كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
امرأة خلاسية، فيما يبدو أنها سليلة ذلك التمازج الذي وسم العلاقات بين الأمم منذ عهود الاستعمار، حين كان مثلث الرقيق والخمر والسكر يربط أوروبا بإفريقيا والأمريكتين، في دورة قاسية جعلت البشر سلعة والمقدسات غطاءً. اعتلت منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة. شعر متمرد اعتلاه المشيب فكساه بالوقار. صقيلة القوام، طاغية الحضور، حادة النظرات، ماضية الحُجة. لم تحتج إلى بهرجة أو هتاف أو ادعاء بطولة؛ فقد انتزعت إعجاب القاعة دون أن تطلبه، وأصغى إليها الحاضرون رغماً عنهم.
كانت ميا موتلي Mia Mottley، رئيسة وزراء جزيرة صغيرة في الكاريبي، ترفع صوت الإنسانية في وجه صخب القادة الكبار، لتعيد تعريف معنى الزعامة في أرفع محفل أممي.
باربادوس، دولة لا يكاد العالم يلتفت إليها في خرائط النفوذ، بدت في تلك اللحظة كصوت يتجاوز الجغرافيا. لخترق الضمير الإنساني الحي.
كلمة قادرة على أن تنقل النقاش من شعبوية القوى العظمى إلى إنسانية خالصة، تذكر العالم بأن منظمة الأمم المتحدة وُجدت من أجل البشر، لا من أجل الأديان أو الأساطير المؤسسة للدول.
في تلك القاعة الخضراء، حيث تتقاطع مصالح الأمم وأصواتها، جاء صوتها ليعيد الحضور إلى ما خطط له المؤسسون في دمبارتن أوكس: لغة السلام، العيش المشترك، والطمأنينة.
قبل إطلالتها، كان المشهد مختلفا.
عشرات الوفود انسحبت من القاعة، في احتجاج صامت على خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ذلك الانسحاب كان الصفعة الأولى: تعبير احتجاجي صامت عن تجاوزات إسرائيل التي اسرفت في الإنتقام من شعب أعزل. يباد لكي يبقى “شعب الله المختار”.
صعد نتنياهو المنبر بخطاب مشبع بالأيديولوجيا، محاولاً أن يكسو مشروعه السياسي بقداسة دينية.
استشهد من سفر صموئيل، قائلاً:
“And Samuel said to Saul: The Lord sent me to anoint you king over His people, over Israel. Now therefore, heed the voice of the words of the Lord.”
بما معناه(وقال صموئيل لشاول: إن الرب أرسلني لأمسحك ملكاً على شعبه، على إسرائيل. فاسمع إذن لصوت كلام الرب.)
كان نتنياهو يرسل رسالة واضحة: أن إسرائيل ليست مجرد دولة، بل وعد مقدس، وأن سياساتها، بما فيها القتل والاحتلال، تجد سنداً في نصوص توراتية لا تعترف بالقانون الدولي ولا بميثاق المنظمة.
في لحظة كهذه، كان الخطر يتجاوز السياسة إلى الفلسفة المؤسسة للمنظمة الدولية.
فالأمم المتحدة قامت لتكون وعاءً جامعاً لكل الأديان والمعتقدات، إطاراً يتجاوز الأديان. ويعترف فقط بقدسية ميثاقه الذي وقعت عليه كل الأمم.
فعندما يُستدعى النص الديني إلى منصة الأمم المتحدة، تتحول القاعة من مكان للحوار إلى ساحة صراع لاهوتي، وهو ارتداد عن فكرة المنظمة نفسها.
ومن عجب أن المنصة لم تنبه لهذا النزوع الديني الخطير في خطاب نتنياهو الي أن صعدت تلك خلاسية الكاريبي، وخلاصة نساء العالم الحاكمات… موتلي حيث قالت بوضوح
“The Charter of the United Nations is the only sacred text in this hall. There is no room here for religious prophecy or the sanctity of any state.”
بما معناه(في هذه القاعة النص المقدس الوحيد هو ميثاق الأمم المتحدة.. وليس هنالك مجال للنبوءات ولا قدسية لأي دولة) كانت كلماتها صفعة ثانية في وجه إسرائيل، أشد إيلاما من الانسحاب الصامت.
فقد أعادت تعريف المشهد: أعادت القاعة إلى أصلها، وأسقطت القداسة الزائفة التي حاول نتنياهو أن يلبسها لخطابه.
وأهم ما في الأمر أنها لم تهاجمه شخصيا، ولم ترفع صوتها، لكنها نزعت من خطابه الأساس الذي يقوم عليه، وأعادته إلى مجرد خطاب سياسي يخضع للنقد والجدل.
ثم مضت خطوة أبعد، فأعلنت من ذات المنبر اعتراف باربادوس بدولة فلسطين، مؤكدة أن موقفها ينبع من منطق إنساني وحقوقي.
لم يكن الاعتراف مجرد تضامن رمزي، بل فعل سياسي يعيد التوازن الأخلاقي، ويضع الفلسطينيين على قدم المساواة في المجتمع الدولي.
في تلك اللحظة، تحول خطابها إلى نموذج نادر: دفاع عن القيم العلمانية التي تحمي التعدد، مقرون بموقف عملي يعترف بحقوق شعب مسلوب الأرض والسيادة.
ما فعلته موتلي كان درسا عالمياً.
ففي السياسة الدولية، العلمانية هي الخيط الذي يشد المختلفين بعضهم إلى بعض، بينما الخطاب الديني، إذا استُغل، يفرق ويمزق.
موتلي جسدت في خطابها هذا المعنى؛ فهي لم تتحدث كخصم، ولا كمتعاطفة من بعيد، بل كصوت إنساني يرى في الميثاق الأممي الوثيقة الوحيدة التي تستحق القداسة. بهذا أعادت السياسة إلى أصلها: إدارة حياة البشر وحمايتهم، بعيدا عن أوهام التفوق الديني أو الأساطير القومية.
إن ما فعلته موتلي لم يكن موقفا ضد الدين أو رفضا له في ذاته، بل دفاعا عن مكان الدين في حيزه الطبيعي، بعيدا عن ساحة الصراع السياسي. فهي لم تقلل من شأن النصوص المقدسة، لكنها وقفت ضد استخدامها كأدوات لإضفاء قداسة زائفة على مشاريع دنيوية.
في السياسة، يجب أن تُعرض الأفكار أمام العقول لا أن تُستدرج إلى حلبة الدين، لأن خلط المقدس بالسياسي يفتح باب فتنة خطيرة. فحين يُستعمل النص الديني في خطاب سياسي، يصبح النقاش غير متكافئ: السياسي يفقد موقعه، بينما يعلو رجل الدين فوق الجميع، لا تحده حدود ولا تلزمه معايير، لأن كل معارضة له، ستبدو معارضة للنص المقدس ذاته.
فكلما أوغل السياسي في التوسل بالخطاب الديني، كلما أبعد خصومه، واحتكر الساحة لنفسه، فينكمش الفضاء المدني ويتحول المجال العام إلى حقل صراع لاهوتي بدلاً من أن يكون ميدانا للحوار العقلاني.
لقد أعاد خطاب موتلي الاعتبار للميثاق الأممي باعتباره النص الوحيد الذي يجمع البشر على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم.
لقد كان تذكيرا بديهيا لكنه حاسم: الأمم المتحدة ليست كنيسة ولا معبدا ولا مسجدا، إنما منبرا للحديث عن الحياة المشتركة، وعن حقوق الشعوب في السيادة والكرامة. بهذا الفهم، لم تكن موتلي تدافع عن العلمانية بمعناها الإقصائي، بل كانت تحمي السياسة من أن تُبتلع في فم الأساطير الدينية، وتعيدها إلى أرض الواقع حيث يتساوى الجميع تحت ميثاق إنساني جامع.
وهنا تكمن قيمة موقفها: فقد رسمت خطاً فاصلاً بين احترام المعتقدات وحماية المجال السياسي من احتكارها، وأعادت النقاش إلى طبيعته: جدل بشري عقلاني، تحكمه القوانين لا النبوءات، وتؤطره الحقوق لا الامتيازات.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم