شرحبيل أحمد: ذلك النغم الذي يرقص في دواخلنا

مقال قديم بصياغة جديدة
zoolsaay@yahoo.com
إبراهيم برسي

شرحبيل، أو كما كان يحلو لصديقي الراحل المقيم خطاب حسن أحمد أن يسميه “شرحو”، ليس مجرد اسم لفنان في سجل الأغنية السودانية… إنه عالم متكامل من الإبداع يفيض بالموسيقى، الرسم، والرقص. إنه ذلك الفنان الذي يحمل على عاتقه إرثاً سودانياً غنياً… رجل يصوغ رؤيته للإنسان والفن كما يُصاغ الحلم: متداخل الطبقات، عصيّ على الاختزال، مفتوح على احتمالات لا تنتهي… يمزج بين الفن وألوان الحياة وإيقاعاتها، ويحتفي بكل تفاصيلها الصغيرة.

الجسد عند شرحبيل ليس موضوعًا للعرض… بل ذاتٌ تُبصر وتُبصرنا بها الموسيقى.

إنه لغة ما قبل اللغة… حيث تصبح الحركة معرفة صامتة، ويغدو الرقص تأويلاً حيًّا للإيقاع.

حين يقف على المسرح لا يغني فقط… بل يتحرك كمن يترجم النغمات إلى لغة جسدية رشيقة وأنيقة، متسقة مع الإيقاع لا يمكن أن لا تتفاعل معها، وتفتن بها.

الرقص عنده ليس استعراضاً؛ إنه حالة وجودية… امتدادٌ للحن داخلي يصعب التعبير عنه بالكلمات وحدها.

ليست المسألة مجرد أداء فني… بل تجربة أقرب إلى الجذب الصوفي، حيث يبقى الجسد على الأرض بينما تحلق الروح في عوالم الهيام والسحر.

الجاز في تجربته لا يأتي كاستيرادٍ عابر… بل ككتابة ثانية للمكان.

هو مصالحة بين نبض الطبول الأفريقية وبلوز النيل… بين زخم السوق الشعبي وأنفاس الضفة عند الغروب.

كل ضربة ريشة على الأوتار تبدو كأنها تستدعي خريطة خفية للخرطوم تارة، ومدن في أقاصي غرب البلاد، وشمالها وشرقها تارة أخرى…

أحياء تتنادى في وتر، وممرات من الطفولة تعود في تسلسل هارموني… كأن الجيتار نفسه أرشيفٌ سمعيّ لمدن تبحث عن مصالحة مع ذاتها.

“ستار يا ليل” و”الليل الهادي”، تهمس إلى الروح بلغة عميقة… تسافر عبر الزمان والمكان… تحكي عن الشوق، الحنين، والغربة.

أغاني شرحبيل ليست موسيقى وحدها… إنها حياة، ذاكرة، وصوت يعيد تشكيل الخضرة و”الدُعاش”. تؤثر فيك لأنها ليست فقط ألحاناً عذبة… لكنها حكايات مورقة ومزهرة تحكي ما نعيشه وما نحلم به.

رسوماته للأطفال نوافذ تُطل على دنياوات وعوالم مدهشة… حيث يُصبح الطفل هو القائد والراوي.

كما أنها ليست ترفًا بريئًا… هي أقرب إلى ما يمكن أن نسميه: “ميتافيزيقا البراءة”.

الطفل هنا ليس زمناً مضى… بل طريقة للمعرفة، وبوصلة لكي لا تضيع خرائط الروح في زحام العالم.

كل خطٍّ نافذة… وكل لونٍ وعدٌ بأن الخيال لا يزال ممكناً.

إنها تعبير عن قلب طفل يسكن هذا الرجل… قلب يهمس لكل من يراها: “هكذا تبدو البراءة، وهكذا يجب أن نرى العالم.”

وهكذا بين الصوت والحركة واللون تتشكل أخلاقيات اللطف.

هذا الفنّ يعارض خشونة العالم بلا شعارات… يقترح رهافة العيش المشترك، ويُدرّبنا على الإصغاء لما لا يُقال.

حتى الصمت بين النغمات… ذلك الفراغ الأبيض… هو مكانٌ للمعنى.

والبياض بين خطوط الرسم… فسحةٌ يتجسّد فيها ما لا يملك اسماً بعد.

إن شرحبيل لا يقدّم حفلاً… بل يقترح أنطولوجيا للإيقاع.

الزمن ليس عقارب تمضي… بل طبقات تتداخل، يُعاد تركيبها في جسدٍ يستقبل اللحن كنبض، فيتحرك معه الجسد بخطوات لها طموح التحليق.

هكذا يصبح الإيقاع تربية للحرية… تعلّمنا الخطوةُ كيف نتخفّف من ثقل اليومي… وتعلّمنا الرجفةُ أن الجمال مقاومة هادئة، لا تحتاج إلى صخبٍ كي تغيّر العالم.

الرقص بالنسبة له هو الحرية المطلقة… انعتاقٌ من قيود الحياة وتناقضاتها.

في كل خطوة، يحمل روحاً تطفو فوق الواقع، روحاً تسعى إلى الجمال حتى وسط الألم.

هناك شيءٌ خفيٌّ لا أجد له تفسيراً… ذلك التداخل الراسخ في ذهني بين صورة شرحبيل أحمد وصورة الممثل الأمريكي مورغان فريمان.

كأن شيئاً غامضاً يربط بينهما في أعماقي. ربما يعود الأمر إلى حبي العميق لهذين الرجلين… وإلى ما يشتركان فيه من الهدوء، الحكمة، وحضور الكبار…

كلاهما يحمل ملامح وجه يُخبرك أن العالم مرّ عليهما… لكنهما تجاوزاه بفن لا ينتهي.

وكما أن مورغان فريمان هو رمز للحكاية والصوت العميق… فإن شرحبيل هو رمز للموسيقى الحية التي تتراقص في داخلك حدّ الانسياب.

كلاهما يذكّر بأن الفنّ معرفةٌ أخلاقية، وأيضًا عناية بالذات وبالآخر… وتعهدٌ مستمرّ بأن نسكن العالم برهافة لا بعنف.

إن شرحبيل أحمد هو الجسر الذي يربط بين الفن والإنسانية. إنه يرى في الفن وسيلة للارتقاء بالروح… ليس له فحسب بل لكل من حوله.

فشرحبيل ليس فناناً فحسب… بل اقتراحٌ للعيش.

أن ننصت أكثر… أن نتحرّك بحريةٍ من الداخل إلى الخارج… أن نسلّم الجسد لذكائه القديم كي يترجم ما تعجز عنه الكلمات.

كان “شرحو”… وما يزال… وسيظل دائماً، رمزاً للإنسان الذي لا تنتهي رحلته… والذي يرقص على أوتار الحياة ليترك فينا أثراً لا يُمحى… لأنه ببساطة لمس جوهر الإنسان حين يجرؤ أن يكون حرًّا وجميلاً في آن.

عن إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شاهد أيضاً

ما هي السيناريوهات المحتملة في حال سقوط النظام الإيراني؟

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.com في أواخر ديسمبر ٢٠٢٥، ومع تدهور الريال إلى مستويات قياسية أمام الدولار، دخل …