مصائب السودان تتصاعد، كعاصفة لا تعرف السكينة، لتكشف أن الحرب ليست سوى الغطاء الهش لمعاناة شعبه الحقيقية. فالأمراض والجوع والسيول، كلها تتآمر لتنسج لوحة من البؤس المطلق، في جحيمٍ مفتوحٍ يصدح فيه صراخٌ بلا صدى.
منذ أكثر من عامين، صار البلد مسرحاً لرقصةِ الدم، تتقاسمه قوى الظلام بلا استحياء: “الكيزان” الذين أشعلوا الحرب في سعيهم لاستعادة ماضيهم بلا محاسبة، و”الدعم السريع”، الذي تجسّد في وحش جموح، لا يعرف سوى الانتهاك والقتل والاغتصاب، فيما تواصل “كتائب الظل” بثّ الرعب، وإحياء أعراس الشهيد.
هنا، يصعب انتظار الرحمة، وانتظار الأمان؛ فالتمزّق على مرأى الجميع، وأنين الضحايا لا يلتقطه أحد.
الأرض تحولت إلى مستودع للسلاح: 6 ملايين قطعة في أيدي المدنيين، وفق تقديرات نقلتها “الشرق الأوسط”، وكأن البلاد أضحت حقلاً من ألغام بشرية. الخرطوم لم تخسر مصانعها وجامعاتها وشركاتها فقط (600 مصنع و36 جامعة و300 شركة خاصة؛ كلها انهارت) بل خسرت الحياة ذاتها: مدارس خاوية، أسواق صامتة، مستشفيات مدمرة، أكثر من 90 في المئة منها خرج عن الخدمة.
في دارفور، الوباء ينهش ما لم تأكله الحرب. الكوليرا تنتشر بسرعة جنونية: أكثر من 8560 إصابة و361 وفاة حتى نهاية أغسطس، معظمهم من النساء والأطفال. المستشفيات بلا أدوية، محاليل الإماهة نادرة، المرضى يسيرون ساعات على الأقدام بحثاً عن علاج لا يأتي.
في مخيم (كلمة) وحده، سجلت 435 إصابة و64 وفاة، بينما في جبل مرة، حيث تضيق الأرض بمئات الآلاف من النازحين، يجتمع الجوع بالكوليرا والتيفوئيد في جسد طفل واحد. منظمة الصحة العالمية تؤكد أن المرض اجتاح معظم ولايات البلاد. و”أطباء بلا حدود” تصف المشهد بـ”أكثر من طارئ”، حيث يختلط غياب الماء النظيف مع الموت الجماعي.
فاشر السلطان، المدينة المحاصرة، كما نقلت عنها الصحافية نعمات الحاج، تبدو كجسد محطم، بلا دواء ولا غذاء ولا لقاحات للأطفال أو علاجات للأمراض المزمنة. الموت يقطف الأرواح بصمت، حتى صار كل نَفَسٍ تحدياً للبقاء، وكل خطوة طريقاً إلى العدم. جثث متحركة تنزف حياتها أمام أعين العالم؛ بلا ترياق.
المأساة لا تتوقف داخل الحدود. في البحر المتوسط، غرقت ثلاث شقيقات، هرباً مما سُمّي “حرب الكرامة”. وفي الداخل، أسرة كاملة قضت نحبها بعد أن أُجبرت على تناول علف الحيوانات (الأمباز)، في بلد يفيض بالمراعي والحقول والماشية. الجوع لم يعد مجرد حالة، بل صار عقوبة جماعية حتمية.
الأرقام تروي هول الكارثة: 14 مليون نازح ولاجئ، 10 ملايين طفل خارج المدرسة، 57 منظمة إنسانية توقفت عن العمل، 522 ألف رضيع يموتون من الأمراض وسوء التغذية، 45 ألف طفل يذبلون جوعاً، وفي بعض المناطق يسقط طفل كل ساعة. النساء يواجهن الاغتصاب كسلاح حرب، والفتيات دون العاشرة يتعرضن لأبشع أشكال العنف الجنسي على أيدي رجال يرتدون الزي الرسمي للدولة.
حتى الخرطوم، التي تجوّل فيها رئيس الحكومة المكلّف، أخيراً، وهو يوزّع “أكل التكايا” الزهيد، على المحتاجين… حتى هي ما عادت مدينة، بل أطلال تائهة يطوّقها شبح الموت. الدخان من كل حجر، والدم يلطّخ الأرصفة، والناس يمشون بين الركام كأنهم يعيشون بين أهوال القيامة.
الأرقام ليست مجرد أرقام، بل صرخات تتناثر في الهواء، وشواهد دامغة على وحشية لا تعرف حدوداً. والسودان اليوم ليس حرباً عابرة، ولا نزاعاً يمكن احتواؤه. إنه انكشاف لحقيقة مرعبة: جثة الوطن مسجّاة، يتراقص حولها المتقاتلون كما في الطواطم القديمة، كل فريق يهلّل “الله أكبر”، في بلاهة استثنائية تجعل كل فريق منهم يحلم بدخول الجنة، مقابل قتل أكبر عدد ممكن من المواطنين المستضعفين.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم