شرعية نقابة المحامين بين الإجراءات القانونية والأجندة السياسية

كتبت هذا المقال استجابة لطلب الكثيرين من الزملاء الذين رأوا أن الحديث عن “النقيب “المكلف” لنقابة المحامين السودانيين في مقالي السابق، ومحاولتي لتفكيك ذلك المصطلح، يظل جهدا مبتورا ولن تكتمل حلقتة إلا بالحديث عن الوضع القانوني للنقابة التي يضم مكتبها التنفيذي ذلك “النقيب المكلف”.
وبعد تردد وتفكير، وجدت أن ذلك المطلب ضرورة تمليها أهمية الموضوع وأهمية اجلاء الحقائق التي تحيط به مما قد يسهام في إزالة اللبس أو التعقيد الذي يحيط بمسألة شرعية النقابة، ويتيح الفرصة امام المهتمين للإطلاع على تاريخ هذا النزاع النقابي القانوني السياسي، وفهم أسبابه بموضوعية ومهنية مجردة ، بعيدا عن المزايدات السياسية ما أمكن ذلك. ابدأ المقال بتقرير أن الوثيقة الدستورية (بتعديلاتها) هي المرجعية الدستورية التي أسست لنظام حكم البلاد في الفترة التي اعقبت سقوط نظام البشير (الفترة الإنتقالية )، وحددت الاهداف والمهام التي يتعين تحقيقها وانجازها خلال الفترة الانتقالية، وكان من اهم تلك الاهداف والمهام تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (او نظام الإنقاذ) وإزالة تمكين اوصاله من كافة مرافق وجوانب الحياة السودانية، سيما السياسية والاقتصادية والنقابية بما يستتبع ذلك من محاربة الفساد، بناء دولة المؤسسات، إلغاء القوانين المقيدة للحريات والإصلاح القانوني والعدلي إلى آخره.
ولتحقيق وتقنين تلك المبادئ والأهداف والمهام ، أجاز الإجتماع المشترك لمجلسى السيادة والوزراء قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين، لسنة 2019 ، الذي نصت للمادة (5) منه على إنشاء لجنة يشكلها مجلسا السيادة والوزراء تسمى “لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو” تتولى مسؤلية تفكيك وإزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو 1989 (نظام الإنقاذ ). طبقا لتعريف كلمة “تمكين” في القانون المذكور .وقد شملت إختصاصات اللجنة وسلطاتها علي سبيل المثال لا الحصر :
حل أي منظمة أو جمعية أو نقابة أو اتحاد مهني الخ.. تكون أذرعاً سياسية أو اقتصادية لنظام الثلاثين من يونيو 1989 ، وتحديد طرق التصرف في أموالها وأصولها إلى آخره.

إمتثالاً وتنفيذا لنصوص قانون التفكيك وإزالة التمكين سالف الذكر، تكونت لجنة التفكيك طبقا لما قررته الفقرة 1 البند أ من المادة (5) من القانون . وشرعت اللجنة مباشرة في ممارسة صلاحياتها وتنفيذ المهام الموكلة اليها، فاصدرت صمن قرارات أخرى قرارها رقم 2 / 2019 بتاريخ 12/12 /2019، ممهورا بتوقيع سعادة الفريق ركن/ ياسر عبدالرحمن حسن العطا، قضت فيه بحل المكتب التنفيذي ومجلس نقابة المحامين دورة 2018 – 2021، (“النقابة السابقة” )، كما قضت فيه أيضا بتعيين لجنة تسيير لنقابة المحامين السودانيين لتقوم بالواجبات وتمارس السلطات والمهام المبينة في القرار.

إستأنفت “النقابة السابقة” ، قرار لجنة ازالة التمكين رقم 2 /2019، إلا أنها قدمت ذلك الإستئناف إلى جهة غير مختصة ، هي دائرة الطعون الإدارية (الدائرة القانونية المختصة بالمحكمة العليا) ، بدلاً من تقديمه إلى “لجنة إستئنافات قرارات لجنة إزالة التمكين”، ولذلك ظل الإستئناف حبيسا في أضابير الدائرة القانونية المختصة بالمحكمة العليا منذ 27 /12/ 2019 ، دون أي إجراء ، حتى أواخر عام 2022، تاريخ إحالته إلى لجنة الإستئنافات، لتنظره وتفصل فيه. وبالفعل نظرت الاخيرة ، الإستئناف ضد قرار لجنة التفكيك رقم 2 /2019، وقضت بإلغائه، بموجب قرارها رقم 89 /2022، بتاريخ 28 اكتوبر 2022.
ومن المهم جدا هنا، أن نلفت إنتباه القارئ إلى أن لجنة الإستئنافات التي أصدرت القرار 89 /2022 ، لم تزد عضويتها عن ثلاثة ٣ أشخاص، خلافا َاخلالا بنص الفقرة (1) من المادة (8) من قانون التفكيك وازالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو، الذي نص على أن تتكون لجنة الإستئنافات من خمسة 5 أشخاص. وهذا لعمري إخلال وتجاوز يفقد اللجنة أهلية الإختصاص (competency & jurisdiction) لنظر الإستئناف والبت فيه. بل ويصبح اي قرار تصدره اللجنة بهذا العدد (٣ اشخاص)، باطلاً لعدم إكتمال نصاب اللجنة المقرر قانونا.

سارعت لجنة التسيير وقدمت طعنا ضد قرار لجنة الإستئنافات رقم 89 /2022 لدي الدائرة القانونية المختصة بالمحكمة العليا، فأصدرت الأخيرة فيه حكما بالرقم 197 /2022، برفض الطلب.
على أثر ذلك شرعت النقابة السابقة في إجراءات تنفيذ بالرقم 273 /2023 في مواجهة لجنة التسيير، وتم اعلانها بالجلسة المحدده ، إلا أن القاضي الذي باشر إجراءات الجلسة المحددة للتنفيذ أصدر قراراً جاء فيه :
“بالإطلاع على حكم المحكمة تبين أن الأمر قد صدر برفض الطلب ولم يكن هنالك إلغاء لقرار إداري وبالتالي ليس هنالك ما يستوجب تنفيذه وعليه. أمر: تُشطب العريضة إيجازيا .”

إلا أنه مما يجدر ملاحظته هنا أيضا، أن قاضيا آخر في نفس الدرجة، أصدر أمراً بإستبعاد قرار زميله بشطب العريضة إيجازيا، وأمر بإعلان لجنة التسيير للسير في إجراءات التنفيذ الذي قضى سلفه بشطب عريضته ايجازيا. عندها لم يكن أمام لجنة التسيير إلا أن تطعن في ذلك القرار المعيب لدي المحكمة العليا التي قبلت الطعن بالرقم /م ع / عمومي /56/ 2023 ، وأصدرت حكمها فيه بتاريخ 23 /3/ 2023 ، وأمرت بقفل ملف التنفيذ. وسببت أمرها ذاك بإنه تنفيذٌ للمرسوم الدستوري رقم (١) لسنة ٢٠٢٣.
أخيراِ، وبناءً على ما تقدم سرده من وقائع وإجراءات، بإمكاننا إستخلاص الملاحظات و/أو النتائج التالية :
أولا : من حيث القانون، فقدت”النقابة السابقة” شرعيتها بصدور قرار لجنة التفكيك رقم 2 /2019 بتاريخ 12 ديسمبر 2019 ، سنداً للمواد 5و7 و9 من قانون تفكيك وازالة تمكين لنظام الثلاثين من يونيو 1989.
ثانيا : من حيث الوقائع فقدت النقابة السابقة شرعيتها بإنقضاء دورتها الإنتخابية التي اُنتخبت لها، وهي دورة (2018-2021).
وليس هنالك من سبيل لتمديد الدورة الإنتخابية المنتهية “للنقابة السابقة” ، إلا بقرار من الجمعية العمومية غير العادية للمحامين.
ثالثا : فقدت النقابة السابقة شرعيتها بتعامل كافة أجهزة ومؤسسات الدولة مع لجنة تسيير نقابة المحامين بصفتها ، ممثلا شرعيا لنقابة المحامين، وبديلا للنقابة السابقة منذ أن حُلَّت في ديسمبر 2019، وحتى 23 يوليو 2024، وهو تاريخ آخر موافقة للسلطة القضائية على الطلب المقدم لها من لجنة تسيير نقابة المحامين بشأن تمديد الترخيص السنوي للمحامين.

عبدالله احمد عبدالرحمن، المحامي.
٦ سبتمبر ٢٠٢٥

abdalla.alkaab@gmail.com

عن عبدالله أحمد عبدالرحمن المحامي

عبدالله أحمد عبدالرحمن المحامي

شاهد أيضاً

“النقيب المكلف” لنقابة المحامين السودانيين اصطلاح لا سند له في القانون

شاع في الآونة الاخيرة وفي المرحلة الراهنة من الصراع القانوني/ النقابي حول نقابة المحامين ، …