“شرطي العالم” أم بيّاع الحلفاء؟

كأن العالم دخلَ فصلاً جديداً من تراجيديا كونية.
من سماء الدوحة المضرّجة بنيران غارات إسرائيل، إلى حدود بولندا المخترقة بمسيّرات روسيا، وصولاً إلى الأسواق المرتجفة تحت ضربات الرسوم الجمركية على شركاء مثل الهند، يتكشّف المشهد: المظلة الأميركية، التي ظلت تُغطي الحلفاء وتفرض هيبتها على الخصوم، لأكثر من نصف قرن، لم تعد أكثر من قماشٍ ممزّق تتنازعه الرياح.
دونالد ترامب، العائد إلى البيت الأبيض بشعار «أميركا أولاً»، بدا كملكٍ يجرّ عرشاً محمولاً على أنقاض الإمبراطوريات القديمة. أعاد تعريف الولاء، وصاغ التحالفات بمنطق التاجر الذي يزن الأصدقاء بالذهب والنفط والأرباح المباشرة. لم تعد أميركا، في زمنه، “شرطي العالم” كما كان سائداً، بل دولة تعرض حلفاءها للبيع في سوق المصالح المتنامية، دون أن تتنهّد أو يرفّ لها جفن.

قطر، حليفته الأثيرة، استيقظت قبل أيام على غارات إسرائيلية موجّهة ضد قادة حماس. كان ذلك أكثر من قصف، كان إعلاناً بأن الحلفاء قد يقصفون الحلفاء، لأن الدوحة، بالذات، تحتضن القاعدة الأميركية الأكبر في الشرق الأوسط.
تمّ القصف، بينما واشنطن تتردد بين الغضب المكتوم والسكوت المحسوب. وفي اللحظة ذاتها، كان ماركو روبيو في تل أبيب يطمئن إسرائيل على متانة العلاقة، فيما القمة العربية والإسلامية في الدوحة تبحث عبثاً عن “مظلة أمان” لا تزال قائمة.
الأمر متشابه في بولندا، على أطراف الناتو، حيث اخترقت المسيّرات الروسية السماء كأنها طيور شؤم، لتقول لوارسو ولأوروبا إن الردع الأميركي ما عاد صخرة صلبة.
ترامب وصف الاختراق بأنه «خطأ محتمل». خطأ! هكذا اختُزلت جريمة اقتحام الأجواء إلى زلة عابرة. بوتين قرأ الرسالة بوضوح: الباب مفتوح للمغامرة، والردع الأميركي صار ظلّاً في الذاكرة.
الهند، الشريك الاقتصادي والسياسي، لم تسلم من “تاجر الجملة” الأميركي. الرسوم الجمركية الباهظة عاقبتها لأنها اشترت النفط الروسي. كوريا الجنوبية، الحليف العسكري المُتّزن، رأت المئات من مواطنيها يُداهمون ويُرحّلون. لم يعد الحلف حصانة، بل ورقة تفاوض.
المراقبون يقولون إن الفوضى تسكن قلب البيت الأبيض، وإن نتنياهو وبوتين يعرفان أن لحظة الضعف هذه تساوي كنزاً. الأول يضرب بلا خوف من الحساب، والثاني يختبر الحدود بلا خشية من العقاب. كلاهما يقرأ من كتاب ترامب: عالم بلا ضوابط، تحالفات بلا ضمانات، وردع بلا روح.
“أميركا أولاً” لم تعد مجرد شعار انتخابي. صارت عقيدة تفكك البنية التي قامت عليها بعد الحرب العالمية الثانية. إنها عودة العالم إلى قانون الغابة: من يملك القوة يفرض إيقاعه، ومن يفقدها يتحول إلى طيف على هامش التاريخ.
اليوم، يطلّ النظام الدولي كجسدٍ مثقوب، تنزف أوصاله، فيما الفاعلون الكبار يلتهمون مساحاته الخالية. العالم يترنّح بين فوضى مفتوحة وحسابات قوى عارية. والسؤال لم يعد: ما دور الولايات المتحدة؟ بل: هل يستطيع العالم أن ينجو من دونها؟ أو مع نسخة أميركا الجديدة، الأكثر براغماتية، والأقل التزاماً، والأشدّ قسوة على أصدقائها؟
إنها ملحمة انهيار تدريجي، حيث تتحول القوة من مظلة إلى عصا، والتحالف من عهدٍ مقدس إلى صفقة عابرة. والسماء، من الدوحة إلى وارسو، ليست إلا شاهداً على زمنٍ تتهاوى فيه الثوابت القديمة، ويولد فيه نظام جديد بلا ضامن، ولا رحمة، ولا أمان.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …