شاطئ السلام

ibrahimsarokh@gmail.com
شاطئ السلام
بقلم: د. إبراهيم عمر(صاروخ)
كاتب وباحث في قضايا السلام والتنمية
1 يناير 2026م المواقف 11 رجب 1447ه
الدول النامية بين الفوضى والنهضة التنموية الشاملة: كيف تبني الحوكمة الرشيدة دولاً مستقرة ومزدهرة؟
تواجه الدول النامية في حاضرنا الحالي تحديات بنيوية أكثر تعقيداً في مسيرتها نحو النهضة التنموية الحقيقية والازدهار الاقتصادي، إذ يعود جزء كبير من هذه التحديات التي يعاني منها الكثير من هذه الدول إلى ضعف وهشاشة بنية مؤسساتها، مما نجم عنها الفشل المتكرر في تحقيق الأهداف التنموية بالرغم من امتلاك بعضها ثروات هائلة وموارد طبيعية وفيرة وكامنة.
…في هذا الصدد يجزم الأكاديميون بأن أسباب هذا الفشل لا تعود إلى قلة الموارد والإمكانيات المتاحة فحسب، بل إلى اختلال هيكلي عميق في منظومة الإدارة العامة، ويتجلى الاختلال في ضعف الشفافية وغياب المساءلة وعدم العدالة في تقديم الخدمات العامة وتوزيع السلطة والثروة بشكل مُرضي ومنصف.
في خضم هذا الواقع المرير برزت الحوكمة الرشيدة كمفهوم استراتيجي جديد يقدم إطاراً تحليلياً شاملاً لكيفية إعادة هيكلة العلاقات الحكومية والمؤسسية بغرض نقل الدول من حالة الفوضى المؤسسية والفساد الهيكلي إلى واقع يتميز بالانضباط والمهنية والفعالية.
…وعلى صعيدٍ موازٍ يعزي الخبراء؛ هذه الأزمات إلى مجموعة من العوامل المترابطة والمتشابكة؛ في مقدمتها تدني مستويات الكفاءة والمهنية، فضلاً على التفاوت الاقتصادي الحاد بين الفئات الاجتماعية المختلفة، وعدم استقلالية المؤسسات العامة عن التدخلات السياسية. الأمر الذي أدى إلى تحويل الوظيفة العامة إلى أداة للمنفعة الخاصة بدلاً من خدمة المصلحة العامة؛ يضاف إلى ذلك عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي المستمر والصراعات التي أثرت سلباً على البيئة القانونية والسياسية والاقتصادية والتنموية.
…علاوة على ذلك، تعاني غالبية هذه الدول من الاختلالات الهيكلية في البناء المؤسسي المدني السياسي، وانعكس ذلك في تقليل القدرة على القيام بالدور الرقابي المستقل والقادر على حماية الحقوق والحريات الأساسية، ويزداد الأمر خطورة مع انتشار آفة الرشاوي وعمليات الاحتيال بأشكاله المختلفة، وتفشي ممارسة غسيل الأموال، والغياب الكامل للشفافية والمسائلة في النظم الإدارية والمالية.
…كما يشير الباحثون في مجال الحكم والإدارة إلى أن معظم هذه الدول غارقة في براثن الفوضى المؤسسية والفساد الهيكلي المنظم، مما جعلها غير قادرة للمضي قدماً نحو تحقيق الأهداف المرجوة.
…فالأمر المؤلم حقاً أنه على الرغم من إمتلاك العديد من هذه الدول الثروات الهائلة والموارد الطبيعية الضخمة، إلا أن الإحصائيات تبين بجلاء أن غالبية الحكومات في هذه الدول لم تستطيع حتى الآن تحقيق أي تغييرات حقيقية على مستوى المعيشة للمواطنين والخدمات المقدمة في أرض الواقع.
…غير أن علماء الاقتصاد والسياسة يؤكدون بأن أغلب قادة الحكومات للدول النامية تنفق أموالاً طائلة وموارداً كبيرة الحجم واسعة النطاق نحو القطاعات الاستخراجية ذات العوائد الريعية سريعة الإنتاج كالنفط، الغاز، والتعدين التي تخدم مصالحهم كنخب متنفذين، بدلاً من توجيه هذه الموارد في قطاعات التنمية الحقيقية (البنية التحتية، الزراعة، الصناعة، التجارة، التكنولوجيا والابتكار) والخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والمياه وغيرها.
… هذا التوجيه المتعمد ينعكس بشكل مباشر على مدى تدهور جودة الخدمات العامة وتدني مستويات المعيشة، الأمر الذي يعمق الفجوة بين الفئات الاجتماعية ويزيد من الاستياء والتذمر الشعبي.
…في هذا الصدد أشارا (دارون أسيموغلو، أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجيمس روبنسون، أستاذ العلوم السياسية والاقتصاد السياسي في جامعة شيكاغو)، في كتابهما الشهير لماذا تفشل الأمم؟ أصول السلطة والازدهار والفقر : إلى حقيقية مفادها أن فشل الدول لا يرجع إلى افتقارها للموارد الطبيعية أو الإمكانيات المادية والبشرية، بل يعود ذلك إلى إعتمادها على مؤسسات اقتصادية استخراجية بطبيعتها، حيث تقوم على استخراج منافع وخيرات بلدانها ونقلها عن قصد إلى دوائر السلطة والنفوذ دون أن تخضع تلك الثروات لآليات ومعايير التوزيع العادل والمنصف على مختلف فئات المجتمع؛ هذه المؤسسات الاستخراجية تقوم في الأساس بالتركيز وبصورة منهجية للسلطة في يد النخب الصفوية، بدلاً من توظيفها لبناء مؤسسات الشاملة التي تقوم على أساس دولة القانون والمواطنة المتساوية.
…في سياق متصل، تبين الدراسات الاقتصادية والتنموية أن المؤسسات العادلة هي تلك التي تشجع الابتكار وريادة الأعمال، وتكفل حماية حقوق الملكية وتضمن الفرص المتساوية للجميع بالعدل، وتعزز الإزدهار المشترك.
…وفي ذات المنحى يؤكد أسيموغلو وروبنسون أن العالم الثالث، الذي يحاصره الثالوث -الفقر والجوع والمرض لا يعاني من قلة الموارد والإمكانيات بقدر ما يعانيه من سيطرة النخب الحاكمة على مقاليد السلطة، وذلك بسبب غياب الحوكمة الرشيدة والديموقراطية الحقة.
…إن مصطلح الحوكمة في الأصل يعود إلى الكلمة اليونانية القديمة “kuberna’d” والتي تحمل بين طياتها معنىً للتوجيه والقيادة الرشيدة.
…في اللغة العربية، عرفت بأنها تعني معنى الحكم والحكمة والتحكم الرشيد، والتي تدل على حسن التدبير ومنع الانحراف والتصرف السليم لتحقيق الصواب.
…اصطلاحاً تُعرّف بأنها مجموعة من الأنظمة والقواعد والإجراءات التي تنظم العلاقات بين الأجهزة الرسمية والمؤسسات المختلفة، بهدف ضمان ممارسة السلطة بطريقة شفافة وفعالة وعادلة، مع خضوعها الكامل للمساءلة.
…أما قاموس ميريام ويبستر فقد عرفها بأنها تعني (فعل أو عملية الحكم أو الإشراف على التحكم في شيء ما وتوجيهه، مثل دولة أو مؤسسة).
…إذ فيما تمتد جذور الحوكمة إلى أعماق قيم وأخلاقيات الحضارات البشرية القديمة التي كانت تحرّم بطش الظالم وتوجب إحقاق الحق، وتعظّم العمل الشريف والمسؤول، وتحدّد المسؤوليات تحت ضوابط رقابية صارمة مع الحرص على الإنجاز والفعالية.
…بهذا المعنى، تُعد الحوكمة أحد أهم مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية التي تأخذ بعين الإعتبار البعد الأخلاقي والقيمي في ممارسة السلطة.
…وعلى الصعيد التقني المعاصر، لم تعد الحوكمة الرشيدة تُختزل في منظومة الاجراءات الإدارية الورقية التقليدية، بل باتت ترتبط إرتباطاً عضوياً بتبني أدوات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي بوصفها مداخل استراتيجية لتعزيز الشفافية وتقليص فرص الفساد. إذ تسهم رقمنة الخدمات العامة وتوسيع نطاق الحوكمة الإلكترونية في تحييد الأثر الذاتي للعنصر البشري في المعاملات الحساسة، بما يحدّ بصورة مباشرة من ممارسات الرشوة والاحتيال والمحسوبية التي تقوّض البناء المؤسسي في العديد من الدول النامية.
وفضلاً عن ذلك، تتيح التقنيات الحديثة منصات فعّالة للرقابة والتدقيق اللحظي للمعاملات العامة، الأمر الذي يعزز قدرة المواطنين ومنظمات المجتمع المدني على متابعة إدارة الموارد الوطنية وآليات توزيعها. وبهذا المعنى، يتجه التحول الرقمي من مجرد تطوير تقني إلى ركيزة بنيوية أساسية لترسيخ سيادة القانون، وضمان وصول الخدمات العامة إلى مستحقيها بكفاءة وعدالة، بما يسرّع من وتيرة الانتقال من حالة الفوضى المؤسسية والسياسية إلى واقع عملي قائم على الاستقرار والنماء والتقدم.
… وبالتوازي يشدد (بوتر ستيوارت) قاضي المحكمة العليا الأمريكية إلى أن جوهر السلوك الأخلاقي والقيمي الحكيم يكمن في معرفة الفرق بين ما لك الحق أن تفعله وما هو الصواب أن تفعله.
…إلا أن المفهوم ظهر بوضوح في الأدبيات الغربية خلال النصف الثاني من الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي؛ خاصة من قبل المنظمات الدولية الكبرى التي بدأت استخدامه كإطار جديد ومعاصر، بهدف تحليل وقياس أداء الدول وفعالية نظمها.
…لقد كان للبنك الدولي قصب السبق في إدخال هذا المصطلح رسمياً إلى حيز التطبيق العملي والممارسة الفعلية، في تقريره الذي أصدره عام 1989م عن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث ذكر في معرض التقرير أن أزمة التنمية الحقيقية التي تعاني منها الدول النامية ليست أزمة موارد وإمكانيات بقدر ما هي في جوهرها تمثل أزمة الحوكمة الرشيدة.
… فمنذ ذلك الحين، شهد هذا المفهوم تصاعداً ملحوظاً بالاهتمام على الصعيد الأكاديمي وصناع السياسات بشكلٍ متسارع، لا سيّما في ظل تنامي الأزمات على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، إذ غدا يُنظر إليه بوصفه المرجعية المعيارية العالمية التي تسعى الدول إلى تبنيها كإطار عمل استراتيجي لبناء مؤسسات قوية، راسخة وقابلة للاستدامة.
…وفي الإطار ذاته، قدّم الدكتور كين أوبولا، مساعد العميد بكلية القانون في جامعة جورج واشنطن، إطاراً مفصلاً لمكونات الحوكمة الفعالة، منها: توفير هياكل حكومية كفؤة وفعّالة مزودة بالوسائل رقابية قوية وآمنة تضمن عدم تجاوز السلطات لحدودها المنصوص عليها في القانون، توفير آليات سلمية وفعّالة لحل النزاعات وإدارة التغيير، بما يكفل التداول السلمي للسلطة والتوزيع العادل للثروة، ويسهم في تعزيز التجديد المؤسسي المنفتح على النحو الذي يدعم الاستقرار ويشجع المشاركة المجتمعية؛ أيضاً إجراء تدقيق وتقييم شامل ومنتظم لجميع الأنشطة والعمليات للتأكد من سلامتها ومطابقتها وفقاً للقوانين والأنظمة المعمول بها، كذلك نشر أعمال الحكومة وأنشطتها للمواطنين في الوقت المناسب بطرق واضحة وميسّرة. بالإضافة إلى ذلك التنفيذ السليم للقانون روحاً ونصاً بما يضمن تطبيقه على الجميع دون استثناء أو تمييز ، ويشمل ذلك محاربة الفساد بكل أشكاله مع ضمان الحماية القوية والفعالة للمبلغين عن المخالفات والتجاوزات، ويتعين أيضاً حماية وضمان حرية الصحافة والإعلام بوصفها سلطة رقابية مستقلة، مع ضرورة سن تشريعات فعّالة ومستنيرة توجب على المسؤولين الإفصاح الكامل والشفاف عن أي حالات محتملة لتضارب المصالح.
…في هذا المضمار يرى الكاتب والمفكر الثقافي والأستاذ بجامعة كولومبيا، ليونيل ترلينغ في كتابه (الخيال الليبرالي) أن الحكومة لا يمكن اختزالها في مؤسسات وقوانين رسمية جامدة، بل هي انعكاس صادق لجوهر البنية الثقافية وأنماط التفكير السائدة في العقل الجمعي للمجتمع، مضيفاً بالقول: “قبل الشروع في إصلاح الهياكل الرسمية والتنظيمية للدولة، ينبغي على الأمة أن تفكر بتمعن وعقلانية في أسس ومبادئ حكمها”.
…ومن هذا المفهوم يتضح أن الوعي الحقيقي للأمة وثقافتها السياسية والإدارية ينعكسان بشكل مباشر على شكل نظام حكمها ومؤسساتها، فالحوكمة في نظره تمثل المرآة التي تعكس قيم وثقافة الأمة وتفاعلاتها ومشاركتها في الحياة العامة.
…الأمر الذي يترتب عند غيابها مجموعة من العواقب الوخيمة والمدمرة التي تُشل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حدٍ سواء. أما على المستوى الرسمي، فقد يؤدي ضعف الحوكمة إلى فشل الدولة في تحقيق خططها وأهدافها التنموية، وعدم قدرتها على توفير الخدمات الأساسية بمستويات مرضية. أما على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، يؤدي ذلك إلى تقويض وتدهور ثقة المواطنين في القيادة ولمؤسساتها مما يعمق الفجوة والانقسامات المجتمعية ويزيد من الاستقطاب ويضاعف من مخاطر انتشار الفساد وسوء استخدام السلطة وهدر الموارد والثروات الوطنية بلا حسيب أو رقيب، كما يؤدي ذلك أيضاً إلى تدهور سمعة الدولة على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي.
….تشير الدراسات والبحوث العلمية الحديثة في هذا الحقل إلى أن الحوكمة الرشيدة بما تتضمنه من إدارة فعالة ورشيدة للموارد العامة تعد المفتاح الأساس والحاسم لنقل الدول من حالة الفوضى إلى واقع مؤسسي منظم ومهني.
فيما عدد عالم السياسة والمفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما أبرز المشاكل والتحديات التي تواجه الدول النامية في سعيها نحو التقدم والإزدهار، منها: ضعف في المؤسسات من حيث الكفاءة والفعالية والاستقلالية، انتشار واسع ومنظم للفساد، التهرب الضريبي، غياب واضح للإرادة الحقيقية لدى القيادات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالتصدي للفساد، ضعف الثقافة القانونية لدى العامة، مما يقلل من وعيهم بحقوقهم والتزاماتهم، اعتماد معظم هذه الدول على اقتصاد ريعي تقليدي غير متنوع، مما يجعلها عرضة للتقلبات الاقتصادية. وأخيراً، عدم المساواة في تطبيق القانون، حيث يختلف التطبيق من شخص لآخر بناءً على الانتماءات الحزبية والطائفية والقبلية.
…ومن منظور السياسات العامة والتنمية الاقتصادية خلصت الدراسات والبحوث الصادرة من قبل المنظمات العالمية، من بينها منظمة الشفافية العالمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى نتائج لافتة تعكس مدى أثر الحوكمة الرشيدة في تحقيق النهضة التنموية، إذ تظهر هذه التقارير إلى أن الدول التي التزمت بتطبيق مبادئها بجدية واستمرارية نجحت في تحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة واضحة، حتى في تلك الحالات التي لم تتوفر فيها الديموقراطية الكاملة بالمعنى الغربي التقليدي، وتبرز في هذا الإطار نماذج دولية مثل: الصين وسنغافورة وجورجيا، التي تمكنت عبر الإدارة الفعالة والتحسين المؤسسي المستمر من تسجيل معدلات نمو اقتصادي مرتفعة وإنجازات تنموية نوعية خلال فترات وجيزة نسبياً.
…وانطلاقاً من هذه التجارب يتضح أن الدول النامية تقف اليوم أمام خيار حتمي وحاسم لا بديل له، فهي تواجه طريقين متضادتين تماماً في الجوهر والشكل والنتائج. الطريق الأول: هو طريق الفوضى والتراجع، الذي يمر عبر ضعف الدولة والمؤسسات، ويتميز بانتشار الفساد والصراعات الداخلية، والفقر المدقع، وغياب كامل للشفافية والمساءلة، هذا الطريق يؤدي إلى الإنهيار التدريجي وتآكل لمؤسسات الدولة القومية، وزيادة معاناة المواطنين وتدهور مستويات معيشتهم بشكل دائم ومتواصل.
الطريق الثاني: هو طريق إلى النهضة والازدهار، الذي يمر عبر التطبيق الأمين والعادل لمبادئ الحوكمة الرشيدة، ويتميز هذا الطريق بوجود مؤسسات حكومية قوية وفعالة وعادلة ومشاركة واعية وحقيقية من المواطنين في صنع القرارات المصيرية، واقتصاد شامل ومتنوع تستفيد منه جميع فئات المجتمع.
…في هذا السياق يصف عالم الإدارة الأمريكي فرانسيس فوكوياما أن تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة بصرامة واستقامة يؤدي إلى نتائج إيجابية وملموسة على جميع الأصعدة، منها: ارتفاعاً ملحوظاً وحقيقياً في معدلات النمو الاقتصادي للدول، مما ينعكس إيجاباً على دخول الأفراد والناتج القومي الإجمالي، تحسن واضح وقابل للقياس في جودة الخدمات العامة المقدمة للمواطنين……
ويشدد فوكوياما على أن القدرة الحقيقية على تنفيذ السياسات العامة بفعالية وكفاءة عالية في جوهرها ما يشكل أساس الحوكمة الرشيدة الحقيقية، فبدون القدرة على التنفيذ الفعال، تبقى كل القوانين والسياسات حبراً على ورق.
…ومن هنا تتجلى الأهمية الجوهرية للحوكمة الرشيدة في تعزيز الثقة المتبادلة والتعاون المؤسسي بين المواطنين والحكومات من جهة، وبين الحكومات والمنظمات والشركات على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية من جهة أخرى، الأمر الذي يسهم بصورة مباشرة في تحسين كفاءة تخصيص الموارد، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام، جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، بما يعزز الاستقرار السياسي وتحسن جودة الخدمات العامة، وتحقيق الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي الاجتماعي.
…في السياق نفسه تشير روهيني نيلكاني، الكاتبة والشخصية الهندية البارزة في مجال الحوكمة والتنمية المستدامة، على أهمية المشاركة الفعّالة قائلة: “لا يمكننا أن نكون مجرد مستهلكين للحوكمة، بل يجب أن نكون مشاركين فعليين في خلقها وتطويرها”.
هذا المبدأ يعكس الفهم الحديث للحوكمة فترى أنها ليست كمجرد آلية تنظيمية تفرض على المواطنين من أعلى الهرم إلى الأسفل، بل هي عملية تشاركية تقتضي مساهمة الجميع على مختلف مستوياتهم.
ومن هذا المنطلق يتضح إن مسؤولية تطبيق الحوكمة لا تقع على جهة محددة داخل الدولة، بل هي مسؤولية منظومة بأكملها، تشمل هذه المنظومة عدة أطراف رئيسية يجب أن تعمل بشكل متكامل ومتناغم: السلطة التنفيذية المسؤولة عن تنفيذ السياسات والخطط، والسلطة التشريعية المسؤولة عن سن القوانين والرقابة، والسلطة القضائية المسؤولة عن تطبيق العدالة والحكم بنزاهة، هيئات الرقابة المستقلة والمتخصصة التي تراقب أداء الأجهزة الحكومية وتتحقق من التزامها بالقوانين والأنظمة، وسائل الإعلام الحرة المستقلة التي تقوم بدورها الرقابي والتنويري للمجتمع، المواطنون الواعون الذين يمارسون دورهم الديمقراطي والمدني الحر، بجانب القطاع الخاص الذي يساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأخيراً، منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية التي تمثل مصالح الفئات المختلفة من المجتمع.
…بناءً على ما تم تقديمه نجد أن الفساد بأشكاله وأنواعه المختلفة يمثل العدو الأول والأساسي للنهضة التنموية في الدول النامية، وواحد من أكبر التحديات التي تعرقل جهود أي تقدم.
…الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال ترسيخ ثقافة الانضباط المؤسسي الفعلي داخل أجهزة الدولة، والتي تتجلى في الالتزام الصارم بتطبيق نصوص القانون بكفاءة وأمانة، لضمان الفعالية في الأداء الحكومي، ومكافحة الهدر والفساد في إدارة المال العام بجدية وحزم، وهذا ما يستدعى إصلاحاً تشريعياً وقانوياً شاملاً وجذرياً ليضمن مواءمة المنظومة القانونية مع الإحتياجات الفعلية للمواطنين وطموحاته التنموية.
…وحتى تتمكن الدول النامية من بناء دولة القانون والمؤسسات القائمة على الكفاءة والعدالة القانونية، وحتى تصبح قادرة على تلبية حاجات مواطنيها وتحقيق تطلعاتهم التنموية، يجب عليها الإلتزام الصارم بمجموعة من الإجراءات، منها: ضرورة العمل الجاد والمستمر على تحقيق رؤية الدولة وتنفيذ خططها بشكل منسق ومنظم، بما يضمن استدامة النمو الاقتصادي والتنموي وتحسين جودة الخدمات العامة، أيضا استقطاب الكفاءات المتميزة والعقول النيرة في مختلف التخصصات لتعزيز القدرة المؤسسية على الابتكار وإدارة الموارد بكفاءة، وكذلك بناء شراكات فعالة على مستويات محلية وإقليمية ودولية؛ لدعم التنمية الاقتصادية وفتح آفاق التعاون الاستراتيجي، فضلاً عن ضمان استقلالية المؤسسات العامة عن التدخلات السياسية وتوفير آليات شكاوى متطورة وسهلة الاستخدام تتيح للمواطنين الإبلاغ عن المخالفات والتجاوزات.
الأمر الذي لا يتأتى إلا من خلال إعادة إبرام عقد اجتماعي جديد، ليُشكّل قطيعة جذرية مع أنماط الفساد الممنهج والإقصاء المتعمد، بحيث يجب أن يتيح هذا العقد انتقالاً مدروساً من مفهوم السلام السلبي القائم على مجرد غياب العنف، إلى السلام الإيجابي المستدام بمضمونه البنيوي الشامل؛ فالسلام الإيجابي وفقاً للأدبيات الحديثة في حقل دراسات السلام والصراع، لا يقتصر على إنهاء العنف والصراعات المسلحة فحسب، بل يقوم على معالجة الجذور والمسببات العميقة والكامنة للصراعات والعنف الهيكلي بشِقّيه المباشر وغير المباشر المتمثلة في الحرمان، التمييز العنصري، سوء توزيع السلطة والثروة. وهو السلام الذي تُبنى ركائزه عبر سيادة حكم القانون، العدالة الاجتماعية، التعاون المستمر بين المكونات الاجتماعية كآفة، التكافؤ في الفرص، الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات، وصون الكرامة الإنسانية لكل المواطنين دون استثناء، بما يؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع قوامها: الحرية، العدل، السلام، الديمقراطية، والإزدهار المشترك.
… في ضوء المعطيات السابقة يبرز التساؤل الجوهري: إذا كانت الموارد متاحة والإمكانات قائمة، فهل تكمن أزمة الدول النامية حقاً في الفقر أم في غياب الإرادة الصادقة لبناء حوكمة رشيدة تعزز من السيادة الوطنية وتضع حداً لهيمنة تحالفات النخب الصفوية الفاسدة التي تسيطر على مقدرات البلاد والعباد؟

عن د. إبراهيم عمر(صاروخ)

شاهد أيضاً

الزواج ومسؤولية التربية: بين الوعي والإعداد النفسي

بقلم: د. إبراهيم عمر(صاروخ) يعتبر الزواج من أهم المحطات الفارقة في حياة الإنسان، فهو ليس …