سيد احمد خليفة: أهبش الجيب تعرف العيب …. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

لا أزعم قربي من المرحوم سيد أحمد خليفة. بل لربما التقيت به مرارت لا تذكر. فحتى جريدة الصحافة التي  عمل بها في الستينات قصدناها لأجل المرحوم مبارك الرفيع. وهو صحفي ماهر في استدراج الكتاب وتحريك غريزة التهاجي بينهم. يكفيه أن أثار سجال المرحومين صلاح أحمد إبراهيم وعمر مصطفي المكي الناري. ولربما لاحظ القاريء أن اسم المرحوم الأخير مفتوح الاحتمالات للكيد له في مناخ صراع الديكة الثقافي الذي ألهب ناره.

كنا نعرف عن سيد أحمد وعن مأثرته في تزيين عقد صنعة الجرائد بتسمية حي من أكبر أحيائ العاصمة ب”الصحافة”. وهو شرف لم يحدث للمهنة لا قبلها ولا بعدها. وربما كان ثقة الناس في “بتاعين الجرائد” التي انتزعها لنا سيد أحمد سبباً لنقف متأملين في رحيله مهنة كاسدة. فقد أهملت غمار الناس فاضربوا عنها. ولما عافت الجرائد الناس لم ترض عنها الحكومة مع ذلك.

مع ندرة احتكاكي بسيد أحمد إلا انني خرجت من كل منها بحكمة سلباً وإيجاباً. لقيته وجهاً لوجه بسجن كوبر بعد فشل انقلاب 19 يوليو 1971. وكان سيد أحمد قد أيد الانقلاب الذي لم يصمد. وضاق نار تلك المسارعة اعتقالا. وأذكر بالتحديد يوم تحلقنا حول مدير السجون في نحو منتصف أغسطس 1971 نناقشه في بؤس الطعام والمراقد (برش وبطانيتان) وحجب الكتب والمذياع عنا. ولم يسعد سيد احمد بطبيعة مطالبنا التي اقتصرت على تحسين بيئة السجن. فصاح فينا: “وين إطلاق سراحنا. إيه مطالب التوطين الواقعين فيها دي؟”. وأعجبتني صيغة “مطالب التوطين” مع اختلافي معه في أن لو كان ذلك أوانها.

لم يفت على ذاكري “مكر” سيد احمد الصحافي أنه قاد واحدة من أقوى التحقيقات في خلق أعضاء الجبهة القومية الإسلامية في  1988. وودت لو أن حيله في تحقيقه ذلك مما يدرس لطلاب الصحافة. وما اذكره لماماً منه أنه كانت له مصادر في الشرطة وغيرها لا تخر ماء. ووضع الجبهة الإسلامية في حرج شديد بالنظر إلى البون الشاسع الذي كشف عنه بين مزاعمها الأخلاقية التي زكت بها تديين الدولة وبين بؤس ممارسات أعضائها ممن زعموا أن مثالهم الخلق الصحابي. ما لاحظته على التحقيق الكاسح أنه لم يهتم بجانب التاريخ في تحريه للواقعة. فلو اهتم بالأمر لعرفنا أن الجبهجي المتهم بالشروع إياه بدأ حياته صحابي النخوة بل فقد وظيفته وهو يلاحق بعض أعضاء مجلس الفريق عبود لبعض زلاتهم الجنسية، بل وجرائمهم. وما زلنا صحافة لا سبيل لها لوضع المسألة في سياق تاريخي كاشف.

أما الموقف الذي استحق لفتة ثناء مني في صحافة الفقيد فهو كلمة له عن قدامى المحاربين. فقد كتب مرة عن زواره من قدامى المناضلين والنقابيين ممن نشا معهم أو تعرف عليهم. وحالهم يغني عن سؤالهم في ظروفنا المعروفة. وكان يقوم بالواجب بالطبع. ولكنه أعجبني في أنه نقل سوء مآل هؤلاء الناس النادرين إلى عموده. وطلب منا جميعاً أن نعتني بهم حتى لا تكون عاقبتهم درساً منفراً لجيل اليوم من فداء الوطن. ولا أذكر إن طلب هو (أو طلبت أنا في تعليقي عليه) قيام صندوق لرعاية قدامى المحاربين. وتذكرت ذلك الذي بينى وبينه يوم دعوت من قريب إلى صندوق لدعم إضراب الأطباء وقد سلت الحكومة سوط التشريد. فقد سمعت كل حديث طيب  عن الأطباء بخاصة في صحف المغتربين.  ولم أسمع من دعا إلى فتح باب التبرع لهم.

كان سيد احمد شعبي الأرومة ويعرف “الصٌرمَة“.

 

(IbrahimA@missouri.edu)

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً