بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
حين تموت الكلمة، تموت الأمم.
وحين يتحول الخبر إلى قشرة، ويصبح المسؤول تاجر أزمات، ويصير المعلم بائع شهادات، والطبيب تاجر آلام…
فاعلم أننا لم نعد في وطن، بل في “سودان العجائب” حيث يتقن الجميع فن التسطيح، ويبرعون في صناعة الخراب بلباس النظام.
في هذا المقال، نمشي حفاة على جمر الحقيقة. لا نجامل أحداً، ولا نصفق لباطل.
لأن السكوت عن الداء هو المرض بعينه.
الكلمة أمانة الوجود، وحصن من الجمود، ونور في القلوب، ومحرك للجموع، وعاصمة في وجه الانشقاق.
والخبر نبأ يولد من رحم المعنى، ويصدع بالحق، لا قشور ألفاظ جوفاء ولا عموميات رخوة.
فمن وطئ وادي المعاني حافياً من هواه، عارياً من أوهامه، بصيراً بهداه، مستنصراً بالله حق توكله،
التقط من النار قبساً، واستشفى من السطور سراً، ورأى في ديجور الظلمة هدى، وفي متاهة الحيرة نوراً.
نطق بالحق فأصاب كبد الحقيقة، وجاد فأجاد، وحمل مقاليد الحكمة، وخط بالمداد تاريخاً، فكان له من الله سلطان وبيان.
وأما من دخله منتعلاً بمصلحته، محصور الفكر، كليل البصيرة،
فخرج أعمى البصر والبصيرة، أضل سبيلاً، وأتم تيهاً.
ذلك الذي لا يطرب إلا لما وافق هواه، ويصم أذنيه عن صوت الحق، وشعاره “ما أريكم إلا ما أرى”.
له أصنام يركع لها: شخص يعبده، وجماعة يقدسها، وتعصب يعمى به، وصديق يجامل، وموروث يردد إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ.
هنالك تحل الكارثة، وتستشري الفوضى، ويختلط الحابل بالنابل، وتستفحل الأسقام والآلام، فيغني كل على ليلاه، ويتوهم كل أنه نجم، وهو سراب أجوف خاو.
ظاهرة تسطيح العقول
ظاهرة قديمة جديدة، لم تندثر ولم تمت.
غايتها اغتيال العقل… أهم منافذ الوعي والإدراك.
يُحشى الرأس بالأكاذيب والمفردات والأوهام، فيتحول الإنسان إلى بهيمة،
ويصبح البشر “قطيعاً” مكسور الإرادة، يستسيغ الفقر والجوع والركوع لغير الله، ويحتسي الفساد والجهل كأنه قدر محتوم.
التسطيح وازدواجية المعايير
والأدهى من التسطيح، الكيل بمكيالين واحتقار الناس.
هذا ما نراه في “سودان العجائب”: قومٌ لا يحب بعضهم بعضاً.
أتساءل: أأمة واحدة نحن؟ أشك.
أقواسم مشتركة تجمعنا كسودانيين؟ أشك أن نكون إخوة.
نعم، فينا طبقة محترمة… لكنها قليلة كالشعرة البيضاء في الثور الأسود.
التاجر لا يوقر الزبون، بل يشتمه إن اشترى ويكاد يبطش به.
والجزار وقحٌ مخادع، يعبث بالميزان ويصدع بالصياح.
والكمساري سليط، والسائق فظٌ غليظ.
والطبيب بارد عن مهنته، والممرض أثقل على المريض من الداء.
والمدرس يفرق، والشرطي يصفع ويركل ثم يقيد ببلاغ.
والمحليات “كشة” ومحاكم، تحارب الرزق بدل أن تحرسه.
وجهازٌ شرطيٌ باطش، ومسؤولٌ ميت الضمير.
فإذا كان هذا حالنا، فعلامَ العجب من الحرب؟
لقد ضُرب السودان في مقتل أخلاقه. والأمم أخلاق، ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
وإذا سألت مسؤولاً في ميدانه وهو الداء، أجابك بطلاسم تحتاج ترجمان.
يبرع في تعطيل ما يخصك بحج تتبخر عند الامتحان، ويصنع “غداً” الذي لا يجيء، و”النظام” الذي يتعطل عند بابك وحده.
لا يأبه لهموم الناس، ولا يمسح على مخاوفهم، ولا يرى في تأخير الأعمار جريمة.
يسوقك إلى المحاكم سوقاً لتسترد حقك، فإذا واجهته ناطحت صخراً أصم.
ومع ذلك توقره، وتأبى الطريق المسدود.
ولكن أحياناً لا يجدي إلا الصدع بالحق، وفضح المسؤول في فضاء الإعلام، وبارك الله في الشبكة والوسائط، فهي أنفذ من دهاليز المحاكم.
فإذا كان الأمر له، رأيته في الصدارة وأول الموقعين، وكل الأبواب مشرعة وكل “النظام” يعمل.
وإذا كان الأمر لك، صارت الإجراءات متاهة، والأختام أشباحاً، والوقت عقوبة.
يعطل مصالح البلاد والعباد، ويؤجل المعاملات شهوراً، ويشتت الشمل، ثم يقول ببرود: “هذه الإجراءات”.
فبأي اسم نسميه؟ إنه النفاق الإداري عينه، والفساد المُقنع بلبوس النظام.
والله المستعان على ما يصفون.
التسطيح والتفحيط اللغوي
وهناك طامة كبرى: “التسطيح والتفحيط اللغوي”.
ترى مدعي علم ومعرفة، وهو مسؤول كبير وليس بكبير، أجوف خاو، يحتاج دروساً في الأبجدية.
يحدثك أن السودان مستهدف، وما علم المسكين أنه هو العقبة الكأداء التي تعطل التنمية.
هذا زمانك يا مهازل فامرحي.
والله إني لأشفق على البرهان من هذا العبث.
وبعضهم أسير خرافة ودجل وشعوذة، ينطق بما لا يعقل، ويحمل شهادات زور، ويعيش في وهم.
الأولى به أن يصالح لغته، ويحكم إملاءه، ويغسل لسانه من الركاكة.
فإذا فعل ذلك، ضاق به الوقت عن المهزلة.
وحينها وحده، لعل حال السودان يستقيم، لأن إصلاح اللسان أول مدخل لإصلاح الجنان.
والله لولا وجود القوات المسلحة المحترمة لهلك الحرث والنسل.
ولكننا نحتاج ثورة شاملة، تكنس النفايات وتطهر الساحات.
تبدأ برأس المسؤول عديم الضمير، وتهذب جهاز الشرطة وتمنعه من التعسف والتسلط،
وتحل المحليات وتقيم مكانها ما ينفع العباد والبلاد.
والله المستعان وعليه التكلان.
murtadaasgad@gmail.com
