بسم الله الرحمن الرحيم
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmiail.com
مقدمة: مفهوم النظم وخصائصها:
النظم الإسلامية هي: مجموعة المباديء والقواعد والأحكام العامة التي تنظم شؤون الحياة في المجتمعات الإسلامية، وتقوم عليها حياة المسلمين في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية،والمستمدة من الشريعة الإسلامية ومصادرها الأصلية والفرعية.وتتميز تلك النظم بأنَّها مستمدة من الشريعة الإسلامية القرآن والسُنَّة، وما تفرع عنهما من مصادر أخرى( المصادر الفرعية).كما أنَّها منبنية على العقيدة الإسلامية التي هي مدار قبول العمل وعدم قبوله،كما أنَّها تتسم بالعدل المطلق لأنها صادرة من عند الله تعالى الذي يتساوى أمامه الناس جميعاً،و لا تتمايز عنده فيئة عن أخرى إلا بالتقوى،وما تقدمه من خير ونفع .
وتتميز النظم الإسلامية دون غيرها من النظم بعدة خصائص من بينها:
• الشرعية:ويراد بذلك أن هذه النظم تنطلق من مصادر الإسلام الأصلية( القرآن والسنة)، وما تفرع عنها من مصادر فرعية.اذ تضمنت تلك المصادر الكثير من الأحكام المتعلقة بالنظام الاجتماعي من الأسرة والعلاقات بين الآباء والأبناء ،والزوج وزوجه،والقيم الاقتصادية ،كسب المال وتنميته وانفاقه،والنظم السياسية التي تحدد العلاقة بين الراعي والرعية.
• العقدية:ترتبط النظم الإنسانية،كالنظام الاشتراكي والرأسمالي، في جملتها بمباديء تنطلق منها وتقوم عليها، والنمذاهب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تنطلق من معتقدات يدين بها أصحابها .أما النظم الإسلامية فتتميز بارتباطها بالعقيدة الإسلامية وانطلاقها منها،والمسلم يسلم بصلاحية تلك النظم ،ويسعى إلى تطبيقها لايمانه بالله تعالى وبرسالاته للبشر.
• العدل:يمثل العدل الخصيصصة الثالثة التي تميز النظم الإسلامية.ورغم ما في بعض النظم الوضعية الإنسانية من عدل ،فإنه عدل نسبي يرتبط بمصالح البشر وأوجه القصور والنقص لديهم،بينما العدل المتمثل في النظم الإسلامية،ينبني على عدل الله المطلق الذي يتساوى أمامه البشر جميعاً و لا يتمايزون لفوارق اجتماعية أو عرقية أو جنسية.
• النظام السياسي في الإسلام(1)
مفهوم السياسة في الإسلام:
تعني السياسة وفقاً لاشتقاقها اللغوي:”القيام على الشيء بما يصلحه”. وبناءً على ذلك فإنَّ للسياسة في الإسلام مقصداً وغاية هو: القيام على شئون الناس بما يصلحهم،أي بما فيه صلاح شأنهم ومجتمعهم. ولن يكون مثل هذا الاصلاح ممكناً من المنظور الإسلامي إلا برده إلى مرجعية إسلامية تستنبط من كتاب الله وسنة رسوله ،وتستهدف عمارة الأرض،وإقامة المجتمع المدني وفقاً للحق الذي نزل به الشرع. قال تعالى حكاية عن خطاب شعيب –عليه السلام لقومه:( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ) هود:88.وقال تعالى موجهاً خطابه للناس:( وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) الأعراف:. 56
مفهوم النظام السياسي: يقصد بالنظام السياسي :مجموعة المؤسسات ذات العلاقة المباشرة بممارسة السلطة العامة المتعلقة بتنظيم المجتمع وإدارة شئونه،أي مؤسسات السلطات الثلاث:التشريعية،والتنفيذية ،والقضائية،التي تعد أهم المؤسسات المكونة للنظام السياسي،والتي تتسم بالتأثير المتبادل فيما بينها، كما تؤثر في النسق الكلي الذي ينتظمها(أي النظام السياسي)،وتتأثر به،وذلك وفقاً لمفهوم النظام المتعارف عليه ضمن إطار العلوم الاجتماعية.ومن هنا تأتى الأهمية المحورية للنظام السياسي باعتباره المحور الذي تدور حوله بقية النظم .و لا يمكن تطبيق أي من النظم الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والعسكرية والدولية بدون أن يكون هناك نظاماً سياسياً.ولهذا اهتم به الإسلام ،وكذلك المفكرون الإسلاميون الذين ارتأوا أنَّ إقامة النظام واجب لا يقام الدين و لا تتحقق مصالح الناس إلا بوجوده.
وسنتناول فيما يلي بعض أدلة هذا الوجوب ،وطبيعة النظام الإسلامي وأهم القواعد العامة المتعلقة بهذا النظام ،والتي تضمنتها آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول،وجاءت سنة الرسول العملية ودولة الخلافة الراشدة بمثابة التطبيق العملي لها.وكذلك ما يميز هذه القواعد العامة عن غيرها أو شبيهها في النظم السياسية الأخرى،ومن ثم يميز النظام السياسي الإسلامي عن غيره من النظم السياسية.
الأدلةعلى أهمية النظام السياسي في الإسلام ووجوب إقامته:
وضع الإسلام أصولاَ للنظام الذي يتحاكم إليه الناس، وقد تضمنت آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول العديد من التعاليم المتعلقة بالأحكام الدستورية.وقررت القواعد العامة الكلية المتعلقة بنظام الحكم وسياسة الدولة، وجاء تطبيق الرسول وسنته العملية تأكيداً لذلك كله.إضافة إلى اجماع المسلمين على الالتزام بتلك الأحكام وبيان ذلك كما يلي:
- أمر الله رسوله أن يحكم بما أنزل الله، أي بالشرع.قال تعالى مخاطباً الرسول :( فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ) المائدة:48.كما فرض الله تعالى على المسلمين طاعة أولي الأمر، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) النساء:59.وأولي الأمر المراد بهم العلماء الذين يأمرون بالحق،والرؤساء فيمايأمرون به من طاعة الله، وما فيه من المصالح العامة في مجال الدنيا.
وردت كذلك في السنة القولية أحاديث تدل على وجوب طاعة أولي الأمر. فقد روى مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال : سمعت رسول الله يقول: ” من خلع يداَ من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ،ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”.( مسلم كتاب الامارة ،باب من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع . رقم:1851). - و لا محل للحكم بما أنزل الله ولطاعة أولي الأمر المشار إليهما إلا ضمن إطار تنظيم سياسي تمارس فيه السلطة وتشرع فيه الأحكام وتنفذ.
- السنة الفعلية : بهجرته إلى المدينة بدأ الرسول تأسيس الدولة الإسلامية،و أقام أول دولة إسلامية في المدينة ،وصار أول رئيس للدولة ووضع لها دستوراَ ،تضمنته ما عرف فيما بعد ب: “صحيفة المدينة”.
- الاجماع: أجمع المسلمون في الصدر الأول بعد وفاة الرسول على وجوب اختيار خليفة للمسلمين( أي رئيس السلطة التنفيذية في النظام السياسي)، بل إنَّهم قدموا البيعة للخليفة على دفن النبي. وقد قال ابن خلدون: ” ثم إنَّ نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع باجماع الصحابة والتابعين، لأنَّ أصحاب رسول الله عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر وتسليم النظر إليه في أمورهم. وكذا في كل عصر من بعد ذلك،ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار،واستقر ذلك اجماعاً دالاً على وجوب نصب الإمام”.(اأنظر:لمقدمة ،موسوعة العلامة ابن خلدون المجلد الأول،دار الكتاب المصري ،1420/1999، ص: 3ِ39.). وهذا النصب لرئيس السلطة التنفيذية يستتبعه تنظيم شؤون هذه السلطة( التنظيم الاداري للدولة،تعيين الولاة،الدفاع أو الجهاد…)، وكذلك تنظيم شؤون السلطات الأخرى،التشريعية (أهل الشورى أو مؤسسة الشورى)، والقضائية ( تعيين القضاة….).
القاعدة الشرعية “ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب “،تؤكد وجوب قيام نظام سياسي.فكثير من أحكام الشريعة تحتاج في تنفيذها إلى قوة وسلطان،مثل اقامة الجهاد،وتنفيذ الحدود واقامة العدل بين الناس. فلا بد من نصب الإمام(أي رئيس الدولة) بحيث يمكن تنفيذ هذه الأحكام”. فالمسلمون –كما يقول التفتازاني- لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم،واقامة حدودهم ،وسد ثغورهم،وتجهيز جيوشهم،وأخذ صدقاتهم وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطرق،واقامة الجمع والأعياد وقطع المنازعات الواقعة بين العباد،وقبول الشهادات القائمة على الحقوق،وتزويج الصغار والصغائر الذين لا أولياء لهم،وقسمة الغنائم،ونحو ذلك من الأمور التي لا يتولاها أحاد الأمة”. (العقائد النسفية شرح التفتازاني ( التفتازاني) ص:142-143 نقلا من :النظم الإسلامية ( صبحي الصالح) ص:285.). وذلك بالتنسيق والتعاون بين السلطات الثلاث، استناداً إلى المرجعية الإسلامية المستنبطة من الكتاب والسنة، والتي تستهدف تحقيق مقاصد الشريعة ومصالح الناس.
طبيعة النظام السياسي الإسلامي:
إنَّ استنباط القواعد الكلية، أو الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام من مرجعية الكتاب والسنة، لا يعني أنَّ النظام السياسي الإسلامي نظاماً ثيوقراطياً Theocracy، أي نظام حكم إلهي.فهو وإن كان يستمد مشروعيته من أحكام الشريعة،وأنَّه خلافة عن النبوة، من هذا الوجه،إلا أنَّه ليس نظاماً يقول بحق الأئمة المطلق أو بعصمتهم ، وذلك لكون الإمام (أي رئيس السلطة التنفيذية) وكيل عن الأمة التي تعينه وتختاره، وبيدها حق خلعه.كما أنَّه ليس نظام حكم أوتوقراطي Autocracy أي نظام حكم فردي استبدادي،بل يقوم على الشورى ،والبيعة من الناس .كما أنَّه ليس نظام حكم اليجركي Oligarchy أي نظام حكم فئة من الناس دون غيرهم،بل هو نظام مدني يقوم على أحكام الشريعة المستمدة من مصادر الإسلام: القرآن والسنة،وعلى فتح الباب لكل من تتوفر فيه الكفاءة والشروط اللازمة لتولي المسؤلية.( انظر: الفكر الإسلامي (مجموعة من اساتذة جامعة الامارات)،العين طبعة ثالثة 2003 ص: 215.)
أسس النظام السياسي الإسلامي:
يقوم النظام السياسي الإسلامي على عدة مباديء وقواعد كلية تشكل الأسس التي يقوم عليها،ويلتقي في بعضها مع بعض نظم الحكم،ويتميز ببعضها عن النظم السياسية الأخرى.و من أهم هذه الأسس ما يلي:
1 -الحكم بما أنزل الله
الشريعة هي مصدر الحكم في الدولة الإسلامية،وأساس شرعيته: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ)،يوسف:40، وهذا الشرع هو المرجع الوحيد لرفع ما اختلف فيه الناس ،والفصل في ما تنازعوا حوله سواء بين الأفراد فيما بينهم أو فيما بينهم وبين الحاكم.( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، النساء:59.ويقول تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً ) الأحزاب:36. ويقول أيضا: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)،النساء:65.
2- الشورى : الشورى في اللغة: من شار يشور ،وتقول شاورته في الأمر :أي طلبت رأيه واستخرجت ما عنده. .
ويراد بها في الاصطلاح : تبادل أصحاب الاختصاص والمعرفة والتقوى من المسلمين الرأي والمشورة في الأمور التي لم يرد فيها نص شرعي قطعي الدلالة والثبوت ،و لا غنى لولي الأمر عنها.
وتعد الشورى من أهم المبادىء الدستورية في الإسلام،وقاعدة من أهم القواعد الأساسية لنظام الحكم الإسلامي.وغاية الشورى استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في الأمور العامة المتعلقة بالمصلحة العامة”
أدلة مشروعية الشورى:
يستدل على مشروعية الشورى بالقرآن والسنة القولية والفعلية وعمل الصحابة رضي الله عنهم .
أ- ففي القرآن ورد ذكر الشورى في آيتين صريحتين تخاطب احداهما الرسول ، وتلزمه بالشورى 🙁 فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران: 159. والآية الثانية، قوله تعالى:( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)الشورى :38 ، تبين أنَّ الشورى سمة من السمات التي يتميز بها المجتمع المسلم،وصفة من الصفات التي يجب أن يتحلى بها المسلمون، سواء كانوا يشكلون جماعة لم تقم لها دولة ، أم كانوا يشكلون دولة قائمة كما كان حالهم في المدينة. وقال ابن عطية في تفسير قوله تعالى:( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)الشورى :38 : ” ومدح تعالى القوم الذين أمرهم شورى بينهم ،لأنَّ في ذلك اجتماع الكلمة والتحابب ،واتصال الأيدي والتعاضد على الخير،وفي الحديث :” ما تشاور قوم إلا هدوا لأحسن ما بحضرتهم”.(انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز( أبي محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي) ج 13 ص:179-180)، وقال أيضاً في تعليقه على قوله تعالى:( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) آل عمران: 159:”والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام،ومن لا يستشير أهل العلم والدين،فعزله واجب،وهذا ما لا خلاف عليه.” ( المرجع نفسه ج 3 ص:397)
ب- وأكدت الأحاديث النبوية على ضرورة الشورى فقال:” ما خاب من استخار ،و لا ندم من استشار، و لا عال من اقتصد”. وقال :” إذا كان أمراؤكم خياركم،وأغنياؤكم سمحاءكم،وأموركم شورى بينكم،فظهر الأرض خير لكم من بطنها،وإذا كان أمراؤكم شراركم،وأغنياؤكم بخلاءكم،وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها”.
وقد كانت سيرة الرسول العملية أوضح دليل على التزامه- وهو النبي الموحى إليه من ربه- بالشورى،وتعليمه لأصحابه رضوان الله عليهم،منهج الشورى حتى يسيروا عليه. فقد ذكر أصحاب السير أنَّ رسول الله طلب مشورة الأنصار عند غزوة بدر. وكذلك شاور النبي أصحابه في غزوة أحد والخندق وصلح الحديبية،وغيرها من الغزوات. كما شاورهم في مسائل كثيرة منها ما يتعلق بالحرب والسياسة،أو ما يتعلق ببعض شؤونهم.
ج- وقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على منهجه . وكان عمر بن الخطاب كثير المشورة مع أصحابه.. في شؤون الدولة المختلفة.. فقد كان يستشير الصحابة في شؤون الحرب والدولة وتنظيم الأمور بينهم.. وفي بعض الأحكام وتطبيقها.. وغير ذلك من الأمور.
يقول القرطبي:” وقد كان النبي- – يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب،وذلك في الآراء كثير،ولم يكن يشاورهم في الأحكام،لأنها منزلة من عند الله،على جميع الأقسام من الفروض والندب والمكروه والحرام.فأما الصحابة بعد استئثار الله تعالى به،فكانوا يتشاورون في الأحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة،وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة….،وتشاوروا في أهل الردة ،وتشاوروا في الجد وميراثه،وفي حد الخمر وعدده،وتشاوروا بعد رسول الله في الحروب”.) الجامع لأحكام القرآن ( القرطبي)،دار الكتب العلمية ،بيروت لبنان- طبعة أولى 1408/1988م، ج 16، 25-(
أهمية الشورى:
للشورى أهمية كبيرة تظهر من خلال ما تحققه من أهداف وغايات ومن بين تلك الأهداف التي تتحقق من خلال الشورى:
• الشورى هي الوسيلة الرئيسية لأخذ أراء المختصين ومشاورتهم فيما ينظم شئون المجتمع ويحقق مصالح الناس ،ومن خلالها يتعلم الناس احترام الرأي الآخر والسعي على ما يحقق المصلحة العامةمن الآراء .
• توفر الشورى المناخ الملائم للتعبير عن الرأي وتقديم المقترحات ،ومن خلالها يستطيع الفرد والمجتمع الاسهام بآرائهم فيما يهم مجتمعهم ،وبذلك تتحقق وحدة المجتمع وتماسكه ،وتتقارب أفكار الناس وتجتمع رؤاهم على ما يحقق المصلحة والانسجام والوحدة.
• من خلال الشورى تتحقق التنمية الصحيحة للمجتمعات لأنَّ المشروعات التنموية سواء كانت اقتصادية أم اجتماعية أم تربوية تحظى،في ظل الشورى، بالدراسة والتمحيص من قبل المختصين وأصحاب الرأي السديد،وبذلك تحقق هذه البرامج أهدافها ومقاصدها.
• الشورى خير وسيلة لتربية الأمة بأسرها والسياسيين بصفة خاصة على تبادل المعارف والمعلومات وممارسة الحوار الراشد في كل شأن من شؤون المجتمع.
• الشورى تعصم الأمة من أن يظهر فيها مستبدون ،وتعصمها من الزيغ والانحراف عن الجادة.
نطاق الشورى:
الشورى في الإسلام لا تقتصر على الجوانب السياسية، بل هي أمر عام يشمل كل شأن من شؤون الجماعة المسلمة مما لم يرد فيه نص قطعي الدلالة في القرآن أو قطعي الدلالة والثبوت في السنة . فدوائر العمل المختلفة تحتاج إلى الشورى حتى تتطور الأعمال ويتحقق النجاح فيه. والأسرة مطالبة بالشورى ،بين الزوج والزوجة والآباء والأبناء من أجل بناء أسرة سليمة مستقرة 🙁 فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا…) البقرة:233. والمسلمون مأمورون بالتشاور في كل شأن من شؤون حياتهم جليلها وصغيرها،نزولا على أمر الله تعالى : (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ). الشورى :38.
كيفية الشورى : لم يحدد الإسلام طريقة معينة لاجراء الشورى بين الناس ،بل ترك ذلك للناس وتطورات بيئاتهم ،وتغير مجتمعاتهم.والذي حرص عليه الإسلام هو أن يكون الحكم قائماً على الشورى وتبادل الآراء.ولعل ذلك يفسر تعدد طرق اختيار الخلفاء الراشدين وتباينها.
الشورى والديمقراطية:
أصبحت قضية الديمقراطية موضع اهتمام جميع شعوب العالم خاصة في العقود الأخيرة من القرن العشرين. وأصبحت مثار جدل في سائر البلاد العربية والإسلامية .و اتهم المسلمون بتقصيرهم في هذا الجانب،وامتد الاتهام في كثير من الأحيان إلى الإسلام ، ووصف بأنَّه معاد للديمقراطية.
وبداية لا بد أن نعرف بالديمقراطية والمباديء الرئيسة التي تتضمنها،لنرى إلى أي حد تتوافق مع نظام الحكم الإسلامي أم تتعارض معه؟.
من التعريفات الشائعة للديمقراطية:”أنَّها حكم الشعب بواسطة الشعب من أجل الشعب”.ويتضمن هذا التصور مبدأ سيادة الشعب وأنَّ الشعب مصدر كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.ويمارس الشعب تلك السيادة عبر جملة من الوسائل والتقنيات الدستورية التي تختلف في جزئياتها من نظام إلى آخر. ويتضمن ذلك الاعتراف بقيمة ذاتية للإنسان، يكتسب بمقتضاها جملة من الحقوق تضمن كرامته وحقه في المشاركة الفعالة في إدارة الشؤون العامة.
وإذا ما تجاوزنا المصطلحات والتعريفات الأكاديمية ،فإنَّ الديمقراطية في جوهرها –كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي-تعني أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمورهم،وألا يفرض عليهم نظام أو حاكم يكرهونه،وأن يكون لهم الحق في محاسبة من يحكمهم إذا أخطأ ،وحق عزله إذا جار أو انحرف،وألا يساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها و لا يرضون عنها.واتخذت الديمقراطية صيغاً وأساليب عملية لتنفيذ تلك المبادىء والحفاظ عليها مثل: الانتخابات، والاستفتاء العام،وترجيح حكم الأكثرية، والتعددية الحزبية،وحق الأقلية في المعارضة وابداء رأيها،وحرية الصحافة واستقلال القضاء. إلى غير ذلك من الوسائل والآليات.
ولا شك أنَّ هذه المباديء والأسس التي تقوم عليها الديمقراطية في جملتها،من صميم الإسلام ،ومتوافقة تماماً مع تعاليمه.فقد أنكر الإسلام أن يقود الناس-حتى في الصلاة- من يكرهونه ،واعتبر من شرار الحكام من لا يرتضية الناس فقال رسول الله : ” خيار ائمتكم –أي حكامكم- الذين تحبونهم ويحبونكم،وتصلون عليهم-أي تدعون لهم- ويصلون عليكم،وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم،وتلعنونهم ويلعنونكم”. )رواه مسلم عن عوف بن مالك. كتاب الامارة،باب خيار الأئمة وشرارهم، حديث رقم :1855(
كما شدد القرآن الكريم النكير على الحكام المتألهين،والطغاة الذي زعموا أنَّهم يملكون الحياة والموت،والفراعنة الذي ادعوا الربوبية . وربط بين الطغيان وانتشار الفساد،وأشرك مع الطغاة أذنابهم وتابعيهم الذين يزينون لهم الباطل ويغرونهم به.
ونددت السنة النبوية، بالأمة التي ينتشر فيها الخوف من الظالمين ،حتى لا تقدر أن تقول للظالم يا ظالم.فعن عبد الله بن عمرو مرفوعاً قال: قال رسول الله : ” إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له أنت ظالم فقد تودع منهم) لمسند ( أحمد بن حنبل).مجلد 11/394 رقم “6784”.(
كما قرر الإسلام مبدأ الشورى كقاعدة من قواعد الحياة الإسلامية،وأوجب على الحاكم أن يستشير الأمة،وأوجب على الأمة أن تنصح له،وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر. والحاكم في نظر الإسلام ما هو إلا وكيل عن الأمة أوأجير عندها،ومن حقها أن تحاسبه أو تسحب عنه الوكالة إذا أخل بموجباتها.
وما تتضمنه الديمقراطية من مباديء سياسية أو اجتماعية معينة مثل مباديء المساواة أمام القانون،وحرية الفكر والعقيدة ،وتحقق العدالة الاجتماعية وما إلى ذلك ،أو كفالة حقوق معينة كحق الحياة والحرية والعمل،وما أشبهه،فلا شك أيضاً في أنَّ كل تلك المباديء متحققة ،وهذه الحقوق مكفولة في الإسلام….
وأما مبدأ الفصل بين السلطات الذي أصبح سمة من سمات النظام الديمقراطي،فهذا أيضاً ظاهر في النظام الإسلامي.فالسلطة التشريعية في الإسلام،وهي أهم السلطات في أي نظام ديمقراطي،مودعة عند الأمة كوحدة،ومنفصلة عن سلطة الإمام أو رئيس الدولة.فالتشريع يصدر عن الكتاب والسنة أو إجماع الأمة أو الاجتهاد.وهو بهذا مستقل عن الإمام بل هو فوقه.والإمام ملزم ومقيد به،وما الإمامة في الحقيقة إلاَّ رئاسة السلطة التنفيذية.والقضاء مستقل أيضاً لأنَّه لا يحكم وفقاً لرأي الحاكم أو الرئيس، وإنما يحكم وفقاً لأحكام الشريعة ،أي أمر الله،و لا يمكن أن يحكم –إن أريد له أن يبقى قضاءً إسلامياً –إلا هكذا.)النظريات السياسية الإسلامية ( ضياء الدين الريس ) ص:379-380.(
وهكذا فإنَّ ما تحتوي عليه الديمقراطية من عناصر ،وأفضل ما تتميز به من صفات، يشتمل عليه الإسلام. فإذا كانت الديمقراطية تعني حرية الشعوب في اختيار ممثليها،وحرية الأفراد وحقوقهم الإنسانية، وحق تقرير المصير للشعوب،فإنَّ الشورى الإسلامية سبقت الديمقراطية في تقرير هذه الأسس وتطبيقها،والإسلام لا يرفض الديمقراطية بهذا المعنى وإنَّما يتجاوزها ويزيد عليها احترام الشريعة والالتزام بها.
وهذا لا يعني بأنَّ هناك تطابقاً بين النظام الإسلامي في الحكم أو الشورى والديمقراطية.بل إنَّ هناك بعض الفروق بين النظامين ومن أهم تلك الفروق:
أ) إنَّ المراد بكلمة شعب أو أمة في الديمقراطية الحديثة، شعب محصور في حدود جغرافية، يعيش في اقليم واحد، وتجمع بين أفراده روابط الدم والجنس واللغة والعادات المشتركة،بينما مفهوم الأمة في الإسلام يقوم في الأصل على الوحدة في العقيدة،أي في الفكر والوجدان،ومن ثم فإن كل من اعتنق فكرة الإسلام،من أي جنس أو لون أو وطن فهو عضو في دولة الإسلام،وهذا لا يمنع –بل قد يكون ضرورياً تحقيقاَ للصالح العام أن يوجد في داخل تلك الدائرة العامة دوائر خاصة اقليمية أو قومية ،من أجل التنظيم أو تحقيق أغراض وطنية أو محلية لا تتعارض مع الأغراض العامة،كما أنَّ وجود الروابط الأخرى وهي وحدة الوطن والأصل واللغة وغيرها،إلى جانب الرابطة الأساسية وهي وحدة العقيدة قد يكون عامل دعم وتأكيد لوجود الأمة وظهور الدولة.
ب) أهداف الديمقراطية الغربية الحديثة،أهداف دنيوية أو مادية تتمثل في تحقيق سعادة أمة أو شعب من حيث تحقيق مطالبه الدنيوية من تنمية الثروة أو رفع الأجور،بينما أهداف النظام الإسلامي أو الديمقراطية الإسلامية تشمل إلى جانب هذه الأغراض الدنيوية، والاهتمام بها والعناية بتحقيقها، أغراضاً روحية بل إنَّ الأغراض الروحية هي الأولى وهي الأساس،ولذلك قال ابن خلدون في تعريف الخلافة :”هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة”) مقدمةابن خلدون ،الفصل الخامس والعشرون ،في معنى الخلافة والإمامة.(
ج) سلطة الأمة في الديمقراطية الغربية سلطة مطلقة ،فالأمة هي صاحبة السيادة ،فهي أو المجلس الذي تنتخبه ، تضع القانون أو تلغيه،و القرارات التي يصدرها هذا المجلس تصبح قانوناً واجب النفاذ وتجب له الطاعة،حتى وإن جاءت مخالفة للقانون والأخلاق أو متعارضة مع المصالح الإنسانية العامة،مثل إعلان الحرب من أجل إذلال أمة أو الاستيلاء على السوق أو إستعمار مكان أو احتكار منابع النفط،وفي سبيل ذلك قد تسفك الدماء،وتزهق الأرواح..أما في الإسلام فإن سلطة الأمة ليست مطلقة هكذا وإنما هي مقيدة بالشريعة ،بدين الله ،فهي لا تستطيع أن تتصرف إلا في حدود هذا القانون الذي يحتويه الكتاب والسنة.فإرادة الأمة في الإسلام تعتمد على ما جاء في الكتاب والسنة،والأمة في الإسلام ملتزمة بالقانون الأخلاقي ومقيدة بمبادئه.
د) إنَّ الإسلام لا يقبل الديمقراطية التي تكرس العلمانية والليبرالية ،والتي لا تلتزم بعقيدة دينية و لا شرعة إلهية.والمسلم لا بد أن يؤكد مرجعيته الإسلامية في الحكم والتشريع ،وبعد ذلك يمكنه أن يأخذ من الديمقراطية ما يجسد مباديء الإسلام السياسية في اختيار الحاكم،واقرار الشورى ،ومقاومة الطغيان ومحاربة الجور ،والقيام بواجب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ) انظر: فتاوى معاصرة ( يوسف القرضاوي) ج 2 ص:637 وما بعدها.(
- 3 العدل:
إنَّ العدل من القواعد التي تقوم عليها كل النظم الإسلامية،لا سيما النظام السياسي الإسلامي.وتحقيق العدل هدف من الأهداف الأصيلة في الإسلام.وقد ورد الأمر القرآني بالعدل شاملاً بحيث يصبح حالة دائمة في المجتمع الإنساني بالاضافة إلى الحكم .قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل: 90.كما أمر بالحكم بالعدل ورد الأمانات إلى أهلها: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) النساء: 58.ونص على العدل في القول: قال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الأنعام: 152.وأكد على ضرورة الالتزام بالعدل، حتى مع الأعداء،وجاء النهي بأن تكون العداوة سبباَ لميل المسلمين عن الحق أو لظلمهم لغيرهم،قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة: 8.قال ابن كثير:” لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم،بل استعملوا العدل في كل أحد صديقاً كان أو عدواً”) تفسير القرآن العظيم ( أبو الفداء إسماعيل بن كثير ) دار المعرفة للطباعة والنشر،بيروت 1400/1980 مجلد 2 ص:30( كما نهى القرآن أن يحمل الحب بعض القلوب إلى الحيف والجور تحقيقاً لما يظنونه مصلحة لمن يحبون، فيقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)، النساء:135. كما نص القرآن على وجوب فرض العدل على الناس ولو بالقوة، فقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد: 25. كما نهى القرآن عن الظلم، فقال تعالى: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ) الشورى:42.وأباح القتال لمن ظلم ووعدهم بالنصر على من ظلمهم، فقال تعالى:( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.)الحج:39.
وقد وردت العديد من الأحاديث التي تحث على العدل وتنهى عن الظلم.وعد الرسول العدل من أسباب وصف الأمة الإسلامية بالخيرية فقال: ” لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت،وإذا حكمت عدلت،وإذا استرحمت رحمت”.. وجعل الإمام العادل أول السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله،فقد روى أبوهريرة أنَّ رسول الله قال: ” سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل،وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته إمرأة ذات حسن وجمال فقال:إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه”.
ومن مجموع النصوص القرآنية وأحاديث الرسول ،استخرج الفقهاء قواعد إيجاب العدل وتحريم الظلم حتى قال ابن تيمية:” الظالم يستحق العقوبة والتعزير وهو أصل متفق عليه،وقد نص على ذلك الفقهاء… و لا أعلم فيه خلافاً”) السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية ( ابن تيمية) حققه أبو عبد الله علي بن محمد المغربي، ص:70. (. وقرر ابن القيم ، أنَّ العدل هو المقصود من انزال الكتب وإرسال الرسل،وأنَّ السياسة العادلة جزءٌ من الدين:”فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان،فثم شرع الله ودينه…فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين،ليست مخالفة له” ( الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ( ابن القيم) قدم له وراجعه الشيخ بهيج غزاوي دار احياء العلوم بيروت د.ت. ص:20-21 ) ، وأنَّ الله سبحانه وتعالى ينصر العدل أياً كان مصدره،ويؤكد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول:”فإنَّ الناس لم يتنازعوا في أنَّ عاقبة الظلم وخيمة،وعاقبة العدل كريمة،ولهذا يروى إن الله ينصر الدولة العادلة،وإن كانت كافرة،و لا ينصر الدولة الظالمة، وإن كانت مؤمنة.”، (مجموعة الفتاوى(ابن تيمية) ج28،ص:62-63.)
وتاريخ المسلمين يؤكد التزامهم بهذا المبدأ . ويمكن الاشارة هنا إلى قصة الإمام علي بن أبي طالب مع خصمه النصراني أمام القاضي شريح في المدينة المنورة،عندما وجد عليٌّ درعه عند رجل من أهل الكتاب،فأقبل به إلى شريح قاضيه يخاصمه مخاصمة رجل من عامة رعاياه وقال:إنها درعي ،ولم أبع ولم أهب.فسأل شريح الرجل :ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ قال:ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب.فالتفت شريح إلى علي يسأله:يا أمير المؤمنين هل من بيِّنَة؟ فضحك علي وقال:أصاب شريح ما لي بيِّنَة.فقضى بالدرع للرجل فأخذها ومشى، وأمير المؤمنين ينظر إليه.إلاَّ أنَّ الرجل لم يخط خطوات حتى عاد يقول:أماَّ أنا فأشهد إنَّ هذه أحكام أنبياء… أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي عليه: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله.الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفَّين فخرجت من بعيرك الأورق،فقال علي : أما إذ أسلمت فهي لك.( انظر:البداية والنهاية(ابن كثير) ج 8 ص:8
وفي نفس هذا السياق تأتي قصة اعتداء ابن عمرو بن العاص- والي مصر- على الغلام القبطي الذي فاز عليه بسباق الخيل فضربه ابن عمرو قائلاً له:خذها وأنا ابن الأكرمين. فغضب والد الغلام القبطي،لما لم ينصفه عمرو من ابنه،وسافر من مصر الى المدينة،ورفع أمره إلى عمر ،فما كان من عمر إلاَّ أن كتب إلى عمرو- واليه على مصر- يستدعيه مع ابنه،ولما حضرا عقد لهما عمر محاكمة تولاها بنفسه ،وعندما تأكد له اعتداء ابن عمرو على الغلام القبطي،أخذ درته وأعطاها للغلام القبطي قائلا له:دونك الدرة اضرب ابن الأكرمين،فضربه حتى أثخنه،وقال للمصري: اجعلها على صلعة عمرو، فو الله ما ضربك إلاَّ بفضل سلطان أبيه،فقال يا أمير المؤمنين لقد ضربت من ضربني،فقال عمر : أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه،ثم قال قولته المشهورة مخاطباً عمرو بن العاص :متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. ثم قال للمصري:انصرف راشداً فإن رابك ريب فاكتب إليَّ. (انظر: عمر بن الخطاب ( ابن الجوزي) ص:119)
وقد كان العدل عاملاً مهماً من عوامل انتشار الإسلام في بلاد الشام ومصر وغيرها من البلاد.يذكر سير توماس آرنولد أنَّه لما بلغ أبو عبيدة وادي الأردن كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إليه يقولون:”يا معشر المسلمين ،أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا،أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية ،ولكنهم غلبونا على أمرنا”.( الدعوة إلى الإسلام ( سير توماس آرنولد) ص:53.)
ومما يميز التشريع الإسلامي في مجال العدل أنَّه لم يقتصر على مجال القضاء،بل تعداه إلى ميادين الحكم،بل إن الإسلام عد العدل والعدالة شرطاً من شروط الخليفة وواجباً من واجباته،وهو ما لم تعهده الدساتير الوضعية،إذ نجد أنَّ التشريعات الوضعية لا تكاد تذكر العدالة إلا بصدد الحديث عن القضاء
4-المساواة
من الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي الإسلامي مبدأ المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات.وينطلق هذا المبدأ من النظرة الإسلامية للإنسان. ووفقاً لتعاليم الاسلام،فإنَّ الناس جميعاً خلقوا من أصل واحد، فالأب آدم ،والأم حواءُ ،فيقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1) .وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله :”لينتهين أقوام يفتخرون بفحم من فحم جهنًم، أو يكونون شراً عند الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها،كلكم من آدم وآدم من تراب،إنَّ الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالأباء،الناس مؤمن تقيٌّ وفاجر شقيٌّ.” .
والله لاينظر إلى صور الناس و لا إلى ألوانهم ولا إلى أموالهم ،ولكن ينظر إلى قلوبهم وما تنطوي عليه من خير أو شر،وما يصدر عنهم من أعمال طيبة خالصة.وقد ورد عن أبي هريرة أنَّ رسول الله قال:” إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم،ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم:.
ووفقاً لهذه التعاليم القرآنية ،والقيم النبوية،سادت روح المساواة في المجتمعات الإسلامية،وأصبحت حقيقة مستقرة بين الناس،تؤكدها مواقف الحكام،وتصرفات العامة،وتسندها أحكام الإسلام من عبادات ومعاملات وحدود وغيرها،التي تبرز فيها المساواة بين الناس بشكل واضح.
وقد جاءت أحاديث الرسول مؤكدة هذا المعنى للمساواة،ومن ذلك، ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربذة،وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، ، فقال لي النبي:”يا أباذر أعيرته بأمه! إنَّك امروء فيك جاهلية. إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم،فإن كلفتموهم فأعينوهم”
وما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن سعد tقال:كنا مع النبي في ستة نفر،فقال المشركون للنبي : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا،قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما،فوقع في نفس الرسول ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل عليه: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ…).
وقال رسول الله في معرض حديثه عن العصبيات: “ليس منَّا من دعا إلى عصبية، وليس منَّا من قاتل على عصبية،وليس منَّا من مات على عصبية” ،كما نجده ينحاز إلى جانب أولئك المستضعفين حتى تتساوى كفتهم مع غيرهم، ويرتفع عنهم ما نزل بهم من بلاء وهوان.فيسأل جلساءه، وقد مر بهم رجل: ما تقولون في هذا ؟ قالوا: حريٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع ،قال:ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال رسول الله: ما تقولون في هذا ؟ قالوا:حريٌّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع ، فقال رسول الله : “هذا خيٌر من ملء الأرض من مثل هذا”. . وقصة المرأة المخزومية قصة مشهورة،واضحة الدلالة:إذ سرقت المرأة فشفَّعَ قومها أسامة بن زيد حب رسول الله للعفو عنها،فقال :” أتشفع في حد من حدود الله؟”،ثم قام فخطب وقال:” ياأيها الناس إنَّما ضل من كان قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه،وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد.وأيم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها”.
5-البيعة( أو العقد الاجتماعي بين الراعي والرعية).
يراد بالبيعة اعطاء العهد من المُبَايِعْ(الأمة) على السمع والطاعة للأمير( الحاكم)، في المنشط والمكره،والعسر واليسر،وعدم منازعته الأمر،وتفويض الأمور إليه. وهي اتفاق بين الأمة من جهة ورئيس الدولة من جهة أخرى تتعهد بموجبه الأمة بالطاعة للحاكم في كل ما يصدره وفقا لمبادىء الشريعة الإسلامية غير مخالف لأحكامها ونظمها،وتتضمن البيعة الحق للأمة في مراجعة الحاكم،وبذل النصح له.
مستند البيعة:
وللبيعة مستند في القرآن الكريم وسنة الرسول واجماع المسلمين:
• فقد ورد عدة آيات قرآنية تقرر مشروعية البيعة ومن هذه الآيات قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)الفتح: 10.انظر أيضاً: الفتح : 18،التي تشير إلى بيعة الرضوان. والممتحنة: 12.حيث وردت مبايعة الرسول للمؤمنات.
• وقد ثبت في السنة أنَّ النبي طلب البيعة من أصحابه في عدة مواقف وأخذ منهم البيعة في تلك المواقف.وقد أشارت الآيات السابقة إلى بعض منها.وقبل قيام الدولةالإسلامية والهجرة إلى المدينة ،أخذ الرسول ما يعرف بيعة العقبة الأولى والثانية. كما ورد في صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت قال: ” بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في العسر واليسر،والمنشط والمكره،وعلى أن نقول بالحق أينما كنا،لا نخاف في الله لومة لائم “.وأخذ البيعة من الرجال والنساء بعد الهجرة وقيام الدولة الإسلامية أكثر من مرة :في الحديبية، وبعد فتح مكة.وهناك العديد من الأحاديث تشير إلى البيعة وأحكامها ،ومن ذلك قوله:” من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع،فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر”.
• أما الاجماع فقد أجمع المسلمون من عهد الصحابة إلى يومنا هذا على مشروعية طلب الحاكم البيعة وأخذها من الناس.
ويلزم من هذه البيعة أمران:مسؤلية الحاكم أمام الله والناس،والطاعة من قبل الأمة.
مسؤلية الحاكم أمام الناس وأمام الله
الحاكم مسؤول أمام الله تعالى ومسؤول أمام الأمة التي تولى أمرها،فهو راع كما بين الرسول من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله يقول:” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته،الإمام راع ومسؤول عن رعيته… “،ومن ثم فهو مسؤول مسؤولية سياسية،وهو يخضع للمساءلة أمام الأمة عندما يتجاوز حدود مسؤوليته كتنكره لأحكام الشريعة ،أو عندما يسيء استخدام السلطة والقاعدة الشرعية تنص على أنَّ :” تصرف الراعي على الرعية منوط بالمصلحة”.
كما أنَّ الحاكم مسؤول مسؤولية جنائية ،وهو يخضع لأحكام الشريعة في حالة تعديه على حقوق الله أو حقوق العباد،وخاصة في الحدود والقصاص.أما المسؤولية الأخروية فتتمثل في وقوف الحاكم بين يدي ربه يساله عن تقصيره إذا قصر في شؤون الرعية.يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ.)الأنفال: 27. ويقول الرسول :” ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة”. (مسلم كتاب الإيمان،باب استحقاق الراعي الغاش لرعيته النار حديث رقم:227..)
كما أنَّ من واجب الأمة مراقبة حكامها وتقويمهم ،من منطلق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وأداء النصيحة في الدين،والذي وردت في الحث عليهما العديد من الآيات القرآنية وأحاديث الرسول .ويمكن أن يستدل على هذا الواجب بما يأتي:
أ) قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) التوبة:71.( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ).آل عمران:110.
ب) ما ورد عن عبد الله بن مسعود أنَّ النبي قال:” ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ،ويقتدون بأمره،ثم إنَّها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون،ويفعلون ما لا يؤمرون،فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن،ومن جاهدهم بقلبه مؤمن،وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل”.ويقول رسول الله :” والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه،ثم تدعونه فلا يستجاب لكم”. فرقابة الحاكم إنَّما هي ثمرة من ثمرات واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،والذي فيه حفظ الأمة وديمومتها وإبعادها عن الهلاك لأنَّ الأمة التي تصل إلى حالة لا تستطيع أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها،بمعنى قد أفلت وأفل نجمها.
ت) روى مسلم في صحيحه أنَّ النبي قال:” الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال:لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”..فإنَّ النصيحة سمة من سمات المجتمع المسلم الذي ينصح الأفراد بعضهم بعضا،وتنصح الأمة امامها،وينصح الإمام أمته،والنصيحة ما هي إلاَّ تمحيض الخير للمنصوح وإرادة الخير له من كل وجه،كما أنَّ النصيحة تعتبر جوهر الدين وحقيقته،فالنصيحة تعتبر حقاً من حقوق الأمة وواجباً من واجباتها.
ث) وعي الخلفاء الراشدين العميق بهذه المسألة ويكفي الاشارة إلى خطبة أبي بكر بعد أن ولا ه المسلمون الخلافة، والتي قال فيها:” يا أيُّها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم،إن أحسنت فأعينوني،وإن أسأت فقوموني،الصدق أمانة ،والكذب خيانة،أطيعوني ما أطعت الله فيكم،فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”..فأبوبكر يحمل الأمة مسؤوليتها في مراقبته،ويؤكد أنَّ الحكم معادلة متكافئة بين الأمة والحاكم،وعلى الطرفين تحمل مسؤوليتهما.
فرقابة الأمة للحاكم وتقويمه أصل من أصول النظام السياسي الإسلامي،,أنَّ هذا الأصل يستند إلى الحرية التامة للأمة،فلا تتحقق الرقابة إلا في جو مفعم بالحرية ،يستطيع فيه المسلم أن يصدع برأيه بقوة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بجرأة،وينصح بما يراه صواباً وحقاً و لا سبيل إلى ذلك إلابالحرية.
فيما يلي سنتناول قضية العلاقة بين الحاكم والرعية والخلاف حول هذه القضية التي لا زال الخلاف حولها قائماً.ثم ما اثير حول الاسلام السياسي وذهاب بعضهم الى عدم وجود نظام سياسي في الاسلام .
يتبع….
أ.د. أحمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmiail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم