زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة
[ 2 -15]
هاشم عوض عبدالمجيد
hashimkhairy@gmail.com
(1) السودان ودرب الآلام:
إن اتفاق السودانيين على تحديد نقطة بداية، واختطاط مسار تاريخي تمضي فيه عملية العدالة الانتقالية، ويتم فيه تقصى الوقائع الرئيسة التي مرت بها البلاد، هو أمر جوهري لمستقبل السودان. نعم، سيكون درباً موجعاً ومُهيجاً للآلام، ولكنه ضروري للتعافي والنهوض. وفقاً للتجارب العالمية للعدالة الانتقالية فإنه ليس بالضرورة أن يكون تتبع هذا المسار شاملاً لكل أحداثه، هذي مهمة المؤرخين وغيرهم من المتخصصين، بيد أنه – فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية – يتحتم الاتفاق بين كافة أصحاب المصلحة على تعيين وتحديد أحداث مفصلية تُعدّ نقاط تحول رئيسة في حياة الشعب المعنِي، وتوصيف تأثيرها على حياة هذا الشعب، وتبيان أبعادها، وتحديد المسئوليات فيها، وجبر ما ترتب عليها من اضرار، ومن ثم وضع ترتيبات تمنع تكرارها. كل هذا في سياق الآليات الرئيسة للعدالة الانتقالية، التي تتضمن:
- لجان متخصصة في كافة المجالات مهمتها إعمال آلية كشف “الحقيقة” حول الاحداث المفصلية المتفق عليها، توصف الوقائع، تحدد المسئوليات، وتنتهي إلى تقارير يعتبرها الشعب وثائق حاكمة له في الحدث المعين بحيث لا يعاد إلى إثارتها مرة تلو الأخرى كقضايا خلافية تتوزع فيها الاتهامات يمنة ويساراً بدون بينة.
- وفقاً لما تثبته تقارير لجان الحقيقة تقوم لجان متخصصة بوضع آلية أو آليات لـ “جبر الضرر” الفردي والجماعي الذي هو حق للضحايا.
- اجراء محاكمات أمام القضاء الوطني و/أو الدولي في الوقائع الخاضعة للقانون وفق تدابير “الملاحقة القضائية”.
- إضافة لتدابير الملاحقة القضائية فإن أدوات جبر الضرر كثيرة، وإنفاذها جزء رئيس من نطاق عمل أي حكومة انتقالية تعقب عملية العدالة والعدالة الانتقالية. من هذه الأدوات “عملية إصلاح مؤسسي شامل” يتم فيها إعادة بناء كافة المؤسسات المعطوبة التي تسببت في الاختلال الذي ساق البلاد إلى ما هي فيه، وهذي الإصلاحات تمثل “ضمانة عدم التكرار” التي يجب أن يسعى كافة أهل السودان بلا مساومة لإيجادها.
إن إعمال آلية “الحقيقة”، الذي هو جوهر مشروع العدالة والعدالة الانتقالية، يجب أن يؤسس على إجابات عميقة لأسئلة جوهرية:
ماذا حدث؟ … ولماذا حدث؟….من المسئول ؟….كيف نجبر ضرر ما حدث؟…وماهي ضمانات عدم تكرار ما حدث ؟
ضمن مقاربات السياق الثقافي “للحقيقة” يجب أن يكون هنالك اتفاق على منهجية لقراءة حرة وشفافة وتوثيق للتاريخ، الغرض من هذه المنهجية “حفظ الذاكرة” باعتبارها شكلاً من أشكال “جبر الضرر” التي تمثل إحدى حلقات سلسلة التصالح والتعافي الوطني. لقد كُنتْ – ومازلت – ضمن المُنادين أن تعمل وتعكف النُخب الوطنية السودانية على انجاز “مشروع وطني لقراءة متعددة للأحداث التاريخية”، وما زلت أقول أنه […لابد من سبيل لإنتاج الذاكرة الوطنية الجمعية، لابد أن نُجمِّع القراءات المختلفة للأحداث ونعتمدها حتى نستطيع بلورة ذاكرة سودانية وطنية جماعية من الذاكرات المجزأة. لنُبلور هذه الذاكرة الجمعية لابد من القضاء على أحادية الحقيقة (القائمة على) أحادية التاريخ. السلطة القابضة (أياً كان نوع هذه السلطة فرد، جماعة، نخبة، ثقافة…إلخ) في استنادها على التفسير الأحادي للتاريخ تُحدِث إعاقة في الوجدان الوطني، إن حفظ الذاكرة هو السِّلمة الأولى في دَرج الحقيقة، وقضية التاريخ والذاكرة هما جوهر الحقيقة التي هي مسألة مركزية في مسلسل المصالحة والانتصاف. إن السعي لإجلاء الحقيقة وعملية حفظ وبلورة الذاكرة الوطنية الجمعية (في هذا السياق) هدف مرحلي وليس غاية في حد ذاته ، إنه مرحلة مؤسِّسَةْ للمصالحة والانتقال الى نظام ديمقراطي…] .
بعض الباحثين يمضون إلى موقف أكثر حدة مما دعوت له منادين بإنزال ما أسموه “عدالة ومحاسبة تاريخية مقابل العدالة الانتقالية في السودان” حيث يرى “خالد كودى” أن مشاريع العدالة الانتقالية التي طرحتها النخب السودانية في سودان بعد الاستقلال هي:[محاولة للتهرب من المحاسبة التاريخية الحقيقية، التي تعد ضرورية لتحقيق التغيير الجذري والشامل في البلاد. ورغم أن العدالة الانتقالية تُطرح عادةً كأداة لإجراء إصلاحات وإحلال السلام بعد فترات النزاع، فإن القوى المحافظة المرتبطة بالنظام القديم في السودان تستخدمها كغطاء لحماية امتيازاتها التاريخية، بدلاً من معالجة جذور الصراع والانتهاكات التي استمرت لعقود طويلة. كما حدث في سياقات تاريخية أخرى، فإن هذه القوى تحاول التلاعب بمفاهيم العدالة الانتقالية لتجنب المحاسبة على الجرائم التاريخية التي ارتكبتها واستغلالها كأداة للحفاظ على نفوذها]
قد تختلف الزوايا التي يُنظر بها لموضوع العدالة الانتقالية، وقد تتفق، ومع ذلك فإن هذه الدراسة تهدف للمساعدة في انفاذ الآلية التي تخدم كافة وجهات النظر هذي، فهي تهدف إلى إجلاء الحقيقة باعتبارها الخطوة الأولى في أي مشروع للعدالة انتقالية.
(2) انقلاب 17نوفمبر وسياق العدالة الانتقالية:
رغم أن نشأة الدولة الحديثة في السودان سنة 1899كانت عسكرية، ونمط الحكم الذي أسسته يغلب عليه الطابع الشمولي ذو البعد العسكري القمعي والمتسلط، فقد ظلت معظم الدراسات تكتفي بوصفه حكماً استعمارياً. ثم غلب على حُكم السودان في عهده الوطني منذ الاستقلال في 1956م وحتى الآن حكومات بلغت السلطة بانقلاب عسكري، كانت عهود حكمها هي الأطول بلا منازع، إذ استغرقت حوالي 56 سنة من أصل 70 سنة تقريباً هي عمر السودان المستقل. جميع هذه الانقلابات العسكرية وداعميها يعتبرون انقلاب 17 نوفمبر 1958م هو مرجعهم فيما قاموا به، واعتبروه الانقلاب المؤَسِسِ ! كما أن كافة الأحزاب السياسية التي استغلت الجيش للانقضاض على السلطة ادعت دون بينة أن “حزب الأمة” سبقها في ذلك حين قام بتسليم السلطة للجيش يوم 17 نوفمبر 1958م . كل هذي وغيرها عناصر تجعل هذه الواقعة جديرة بالوقوف عندها وتحليلها لأنها تشكل منعطفاً تاريخياً هاماً.
بناءً على ذلك فإن هذه الدراسة سوف تُمحص الأقوال والروايات المتضاربة بشأن المسئولية عن تسليم السلطة للجيش، هل قام بها حزب الأمة (كمؤسسة) ؟ أم تنحصر المسئولية في شخص السيد عبدالله خليل الفردية، كما تدعي بعض الروايات، أم يشاركه فيها آخرون؟ وإذا كان ذلك كذلك فمن هم؟ . يتصل هذا الموضوع بسياق العدالة الانتقالية في السودان من جانب أن كشف الحقيقة بشأنه ستقود في خلاصتها، وبغض النظر عن طبيعة المسئول فرداً كان أم مؤسسة، إلى ضرورة إعمال آلية للإصلاح المؤسسي على المؤسسة الحزبية في السودان. لأنه إن لم يتم إصلاح مؤسسي حقيقي لهذه المؤسسة (الأحزاب) لن يحدث انتقال مدني ديمقراطي فعلي ولن تنكسر الدائرة الشريرة التي ظل السودان عالقاً فيها قبل وبعد استقلاله.
1هاشم عوض عبدالمجيد – الحقيقة والعدالة في السودان …مدخل إلى التراضي ومخرج من المحكمة الجنائية الدولية (1)/هاشم عوض عبدالمجيد – مجموعة مقالات للكاتب عن الحقيقة والمصالحة نشرت في شبكة الإنترنت سنة 2008م
خالد كودي – العدالة والمحاسبة التاريخية مقابل العدالة الانتقالية في السودان – صحيفة مداميك – نشر في 24 أغسطس 2024م – تم الاطلاع عليها في أكتوبر 2025م.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم