(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة)
[3-15]
هاشم عوض عبدالمجيد
hashimkhairy@gmail.com
(3) انقلاب 17 نوفمبر1958: ماذا حدث؟
تتفاوت المصادر التاريخية المتوفرة عن انقلاب 17 نوفمبر 1958م بين مصادر أولية ومصادر ثانوية (وفق تصنيفات المؤرخين)، وإذا نظرنا فيما هو مُتاح من هذه المصادر نجد أن غالبيتها مذكرات شخصية حررها كُتّابها دعماً لموقف سياسي أو عقدي تبنوه. فقد غلبت على تلك المذكرات صراعات الاستقلاليين والاتحاديين المعروفة في تلك الفترة، الأمر الذي صبغ معظم كتاباتهم بصبغة عدم الموضوعية أو التحيز في أحسن الفروض. بالتالي فإن الاعتماد عليها يستوجب تمحيصها بدقة، كما أن بعض المؤلفات غلب عليها طابع السيرة التي تُجمّل كل شيء وتتفادي اصدار الأحكام وفقاً لعقلية قبلية بدوية تُراعي الآخر على حساب الحقيقة. من جهة أخرى، فإن كثير من الساسة والقادة السودانيين الذين كان لهم تأثير على أحداث تاريخية هامة، ومنها حادثة انقلاب نوفمبر 1958 قد انتقلوا إلى الدار الآخرة وفضلوا أن يدفِنوا معهم شهاداتهم ولم يكتبوا عن هذه الأحداث الهامة ولو سطراً يتيماً. يقول المؤرخ السوداني البروفيسور محمد سعيد القدال في معرض دراسته لكتب السيرة الذاتية السودانية وقيمتها كمصدر لدراسة التاريخ أن مُعظمها (…ضخمت من دورها في الأحداث، وجنحت نحو تبرير مواقفها، وسيطر على كتابها هاجس الصراعات السياسية، وخَلُصتُ إلى أن غالبية تلك الكتب كمصدر للتاريخ ضعيف، وبعضها لا قيمة له.)
إن أحدث الروايات الموثقة المنشورة التي تناولت هذا الموضوع تعود للعام 2015م حيث تُشير إلى المسئولية الفردية التامة والشخصية للسيد عبدالله خليل – سكرتير عام حزب الأمة حينها – عن تسليم السلطة للجيش. في الوقت الذي تُبرز هذه الرواية رفض السيد الصديق المهدي (رئيس حزب الأمة حينها) للانقلاب جملة وتفصيلاً ، وتنفي أي صلة له به، وتشرح موقفه الطارح لبديل لحل للأزمة السياسية التي كانت تشهدها البلاد حينذاك، والذي لم يكن بأي حال الانقلاب على النظام الديمقراطي، كما وتسهب – هذه الرواية – في إضاءة موقفه المعارض للانقلاب.
إذ أنه وفقاً لتلك الرواية التي سبق وأوردها السيد الصادق المهدي كتابة في البدء، ومن ثم في مقابلة تلفزيونية مسجلة فإن السيد عبدالله خليل “لم يتخذ موقف العداء لمصر إلا بعد فشل ثورة 1924 التي كان أحد قادتها” ، وقد انعكس هذا العداء على سياساته ومواقفه العامة كسكرتير لحزب الأمة فقاد تيار أقلية داخل حزب الأمة مؤسساً على “المخاوف من اتجاه للوحدة مع مِصر اندراجاً تحت السلطة المصرية” ، الأمر الذي أوجد خلافاً بينه وبين السيد الصديق المهدي رئيس الحزب فقاد الأخير التيار الغالب داخل الحزب الذي “يرى فض الائتلاف مع حزب الشعب الديمقراطي، وتكوين حكومة قومية من جميع الأحزاب داخل الجمعية، أو عقد ائتلاف بديل مع الحزب الوطني الاتحادي، وانتخاب الزعيم إسماعيل الأزهري رئيساً للوزراء ضمن معادلة للإسراع بإجازة الدستور” .
بهذه الخلفية، يقول السيد الصادق المهدي؛ أن السيد عبدالله خليل قد استطاع إقناع السيد عبدالرحمن المهدي (راعي حزب الأمة وإمام الأنصار) ليؤيد الانقلاب مستغلاً غياب السيد الصديق المهدي في رخلة خارج البلاد. من جهة أخرى ذكر السيد الصادق المهدي في تلك التوثيقات أن السيد عبدالله خليل استطاع أيضاً إقناع القطب الديني الثاني السيد علي الميرغني (مرشد الطريقة الختمية وراعي حزب الشعب الديمقراطي) بتأييد الانقلاب مستغلاً تخوفاته من أن يصير السيد إسماعيل الأزهري (رئيس الحزب الوطني الاتحادي) والخصم اللدود للميرغني، رئيساً للوزراء.
لقد أرجع السيد الصادق الدافع الشخصي للسيد عبدالله خليل في تسليم السلطة إلى الجيش إلى عدم رغبته في التنازل عن مقعد رئاسة الوزارة للسيد إسماعيل الأزهري، مستنداً في ذلك – أي عبدالله خليل – على تقرير أرسله له سفير السودان في القاهرة حينذاك السيد يوسف التني ، وصفه السيد الصادق بأنه بُني على أخبار كاذبة ومحض أوهام و “بارانويا/paranoia”، وأن خلاصة ما جاء في تقرير السفير التني أن هنالك ترتيبات يقوم بها النظام المصري بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر للانقضاض على حكومة السيد عبدالله خليل وذلك بتشكيل تحالف بين حزب الشعب الديمقراطي والحزب الوطني الاتحادي ليؤلفا معاً حكومة موالية لمصر بقيادة السيد إسماعيل الأزهري، ومن ثم يمضيا في طريق الوحدة مع مصر. هذا التقرير – وفقاً لإفادة السيد الصادق- كان آخر تطور في الأوضاع السياسية المتأزمة حينها، وكان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير حيث جعلت السيد عبدالله خليل يعرض توصيته التي قدمها لمجلس إدارة حزب الأمة محاولاً إقناعهم بالموافقة على تسليم السلطة للجيش، وأن مجلس إدارة الحزب قد اجتمع برئاسة السيد الصديق وناقش التوصية حيث صوت 13 عضواً ضدها بينما أيدها 2 من أعضاء مجلس الإدارة، وبالتالي سقطت هذه التوصية، والتي مضى فيها فيما بعد منفردين كلاً من السيد عبدالله خليل وعضو مجلس الإدارة الآخر الذي دعمها ليتحملا وزر الانقلاب.
وقد استرسل السيد الصادق المهدي في شرح موقف والده السيد الصديق المهدي (رئيس حزب الأمة حينها) الرافض لانقلاب 17 نوفمبر 1958م وعمله حتى آخر لحظة من حياته في مناهضته، حيث كان هنالك – وفق ما ذكر – ترتيباً آخر يقوم به السيد الصديق المهدي (رئيس حزب الامة) يقضي بأن تُحل الأزمة السياسية – حينها -بقيام ائتلاف بين حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي بقيادة الأزهري يصبح بموجبه أزهري رئيساً للوزراء.
في ذات السياق عضّد عميد الصحافة السودانية الكاتب والصحفي الأستاذ محجوب محمد صالح رواية السيد الصادق المهدي هذي، حيث ذكر أنه التقى بعد انقلاب عبود بالسيد الصديق المهدي وقد نفى له أي صلة له بالانقلاب. إلا أن الأستاذ محجوب لم يستبعد علم السيد الصديق المهدي المسبق بترتيبات الانقلاب بحكم موقعه كرئيس لحزب الأمة وأحد قيادات ورموز البلاد. بيد أن هذه الروايات التي تنفي أي دور للسيد الصديق المهدي في انقلاب 17 نوفمبر 1958م أو علمه المسبق به أو المشاركة في ترتيباته بها يعوزها الدقة وتناقض نفسها، حيث تقف أمامها شواهد أخرى، وأهمها ما جاء على لسان السيد الصديق المهدي نفسه !
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم