دكتور محمد عبدالله
في الأشهر الأخيرة، تكاثرت على منصات التواصل روايات تتحدث، بنبرة حاسمة، عن “تدهور أخلاق السودانيين”. نصوص قصيرة، غالباً بلا مصادر، تُطلق أحكاماً عامة لا تترك مساحة للتفاصيل أو الاستثناءات، وكأنها تضع تعريفاً نهائياً لمجتمع كامل. اللافت هنا ليس مضمون هذه الروايات فحسب، بل توقيتها أيضاً.
فالسودان اليوم لا يعيش ظرفاً عادياً يمكن فيه قياس السلوك الاجتماعي بمعايير مستقرة. نحن أمام بلد تتقاطع فيه الحرب مع النزوح، ويتداخل فيه الانهيار الاقتصادي مع إرهاق نفسي عميق طال الأفراد والجماعات. في مثل هذه البيئات المضطربة، لا يمكن النظر إلى الأخلاق باعتبارها معطى ثابتاً أو معزولاً، بل بوصفها انعكاساً لواقع شديد القسوة والتعقيد.
ومن السهل، بل المغري أحياناً، أن تُختزل الصورة في مشاهد الفوضى والانفلات، وأن تُبنى عليها أحكام عامة. غير أن هذا الاختزال يغفل حقيقة أساسية: أن المجتمعات في أزمنة الانهيار تكشف عن أسوأ ما فيها، نعم، لكنها تكشف أيضاً عن أفضل ما تملك. في التجربة السودانية الراهنة، يتجاور النقيضان بوضوح لافت: القسوة إلى جانب الرحمة، والأنانية في مقابل الإيثار، والانكسار إلى جوار قدرة مدهشة على الاحتمال.
ولعل ما يستحق التوقف عنده في الحالة السودانية، أن مظاهر التكافل لم تكن استثناءً عابراً، بل بدت أقرب إلى قاعدة غير مكتوبة للبقاء. فمع تعثر مؤسسات الدولة وتراجع حضور المنظمات الدولية، نشأت أشكال تضامن شعبية اعتمدت على المبادرة الذاتية: “غرف الطوارئ” و”التكايا” في الأحياء، شبكات دعم غير رسمية، أفراد يحملون فوق طاقتهم لإعالة آخرين. هذه ليست مجرد تفاصيل إنسانية مؤثرة، بل مؤشرات على أن النسيج الاجتماعي، رغم ما أصابه، ما زال قادراً على الفعل.
غير أن هذه الصورة المركبة نادراً ما تجد طريقها إلى الفضاء الرقمي، حيث تميل السرديات السلبية إلى الانتشار بسرعة أكبر. فهي أكثر صدمة، وأقرب إلى الاختزال، وتنسجم مع مزاج القلق العام. أما حكايات الصبر اليومي والتضامن الهادئ، فغالباً ما تمر بلا ضجيج، رغم أنها تمثل جانباً أعمق من الحقيقة. وهنا يختل التوازن: يتقدم الاستثناء ليبدو قاعدة، وتتراجع الوقائع اليومية إلى الظل.
ولا يقف الأمر عند حدود التبسيط أو سوء التقدير. فإعادة إنتاج هذه السرديات، بهذا الإلحاح، في لحظة تاريخية دقيقة، تطرح أسئلة مشروعة. إذ يصعب فصل الحديث عن “انهيار الأخلاق” عن سياق أوسع لحرب لا تستهدف الأرض وحدها، بل تمس أيضاً البنية الاجتماعية والمعنوية للمجتمع. فإضعاف الثقة بالنفس الجماعية، وتصوير القيم وكأنها قد تآكلت تماماً، قد يكون في حد ذاته جزءاً من معركة غير مرئية.
الحقيقة الأقرب إلى الإنصاف أن السودانيين، كغيرهم من الشعوب، ليسوا كتلة واحدة. فيهم ما في غيرهم من تناقضات، وتتشكل سلوكياتهم تحت ضغط الظروف. غير أن ما أظهرته تجربة الحرب، حتى الآن، أن مخزون القيم لم ينفد، وأن أشكال التضامن التي برزت لم تكن طارئة بالكامل، بل امتداداً لتقاليد اجتماعية راسخة أعادت ترتيب نفسها تحت الضغط.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى قدر من اليقظة في التعامل مع هذه الخطابات. ليس المطلوب إنكار الاختلالات أو تزيين الواقع، بل رفض الأحكام المطلقة التي تحوّل الوقائع الجزئية إلى صورة كلية. وربما يكفي سؤال بسيط: هل تعكس هذه الروايات ما نراه في حياتنا اليومية، بين الأهل والجيران والمعارف؟
في الغالب، ستكون الإجابة أقل حدّة وأكثر توازناً. وفي هذا التوازن، تحديداً، تكمن إمكانية مقاومة الصورة المشوهة: أن نرى أنفسنا كما نحن، بكل ما فينا من نقص وقوة، لا كما تختزلنا عناوين عابرة في فضاء سريع النسيان.
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم