سلامٌ مُرّ يطلّ من رحم الحربٍ العبثية

تتكسر على صخرة الواقع السوداني، أوهام الحسم العسكري. لا رايات نصرٍ ترفرف، ولا جيوشٌ تخرج من المعترك وقد فرضت سيادتها المطلقة؛ بل ثمة زحف بارد نحو تفاهمٍ وشيك، فرضته قسوة الحسابات وألم الخسائر. تُفرض لا من باب الترف السياسي بل من قسوة الحقائق التي راكمتها الحرب.
فالعزيمة الشعبية التي لم تنكسر، والثورة التي لم تُدفن رغم الخراب، والأزمات الإنسانية التي شردت الملايين وأثقلت كاهل الجوار والمجتمع الدولي، كلها عناصر دفعت الصراع إلى حافة الحوار، ولو من باب الضرورة القاسية.
الحرب ـ بعد أكثر من عامين ـ بدت عبثية، كما تعالت صيحات العقلاء منذ الرصاصة الأولى: بلا منتصر أو مهزوم، والوطن هو الخاسر الأكبر. كل طرف يلوّح بسلاحه وكسبه الميداني، لا ليحسم الصراع بل ليضع أوراق ضغط على مائدة تفاوضٍ تنتظر. ولهذا يستمر الكرّ والفرّ في الميدان، كمناورة استباقية تسبق الدخول إلى قاعة التفاوض، مع تجنّب المعارك الفاصلة التي قد تنقلب على أصحابها وتزيد الخراب اتساعاً.
الخارج لم يعد مراقباً محايداً. أوروبا وأميركا تدفعان بقوة إلى إيقاف الحرب خشية اتساع نفوذ موسكو وطهران على أرض السودان، ما يجعل المفاوضات أداةً لحماية مصالح استراتيجية بقدر ما هي محاولة لإنقاذ أرواح. الحرب صارت بالوكالة، تتشابك فيها المصالح الدولية مع رهانات الداخل، وتتعثر نهايتها لأن أطرافها ما زالت تتطلع إلى أرباح اليوم التالي.
ومع ذلك، فإن هدنة إنسانية باتت تلوح في الأفق، يُراد لها أن تكون الجسر نحو وقف دائم لإطلاق النار، وبداية مسار سياسي جديد تقوده القوى المدنية لإعادة البلاد إلى طريق الانتقال والتحول الديمقراطي. لكن التحدي الأكبر يكمن في بناء جبهة مدنية واسعة، قادرة على حمل مسؤولية هذا المنعطف الأخطر في تاريخ البلاد. من دون هذه الجبهة، لن يُكتب لأي عملية سياسية النجاح، ولن يملك الوطن أدوات حماية مساره.
لا مجال لعودة الشراكة المدنية – العسكرية القديمة؛ فالأولوية القصوى هي بناء جيش قومي مهني واحد، يحتكر السلاح وفق الدستور، ويحرس الدولة المدنية بدلاً من أن يحكمها. هذه هي الخطوة التي من دونها لن يُكتب للسلام أن يستدام، ولن تُردم الهوة التي صنعتها الحروب المتطاولة.
السلام لن يولد من صفقات ثنائية بين البنادق المتقابلة، بل من معالجة جذرية لأسباب العنف التي مزقت السودان وكادت أن تطيح بوجوده: من التهميش، إلى اقتصاد الغنيمة، إلى البنى الإقصائية التي أورثت الدم. والإرادة الداخلية هي الشرط الأول، فهي وحدها القادرة على كسر الحلقة الجهنمية للحرب، ووضع البلاد على سكة الحياة بدل الموت.
ومع كل ذلك، يظل شبح الكيزان، الذين يتغذون من الخراب ويعيشون على دوام الفوضى، حاضراً. سيعملون على تعطيل أي محاولة لوقف النزيف، وسيسعون لإبقاء البلاد رهينة موتٍ مفتوح. ومن ثم لا بد من جبهة صلبة تُحاصر هؤلاء الأشرار وتُفشل مخططاتهم، حتى لا يُترك الوطن أسير دوامة الدم والدمار.
في النهاية، تتجمع كل المؤشرات عند حقيقة واحدة: أن زمن البندقية وحده انتهى كأفقٍ للحل، وأن إعادة بناء الوطن تتطلّب حواراً شاقّاً، وجرأةً في الحلم بإعادة تأسيس السياسة كأرضٍ للعيش المشترك لا كحقلٍ لصراعات تُفنيه.
هذا هو الإلحاح الأخلاقي والسياسي الذي يفرضه واقعٌ أنهكه الدم، وملّ منه المواطنون قبل الخريطة الدولية. وما لم تتجرأ القوى الحيّة على إعادة تأسيس السياسة كأرضٍ للعيش المشترك لا كساحة حربٍ أبدية، فإن الدم سيظل هو اللغة الوحيدة التي تتكلم بها البلاد.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …