سُلْطَتَان فِي احْتِرَابِ السُودَانِ: صِفْرُ حُكُومَةٍ وَصِفْرُ دَوْلَةٍ (1)
Two Authorities in Warring Sudan: Zero Government, Zero State (1)
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
تعريف “الحكومة” و”الدولة”
في النظرية السياسية، تشير الحكومة إلى الأفراد والمؤسسات المكلَّفين مؤقتاً بإدارة شؤون الدولة، من خلال إدارة القوانين والخدمات والعلاقات الخارجية. أما الدولة، فهي الكيان الدائم الذي يتميز بإقليم محدد، وسكان دائمين، وهيكل مؤسسي متماسك، واحتكار لاستخدام القوة المشروعة، وقدرة على توفير المنافع العامة، وتنظيم المجتمع، وتطبيق سيادة القانون.
السودان اليوم يفتقر إلى كليهما: فالفصائل المسلحة تتقمص دور الحكومات، بينما انهارت الوظائف الجوهرية للدولة، مما أسفر عن وضع كارثي هو “صفر حكومة، صفر دولة”.
- مقدمة: بلد منقسم، ودولة مفككة
يُزعم أن السودان اليوم يُدار من قبل سلطتين متنافستين، القوات المسلحة السودانية (SAF) في بورتسودان، وقوات الدعم السريع (RSF) في نيالا، وكلتاهما تدعي الشرعية لكنها تفتقر إليها. لا تقدم أي من الجهتين شكلاً حقيقياً للحكم؛ فكلاهما قائم على اقتصاد الحرب. وقد أدّى تدهور جهاز الدولة، واستقلال القضاء، وتماسك الإدارة، والخدمات العامة، إلى ترك السودان في فراغ حكم، له عواقب وخيمة على الاستقرار الإقليمي والعالمي، وعلى رفاه المدنيين، والاستجابة الدولية. - صفر حكومة: كيف تفككت السلطة
أ. تناقضات داخلية مُهلِكة
تفتقر الإدارتان المتنافستان في بورتسودان ونيالا إلى التماسك والقدرة المؤسسية التي تمكّنهما من العمل كحكومات ذات مصداقية، كما يتضح من التناقضات الداخلية المستمرة.
فتحالف بورتسودان يحكم أقل من 45% من أراضي البلاد، ويسيطر على ما يُقدر بـنحو 120 إلى 140 ألف جندي من القوات المسلحة السودانية، لكنه منقسم بشدة بين هرم القيادة العسكرية، والفصائل الإسلامية الراسخة، وضباط الوسط غير الراضين، والحركات المسلحة الانتهازية التي تغيّر ولاءاتها لتحقيق مكاسب سياسية أو مادية. كما أن الفاعلين القبليين والإقليميين الرئيسيين، بمن فيهم الإدارات الأهلية وقوات درع السودان، يتأرجحون في ولاءاتهم، مما يزيد من زعزعة التحالف.
وفي نيالا، يواجه تحالف الدعم السريع، الذي يضم نحو 70 إلى 100 ألف مقاتل، انقسامات قبلية بين بطون الرزيقات، وخلافات أيديولوجية مع الحركة الشعبية/شمال (الحلو)، وانقسامات داخل الأحزاب السياسية والحركات المسلحة الحليفة، التي تسيطر في معظمها على جيوب محدودة من الأراضي في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة.
ويعاني التحالفان من غياب أطر سياسية شاملة، وسيطرة إقليمية مستقرة، وخدمات عامة ذات مصداقية، ما يجعل السودان أمام حكومتين بالاسم فقط، دون سلطة موحّدة قادرة على أداء وظائف الحكم الأساسية.
ب. شرعيات متناقضة
تنهار ادعاءات الشرعية لكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عند إخضاعها للتدقيق. فكل منهما يتقمص دور الوصي على الوطن، لكن لا أحد منهما يستمد سلطته من تفويض شعبي، أو استمرارية دستورية، أو عملية سياسية شفافة.
تقدّم القوات المسلحة نفسها كحامية للسيادة الوطنية، بينما تعتمد على تحالفات مصلحية مع مصر ودعم ضمني من السعودية.
أما قوات الدعم السريع، فتسوِّق سيطرتها باعتبارها عامل استقرار للمناطق المهمشة، إلا أن سلطتها تقوم على عائدات الذهب التي تمر عبر شبكات مرتبطة بالإمارات، وعلى السيطرة القسرية على الأرض.
وكلتا السلطتان تعملان بتفويضات “طارئة” من صنعهما، غير مرتبطة بأي رقابة تشريعية أو قضائية، مما يجعل شرعيتهما شكلية لا جوهرية. وفي الممارسة الفعلية، فإن بقاءهما السياسي يعتمد على استمرار الرعاية الأجنبية والقوة العسكرية، لا على قبول الشعب السوداني، وهذا تناقض يسقط عنهما أي ادعاء بتمثيل دولة ذات سيادة.
ج. انهيار مؤسسي
بحلول نهاية عام 2024، انهارت وظائف الحكومة، وعجزت وزارة المالية عن إصدار ميزانية وطنية أو تقارير مالية ربع سنوية، وتراجعت إيرادات الدولة بنحو 80%. كما تفكك التحكم الحكومي في الزراعة والتعليم والصحة إلى شبكات أمراء حرب محليين وجزر إنسانية منفصلة.
دمار البنية التحتية شاملاً شبكات الكهرباء والمياه والطرق والمدارس والمستشفيات والمؤسسات الحكومية يشكل عائقاً جدياً أمام تقديم الخدمات.
ويتجلى انهيار القدرة الحاكمة أكثر في تفكك المؤسسات المالية والرقابية. فقدْ فقًدَ بنك السودان المركزي السيطرة على النظام المصرفي الوطني، إذ تعمل البنوك التجارية وفق قواعد مجزأة أو تغلق أبوابها تماماً في مناطق النزاع. والأهم أن البنك المركزي فشل في فرض نظام عملة موحد: إذ تتداول الآن نسختان من الجنيه السوداني، حيث لا تزال الأوراق النقدية القديمة مستخدمة في معظم البلاد، بما في ذلك في ولايات خاضعة اسمياً لحكومة بورتسودان. وهذا الازدواج النقدي يقوّض السياسة النقدية، ويغذي التضخم، ويسهل التدفقات المالية غير المشروعة.
وفي مناطق سيطرة الدعم السريع، بما في ذلك نيالا، فالوضع أشد سوءاً: فالعمليات المالية مقيدة بضعف البنية المصرفية، وتعطّل تحصيل الإيرادات، والاعتماد المفرط على الاقتصاد النقدي المعرّض للتزوير والتهريب. وقد عجّلت هذه الإخفاقات بهروب رؤوس الأموال، وخفضت ثقة الجمهور، وكرست تجزئة الاقتصاد الوطني.
د. فشل اقتصادي
كما فشلت “الحكومتان” في الوفاء بالالتزامات الأساسية للدولة: فالموظفون الحكوميون غالباً لا يتقاضون رواتبهم، والمستشفيات مغلقة، والمدارس ما زالت متوقفة. كما فاقم التضخم من ضعف القدرة على الحكم.
• انهيار العملة: فقد الجنيه السوداني أكثر من 350% من قيمته، مما غذى التضخم المفرط وسخط الشارع.
• التدهور الكلي: بعد أكثر من عامين من الحرب، تجاوز التضخم 400%، وبلغت البطالة 45%، وانخفضت الإيرادات العامة بنسبة 75%. أما معدل الضريبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، فانخفض إلى 2% فقط، مقارنة بـ 5% قبل الحرب.
خاتمة: حكم وحكومة إسماً فقط
في ظل ازدواجية القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لم يبقَ من الحكم سوى واجهة شكلية. فلا أحد منهما يمتلك النزاهة المؤسسية أو الشرعية الوطنية أو الامتداد الإداري الذي يتيح له أداء وظائف الحكومة الأساسية. فالتحالف المجزأ للقوات المسلحة واعتماده على الرعاية الخارجية يعكس اعتماد الدعم السريع على السيطرة القسرية واستخراج الموارد بطرق غير مشروعة، مما ينتج سلطتين متنافستين لا تحكمان إلا الأراضي التي تستطيعان السيطرة عليها فعلياً، وحتى هناك دون تقديم الخدمات الأساسية “صفر حكومة”.
وهذا الواقع المفكك يضمن أن يظل الحكم قائماً على منطق اقتصاد الحرب، الاستغلالي، الإقصائي، والمؤقت بطبيعته.
لكن العواقب الوخيمة تتجاوز الشلل الحكومي، إذ أن إخفاقات هذين المركزين المتنافسين للسلطة قد قوّضت أركان الدولة السودانية ذاتها من حيث تماسكها الجغرافي، وقدرتها المؤسسية، واحتكارها لاستخدام القوة المشروعة. وهذا التفكيك الأعمق للدولة بكل ما يحمله من تبعات إنسانية واقتصادية وإقليمية، هو محور الجزء الثاني من هذا المقال “صفر دولة”.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم