجهزة الامن ..!!
نصرالدين غطاس
naseraldeen altaher [naserghatas666@yahoo.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم