(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة)
[11-15]
هاشم عوض عبدالمجيد
hashimkhairy@gmail.com
شهادة السيد الصادق المهدي حول انقلاب نوفمبر 1958م
(الجزء الثاني)
…………
• هل كان هنالك ترتيب آخر في مطبخ حزب الأمة للانقلاب بخلاف ما هو معلوم عن دور ودوافع السيد عبدالله خليل . لأن هنالك تناقض حيث كافة الروايات محصورة فقط في دور ودوافع عبدالله خليل.
أنا كما ذكرت لك أن احتمال الانقلاب كان وارداً أصلاً. حصل الكلام ده ونوقش في مطبخ حزب الأمة، في اجتماع مجلس الإدارة.
• الاجتماع الذي نوقشت فيه توصية السيد عبدالله خليل هل يوجد به محضر؟
لا ، لا يوجد محضر عنه.
• هذه الرواية بها إشكالية، لقد جاء في كتابك “ميزان المصير الوطني” وكذلك إفادتك في شاهد على العصر ذكرت فيها أن 13 من أصل 15 عضواً من أعضاء مجلس إدارة الحزب صوتوا ضد توصية عبدالله خليل بتسليم السلطة للعسكريين. واقع الحال أن أعضاء مجلس الإدارة كانوا 25 بالإضافة للسيد الصديق رئيس الحزب ورئيس مجلس الإدارة والهيئة العامة ، وبالتالي فإن مجموع الأعضاء 25 وليس 15، أولا: توجد مشكلة في العدد، وثانياً: إذا سلمنا بفرضية أن 13 صوتوا ضد التوصية فهذا يعني إقراراً بمسئولية حزب الأمة عن الانقلاب، لأن التصويت يعني أن الحزب كان لديه علم مسبق بالانقلاب. لقد ذكرت في كتابك “ميزان المصير الوطني” أن السيد عبدالله خليل تقدم لاجتماع مجلس الإدارة بتوصية محددة وهي تسليم السلطة للعسكريين وذلك بناءً على ما جاء في المذكرة التي وردته من السيد/ يوسف التني. إن مناقشة التوصية أو الفكرة في حد ذاتها ليست عمل سياسي، وإنما عمل جنائي فيه تقويض للدستور الذي كان قائماً ويفترض أن يكون حزب الأمة من حماة الدستور.
…[مقاطعاً] الـــــ fact دي [هذه الواقعة] كانت خطأ، مجرد هذا الكلام كان خطأ، أنا اعتبره خطأ.
• ولكن هذه الواقعة، واقعة اجتماع مجلس الإدارة لمناقشة هذا الموضوع لم تثبت، أنا لم أجد وثيقة تؤكد أن الهيئة الخمسينية أو مجلس الإدارة قد ناقشت هذا الموضوع.
أنا سمعت هذا الحديث من أمين التوم
• سأورد لك قولاً آخر، وهو ما جاء به الصحفي عبدالرحمن مختار في كتابه خريف الفرح، وإن كان مصدراً مرتبكاً للتاريخ، يقول ما مفاده :حضرت اجتماعاً في سرايا الإمام عبدالرحمن بالخرطوم، وكان حضوراً فيه السيد عبد الله خليل والسيد مأمون شريف، وحدثت مشادة حادة بين السيد مأمون شريف والسيد عبدالله خليل حول فكرة الانقلاب في وجود السيد محمد أحمد محجوب وآخرين، وأنه حينما طرح موضوع الانقلاب ونوقش، قام المحجوب بإلقاء خطبة عصماء عن الديمقراطية وأهميتها ودور الحزب فيها، انتهى النقاش بقول عبدالله خليل للحضور أن هذا “لعب عيال وبكره تشوفو”. دي رواية الصحفي عبدالرحمن مختار.
أنا قرأت رواية عبدالرحمن مختار هذي. أنا ليس لدي معلومة عن الحاصل في مطبخ حزب الأمة، إنما هذا ما سمعته من السيد أمين التوم لأنه كان داخل هذا المطبخ ومن السيد عبدالله نقدالله، سمعت أن هذا الموضوع طُرح ورفض
• هل الاثنين كانا أعضاء في مجلس الإدارة؟
نعم، الإثنين، أنا أتيت بهذه المعلومات من هؤلاء الجماعة لأنهم بعد الانقلاب أعلنوا معارضتهم له.
• لكنهما في التيار الذي ذكرته، تيار السيد الصديق، وهما مخالفين للسيد عبدالله خليل، وسبق وقدموا استقالاتهم من وزارته وطلبوا من عبدالله خليل تقديم استقالته كذلك، هما لديهما موقف مسبق.
نعم، المهم. أنا شاهدتي المباشرة في هذا الموضوع هي الحديث الذي ذكرته لك آنفاً والذي وجهه لي مباشرة السيد الصديق، وكذلك الحديث الذي دار بين السيد الصديق والسيد عبدالرحمن في وجودي. هذي هي الشهادة الوحيدة التي أستطيع التحدث عنها بثقة. كل الأشياء الثانية [ماعدا ذلك] هي hearsay [مرويات] شهادة سماعية، لأنني لم أعمل معهم في هذه المجالس ولم أكن في مستوى يشاورونني فيه، ولكن ما أعرفه أن هذا الانقلاب حينما وقع، كان ذلك في غيبة الإمام الصديق. وأن هذه كانت جزئية مهمة سهلت قيام الانقلاب، لأنه في رأيي لو كان موجوداً لحال دون ذلك وما قام الانقلاب. على أي حال، ما أشهد به أنه فور سماعه بالانقلاب قطع رحلته إلى أوربا وعاد للسودان، وجاء بطريقة غير منظمة وبدون ترتيبات. دي [هذي] هي الرواية التي أنا مباشرة أقسم عليها.
• هذه الرواية توضح موقف محدد للسيد الصديق بعد حدوث الانقلاب، ولكن ما سبقها وما تلاها…..
ما سبقها موثق في التحقيقات التي تمت مع عبدالله خليل ومع عبود وآخرين بعد الثورة. ما تبعها أو ما تلاها هو موقف السيد الصديق من الانقلاب ودعوته لإسقاط النظام. أنا في الحقيقة اعتقد أن فاجعة السيد عبدالرحمن جاءت بعد حركة شنان ومحي الدين لأنها قطعت أي علاقة لحزب الأمة بالانقلاب واستبعدت عوض عبدالرحمن صغيّر وحسين علي كرار لأنهما أقل أقدمية منهما… ، من ثم هذا قاد لموقف صارم من اللواء أحمد عبدالوهاب الذي قال أن تصرف شنان ومحي الدين مخالف للانضباط ويجب أن يحاكموا، تحول الموضوع لقضية سياسية، ومن ثم استقال حينما لم يجد من يعضد موقفه…
• هل كان لحركة شنان ومحي الدين أي بعد خارجي، مصري مثلاً…..
لأ ، هي حركة احتجاجية مهنية لأن عبود في تكوين المجلس العسكري استبعدهما وهما أكثر أقدمية من عوض عبدالرحمن صغير، هنالك دراسة تؤكد أن كافة كبار الضباط ما عدا هؤلاء الاثنين [يقصد عوض عبدالرحمن وحسين علي كرار] وكذلك أحمد عبدالله حامد كانوا في ذلك الوقت من خلفية اتحادية وختمية، وعبدالله خليل لم يضع في حسبانه المزاج العام لهؤلاء الضباط، مزاجهم anti حزب امة [مضاد لحزب الأمة].
• دعنا نعود لمسألة التصويت حول التوصية بقيام الانقلاب داخل مجلس إدارة الحزب الأمة وعدم وجود محضر أو وثيقة تؤكد ذلك وأنها مرويات وبالتالي مسألة العدد 13 و2…..
ذكرت لك أنني سمعتها من أمين التوم، وفي دليل عليها، وهو أن اثنين فقط من قيادات حزب الأمة اشتركوا في الانقلاب بعد كده، هما عبدالله خليل وزيادة أرباب
• نعم زيادة أرباب شارك في الحكومة ولكن عبدالله خليل لم يشارك بعد قيام الانقلاب
لأ، عبدالله خليل سلم السلطة، وزيادة أرباب شارك وزيراً ، وهذا دليل على موقف بقية قيادات حزب الأمة من الانقلاب.
• إذا سلمنا بذلك ما هو موقف بقية أعضاء مجلس الإدارة الـ 10 الآخرين لماذا لم يحضروا هذا الاجتماع المصيري…..
ربما يكونوا قد حضروا ولكن ليس لدي معلومة لأشهد بها. ما أستطيع أن أشهد به هو أن اثنين من قيادات حزب الأمة Identified themselves [عرفوا أنفسهم] بأنهم مع الانقلاب، وهما عبدالله خليل وزيادة أرباب، لا يوجد غيرهم.
• هل توافقني في أن هذه الرواية إذا صُورت بهذه الطريقة تقود إلى أن حزب الأمة كمؤسسة مسئول عن الانقلاب……
لماذا….
• لأن حزب الأمة كمؤسسة بمناقشته للتوصية – كما تقول – قد أخذ علماً بالانقلاب ولم يتخذ أي اجراء يحول دون قيامه….
الحزب رفضها [يقصد تصويت مجلس الإدارة]
• إذا رفضها مفروض يتخذ إجراءات إضافية، يبلغ السلطات، يقيل أمينه العام، ينبه الجيش، يعبئ القواعد…..
التخطيط كله كان منصب في إزاحة الأمين العام للحزب، وأن حزب الأمة سيذهب لتشكيل حكومة قومية لا تتضمنه…..
• كان ممكن تسحب الثقة من الأمين العام للحزب في وقتها لأنه مضى في تفكير مخالف لدستور البلاد….
لم يعلن لهم [يقصد السيد عبدالله خليل] أنه سوف يستمر في تنفيذ توصيته، لقد اعتبروا الموضوع منتهي بعد التصويت. لذلك سافر والدي [يُفهم من سياق الحديث أن الاجتماع تم قبل وقت وجيز من الانقلاب وقبل سفر السيد الصديق لأوروبا] لأنه اعتبر أن الموضوع قد انتهى وأنه لا توجد فكرة قد تؤدي للانقلاب.
• دعنا نرجع لما كتبه السيد الصديق في مذكراته، إذا رغبت يمكنني قراءة ما كتب حرفياً
هذا الكتاب أنا حررته
• أعلم أنك حررته، ولكن هنالك تناقض يبرزه ما ذكره هو بنفسه في الكتاب من كونه شارك في التدبير للانقلاب……
لا ، هو يقول أنا بحثت….أذكر لي النص.
…………………….
( نواصل في الجزء التالي الحلقة الثالثة من شهادة السيد الصادق المهدي)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم