مناظير السبت 4 أبريل 2026
زهير السرّاج
manazzeer@yahoo.com
لا يمكن التعامل مع ما حدث في وزارة التعليم العالي من تفويض في الخفاء لشركة (كويك للأعمال المتقدمة) للوصول الى السجل الجامعي بالوزارة واصدار الافادات للجهات التي تطلب التدقيق في الشهادات المقدمة إليها كخطأ إداري أو اجتهاد فاشل، بل هو قرار خطير وجريمة مكتملة الاركان تمس صميم الأمن الوطني وتستدعي المساءلة الجنائية المباشرة.
- كيف يُسمح لشركة تعمل في التجارة العامة وتجارة الجلود والمحاصيل، أن تتحول فجأة إلى جهة تتحكم في مصير ملايين الخريجين، ومَن الذي قَيّم كفاءتها، ومَن الذي راجع خلفيتها، وعلى أي أساس مُنحت حق الاطّلاع على بيانات حساسة تمثل تاريخاً اكاديمياً ووظيفياً لأجيال كاملة؟!
- التفويض لم يكن محدوداً أو خاضعاً لرقابة صارمة، بل كان مفتوحاً وشاملاً، يتيح للشركة الوصول الكامل إلى السجل الأكاديمي، وإصدار إفادات التحقق نيابة عن الدولة، في تعدٍ واضح وخطير على اختصاص الجامعات، وانتزاع مباشر لسلطتها القانونية، رغم أن القانون يحدد ان الجامعات هي الجهة الوحيدة المخوّلة بإصدار الإفادات الأكاديمية، بينما يقتصر دور الوزارة على التوثيق فقط بعد التأكد من صحة الشهادة، لا أكثر.
- الأخطر من ذلك أن التفويض لم يقتصر على (شركة كويك) وحدها، بل أعطى شركة أجنبية مسجلة في احدى الدول الخليجية تُدعى (ميار للتجارة العامة) ــ حسب ما توصل إليه التحقيق الموسع الذي أجريته ــ الحق في مشاركة كويك في العملية مقابل الحصول على رسوم بالعملة الصعبة خصماً على الرسوم التي تتحصل عليها كويك، ويرجح احد المصادر وجود شبكة مالية شديدة التعقيد تدير العملية !
- تخيلوا … شركات تتاجر في الجلود والمحاصيل والدقيق والبسكويت تتحول بقدرة قادر الى المتاجرة في السجل الأكاديمي السوداني، مما يدعو الى التساؤل .. كيف تسمح الدولة بأن يدار مستقبل ملايين الخريجين بعقلية السوق، وهل أصبحت الشهادات الجامعية سلعة تُوزن بالكيلو؟!
- المصيبة ان هذه الشركات مجهولة الهوية، لا يعرف احد مَن يملكها، ومَن يديرها، وما علاقتها بالوزارة، وعدم خضوعها للرقابة من اي جهة، وربما تكون مجرد ستار تتخفى وراءه احدى او بعض الجهات والشخصيات، لسبب او اسباب غير معروفة !
- لاستكمال التحقيق كان لا بد من الاتصال بالوزير السابق للتعليم العالي بروفيسور (محمد حسن دهب)، الذي تم في عهده إصدار التفويض وتجديده مرتين، وبسؤاله عن صلته او علاقته به، نفى بشكل قاطع علمه بالأمر، وأكد أنه لم يسمع به او بالشركة، وهو ما يفتح باباً آخر أخطر من التفويض نفسه، وهو إذا كانت مثل هذه القرارات الخطيرة تُتخذ دون علم الوزير، وتعمد تمرير قرارات بهذا الحجم بعيداً عن المسؤولية السياسية المباشرة، فإننا نكون أمام خلل جسيم لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها.
- المسؤولية المباشرة تقع على عاتق مدير إدارة القبول والتنسيق السابق والوكيل الحالي الأستاذ (علي الشيخ السماني)، الذي صدر باسمه وتحت توقيعه أول خطاب تفويض، وكذلك المديرة الحالية للادارة (د. حنان محمد زين) التي قامت بتجديده مرتين، ولا بد ان يخضع الاثنان للتحقيق الجنائي والمثول أمام القضاء، وليس أمام لجان إدارية، وذلك للوصول الى الحقائق الكاملة لهذه الجريمة الخطيرة التي يمكن ان تقود او (ربما تكون قد قادت بالفعل) الى بعض العواقب المحتملة مثل التلاعب بالشهادات، وتسريب البيانات، وانتهاك خصوصية الخريجين، وربما حدوث تزوير واسع النطاق دون أن تتمكن الدولة من معرفته او اكتشافه، اذ ان الجريمة لا تتعلق بشخص او شخصين او مليون او مليونين بل بكل الخريجين من الجامعات السودانية منذ تأسيس أول جامعة سودانية وحتى اليوم!
- ولا بد هنا من توجيه سؤال مباشرً لبروفيسور أحمد مضوي الوزير الحالي للتعليم العالي، اين تقارير ونتائج لجان التحقيق التي تشكلت منذ أكثر من عام، وكان بعضها برئاسته قبل أن يصبح وزيراً، وما الذي يحدث داخل هذه اللجان، ولماذا هذا الصمت الغريب بدون حتى مجرد تنوير مختصر للرأى العام السوداني ليطمئن على سمعة جامعاته ومستقبل ابنائه؟!
- واقولها بكل صراحة، ان الأمر لا يتوقف عند التأخير، بل يتجاوزه إلى ما هو أسوأ من ذلك بكثير، حيث نفت الوزارة سابقاً وصول أي طرف ثالث إلى السجل الأكاديمي رغم وجود خطابات تفويض رسمية تثبت العكس، وهو ليس خطأً في التصريح، بل محاولة لإخفاء الحقيقة، بما يضع الوزارة نفسها في دائرة الشبهة.
- إذا كانت الوزارة جادة في التعامل مع هذه القضية الخطيرة، فلا بد مِن سحب التفويض فوراً من الشركة والاعلان عن ذلك للرأى العام، وفتح تحقيق جنائي مستقل، وتقديم كل المتورطين للمحاكمة بتهم تقويض الأمن الوطني وخيانة الأمانة، وإجراء مراجعة شاملة للسجل الأكاديمي ومقارنته بسجلات الجامعات ومؤسسات التعليم العالي للتأكد من عدم حدوث تلاعب.
- كما يجب الكشف الكامل عن الشركات التي صدر إليها التفويض وملكيتها، وإدارتها، وعلاقاتها، وكل ما يتصل بها، وتعرية كل الجهات المتورطة، ولا بد هنا من الاشارة الى صدور انذار قانوني من جامعة الخرطوم بتاريخ 16 مارس (2026) وتوقيع رئيس الادارة القانونية للجامعة (د. ابتسام كامل نجم الدين) يتهم احدى المنصات الإلكترونية الخليجية (mosadaqa.sa ) بتقديم خدمة التحقق او الاشارة الى امكانية التحقق من الشهادات الصادرة عن الجامعة بدون اتفاق او تفويض رسمي منها، وبدون ان يصل الى الجامعة اى خطابات من (المنصة) تطلب فيها اثبات صحة الشهادات الصادرة منها، مما يشير الى تعامل (مصادقة) او غيرها مع اطراف غير مشروعة سواء كانت (كويك) أو غيرها، لديها المقدرة للوصول الى السجل الجامعي السوداني في وزارة التعليم العالي للتحقق من الشهادات بدون علم الجامعة، ولقد انذرت جامعة الخرطوم شركة (مصادقة) بالتوقف عن الاعلان عن فتح باب التقديم او اى خدمات تتعلق بالتحقق من الشهادات الصادرة عنها، والامتناع عن استخدام اسم الجامعة، وإلا إضطرت لاتخاذ الاجراءات القانونية التي تحمي حقوقها ومصالحها.
- ان أي تهاون في هذه القضية يعني تدمير سمعة التعليم العالي السوداني بشكل نهائي، وتهديد مستقبل الخريجين السودانيين، وتقويض سيادة الدولة على مؤسساتها وسجلاتها الحساسة واخص خصوصياتها!
- القضية ليست إدارية، كما يعتقد البعض، بل قضية أمن دولة مكتملة الاركان!
- وللحديث بقية إن شاء الله .. إنتظروني
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم