عدنان زاهر
elsadati2008@gmail.com
( الميرينغى و الباشتا ) على سواحل الكاريبي !
1
السفرة كانت مفاجئة، تم الإعداد لها في غضون يومين… تحديد الوجهة ، المكان، الحجز و كما يقول أهلنا السودانيين ( الحاجات الزى دي في بعض المرات تطلع جميلة ) !…. لكن في حقيقة الأمر كانت أكثر من رائعة.
الجهة المقصودة كان لها وقع خاص على نفسى، فأنا مفتون بأدباء ، مفكرين ، فلاسفة و مناضلي أمريكا اللاتينية، خاصة أولئك الادباء الذين أثروا على مسيرة الأدب العالمي ” ناس ” ( غارسيا ماركيز ) الكولومبي وواقعيته السحرية ، من ” بيرو ” الأديب و الناقد الذى فاز بجائزة نوبل للأدب ( ماريو فارغاس ) ، الشاعر التشيلي ( بابلو نيرودا ) ، الكاتبة التشيلية ( إيزابيل الليندي ) ، و الاديب البرازيلي الذى لا تفوتني إصداره له ( باولو كويلو )….الخ
كذلك المناضلين من أجل الحرية و الحقوق، المحرر ( سيمون بوليفار خوسيه ) الفنزويلي مع صديقته ( مانويلا ساينز ) ، ( تشى جيفارا ) الأرجنتيني الذى ألهم الثوار في جميع أنحاء العالم ووقف ضد الظلم أينما وجد، ( فيدل كاسترو ) الكوبي رمز النضال ضد الغطرسة الامريكية ، ( سلفادور اليندى ) التشيلي الذى قتل واقفا على رجليه، و هو يدافع عن وطنه و نظامه ضد ديكتاتورية العسكر و الهيمنة الأمريكية ، ( ساندينوا ) النيكاراغوي الذى قاوم الاحتلال الأمريكي و أصبح ملهما لثوار ( الساندينستا ) في نيكاراغوا ، الشقيقات ميرابال ( باتريا، مينيرفا ، ماريا تيريزا ) اللاتي قتلن بوحشية من قبل نظام الديكتاتور ( تروخيو ) في الدومنيكان و أصبحن رمزا للنضال في تلك الجزيرة …الخ
بالإضافة الى كل هذا الارث الباذخ من النضال و الأدب ، كانت لدى الرغبة في معايشة ثقافة أخرى تختلف عن الثقافة الأوروبية ، العربية و الافريقية…..ثقافة لها طعمها و مذاقها الخاص الغاطس في عمق التاريخ، المتشرب بعشق الحرية و هذا ما وجدته في الدومينيكان .
” جمهورية الدومينيكان ” تقع في أمريكا الجنوبية منطقة الكاريبي في جزيرة ( هيسبانيولا ) المشتركة بينها و دولة ” هايتي ” ، و تعتبر الدومنيكان ثاني أكبر الجزر بعد كوبا. تقع على الشرق من هايتي، و تطل على المحيط الأطلسي في الشمال و البحر الكاريبي في الجنوب مع فراش أبيض من الرمال والكثبان تمتد على طول شواطئها .
كان علينا أن نركب الطائرة من ( تورنتو ) لمدة أربع ساعات لنصل الى ( بونتا كانا ) أحد أشهر المدن السياحية في الدومنيكان ، لذلك مطارها مزدحم على الدوام بالسياح و هي مدينة غاية في الجمال تعطيك الإحساس بأن الآتي بالضرورة أجمل .
السواح من جميع الجنسيات، و لكن يغلب عليهم العرق اللاتيني قادمون اليها للراحة و الاستجمام، كل مشغول بحاجته و لا ينظر لغيره. و رغم المدة الطويلة التي قضيناها في المطار نسبة للأعداد الكبيرة ،الا أن الجو العام المفعم بالفرح خفف من ثقلها . عندما انتهينا كان علينا التوجه الى مصيف خارج مدينة ( بونتا كانا ) على بعد ساعة وربع بالسيارة في طرق مرصوفة وسط الجبال و بسرعة مائة و عشرين كيلو في الساعة .
على جانبي الطريق تمتد مزارع المانجو ، الموز، الأناناس، قصب السكر و غابات شجر جوز الهند مع مزارع ترعى بها الأبقار الكثيرة و الضخمة التي تعكس مستوى صحتها و العناية بها. شئين لفتا انتباهي و أنا أجلس قرب السواق أستمع الى موسيقى ” الميرينغي ” الراقصة الصادرة من جهاز تسجيل العربة ،و السائق الذى يحاول بلغة انجليزية متعثرة ،أن يشرح لي طبيعة المناطق ، المزارع التي نمر بها . أول ما لفت انتباهي استخدام (الموترسايكل ) كوسيلة خاصة للنقل و كنت أظن أن ( الموترسايكل ) قد خصص فقط لقتله ” الجنجويد ” !! ، و ثانيا الشوارع التي تخترق الجبال والتي قد خططت بمهارة عالية و بشكل مدهش، بالإضافة الى نظام الطرق و التزام السائقين والمارة بقوانين المرور .
الطريق الجميل الممتد على مدى البصر ، الخضرة و الهدوء الذى يطغى على الأشياء جعل المعلومات التي استقيتها قبل مغادرتي عن الدومينيكان تتداعى في ذهني. يبلغ عدد السكان حوالي العشر ملايين نسمة في مساحة تبلغ 48,671، و 70 % في المائة من هؤلاء السكان يعيشون في المدن الكبرى.
سكانها من أصول مختلفة ( أفارقة ، أوروبيون و تاينو ) و العرق الأخير هم سكان الجزيرة الأصليين الذين قضى عليهم المغامر المكتشف ( كولمبس ) عندما وصل الجزيرة ، و سأعود لاحقا في موضوع منفصل للحديث عن هذا الكولمبس .
95 % معظم السكان مسيحيين و البقية ديانات متفرقة منها الإسلام و يتكلمون الاسبانية نسبة للاستعمار الإسباني الذى جثم طويلا على صدورهم، أما عملتهم المتداولة فهو ” البيزو ” الدومينيكان بالرغم عن قبولهم الدولار في الأماكن السياحية .
كانت السماء مكدسة بسحاب ممطر، فذكر لي السائق ان المطر تهطل طوال الوقت و ذلك سر حمل السكان ( للشمسيات ) الواقية من المطر. عندما سألته عن الحيوانات البرية و ندرة الطيور الملاحظ، قال لي لا توجد حيوانات مفترسة كالأسود، النمور و الضباع، بل توجد خنازير صغيرة ، ارانب و أفاعي ” الغوانا ” غير السامة ،كما توجد لديهم طيور نادرة تعيش في الغابات الكثيفة و قرب المياه و أضاف أن الصيد الجائر من المستعمر، و تجريف الأرض للزراعة قضى على معظمها. ” سأعود الى هذا الموضوع لاحقا بتفاصيل دقيقة. “
في تلك اللحظات كانت تنبعث من مسجل العربة أغنية حنينة تصاحبها موسيقى عذبة و صافية تثير الذكريات الحميمة سألته عنها، قال لي انها موسيقى ” الباشتا ” و المغنى هو ملك غناء الباشاتا الحديث ( روميو سانتوس ) ….عندما شاهد إعجابي اسمعني لون آخر من الغناء يسمى ” الميرينغنى ” لفنان مشهور لديهم يسمى ( خوان لويس غيرا )….كان ذلك التعريف السهل و البسيط المختصر، بداية لمعرفتي بأرقى و أجمل أنواع الموسيقى العالمية ….ال
Merengue و الBachata
كنا قد قضينا قرابة الساعة و الربع عندما أخبرنا السائق اننا على مقربة من وجهتنا ، بعد خمس دقائق وصلنا الى ( فيفا ميشس ) المصيف أو المنتجع ……المضطجع في استرخاء تحت قدمي المحيط الأطلسي و الذي سنقضى فيه بقية سياحتنا .
عدنان زاهر
تورنتو – يوليو 2025
أواصل
توضيح : الميرينغى و الماشاتا هي الموسيقى السائدة في الدومنيكان، و الميريغنى هي الموسيقى شبه الرسمية للبلد ،أما الباشاتا ذات الإيقاع الحزين و العذب فقد نشأت في المناطق الشعبية لذلك فهي أكثر حميمة و التصاقا بالذات
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم