صلاح إدريس .. وأنا! … بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

غربا باتجاه الشرق

 

mustafabatal@msn.com

 (1)

لا بد أن من يقرأ هذا العنوان سيتبادر الى ذهنه أن لى صلة ما برجل المال والاعمال والاستثمارات، الملياردير والسياسى والشاعر والكاتب والصحافى (الحاصل على شهادة القيد الصحفى) والادارى الرياضى، والملحن الغنائى، ورجل البر والاحسان، الوجيه صلاح أحمد ادريس، حفظه الله وأدام ظله. والصلة برجل فى قامة (الارباب) صلاح ادريس، هى مما يتشرف به المرء بطبيعة الحال. ولكن الحقيقة التى لا محيص عنها، هى اننى لم احظ بهناءة الاقتراب من هذه الشخصية الفذة، المتعددة المهارات والمواهب، ولم تقع عيناى عليها قط، وان وقعتا على صور الرجل البهية التى تزدان بها الصحائف كل يوم. كيف لا والرجل يكتب خمس أعمدة ومقالات يومية واسبوعية تطرز صفحات خمسة صحف، وقيل سبعة!

 طيب، اذا كان الامر كذلك فلماذا العنوان (صلاح ادريس وانا)؟  ولأننى رضعت مع لبن امى ان الكذب حرام فسأقول الحقيقة بدون تدليل او تجميل، وهى ان الغيرة انتهشتنى وملأت قلبى بسبب العنوان الرفيع البديع الذى اختاره صديقى الكاتب محمد عثمان ابراهيم لسلسلة مقالاته التى تنشرها الاحداث حاليا: ( جون قرنق دى ما بيور وأنا)! وهى مقالات تنضح جاذبيةً وامتاعاً وروعة، فكان طبيعيا ان تجد رواجا هائلا فى الخرطوم كما افادنى اهلها.  قلت عبر الهاتف لمحمد، الذى يقيم فى العاصمة الاسترالية كانبيرا: هل تعلم انه كان بإمكانى ان أسبقك فأكتب مقالا او حتى سلسلة مقالات تحت ذات العنوان، ولم لا؟ فبينى وبين الزعيم الكبير جون قرنق دى مابيور ما يستحق النشر، فقد جلست معه، وفى مواجهته تماما، على طاولة واحدة، بأديس ابابا فى مبنى يتبع لجهاز المخابرات الاثيوبية، فى عهد الرئيس السابق منقستو هايلى مريام، لمدة تسع ساعات ونصف الساعة بالتمام والكمال. صحيح انه لم يحضر الى ذلك المكان لمقابلتى انا، بل لمقابلة رئيس الوزراء السابق السيد الصادق المهدى، وان دورى لم يتجاوز تسجيل وقائع الاجتماع وصياغة البيان الصحفى الذى صدر عقب نهايته. لا..لا، دقيقة بالله، بل لعله تجاوزها قليلا، فقد احتج جون قرنق أثناء المناقشات على استخدام رئيس الوزراء السابق لكلمة (المحاربين) لوصف الجيش الشعبى لتحرير السودان فى بيان كان قد تلاه امام الجمعية التأسيسية قبل لقاء أديس أبابا بأيام، وعندها تدخلت انا وقلت مخاطبا قرنق، ان (محاربين) فى اللغة العربية كلمة محايدة تماما، لا تشى بأية صفة، موجبة كانت ام سالبة، وان استخدام رئيس الوزراء لها بديلا عن كلمة (متمردين) التى كانت سائدة فى ذلك العهد، تمثل نقلة تعبيرية نوعية فى الاتجاه الايجابى تحسب لرئيس الوزراء لا عليه. وقد زكى السيد الصادق المهدى حجتى وكررها بتمامها. أغرانى ذلك النصر المعنوى بمزيد من التدخل فى المناقشات بين القائدين الكبيرين، لولا ان الدكتور تيسير محمد أحمد، الذى كان يجلس على يمينى، همس فى اذنى: (عليك الله شوف شغلك وبطّل الشربشة)! 

(2)

ولكن وبالرغم من كل ذلك فسأترك سيرة جون قرنق لمحمد وقلمه السيال، ليسلسل منها ما يشاء، طالما انه لا يزاحمنى فى سلسلتى الجديدة (صلاح ادريس وأنا)، التى ستعقبها باذن الله سلسلة اخرى بعنوان ( جمال الوالى وأنا). سأتركه يواصل  سلسلته، بغير مزاحمة منى، حتى يصل بها الى نهايتها، وهى نهاية لا اكاد ارى فيها بوادر إشراق او شعاعاً فى نهاية النفق كما يقول الفرنجة. فقد قتل القائد الكبير الذى تعلقت به آمال الكثيرين من بنى وطنه فى حادث غامض، أما صاحبى الكاتب نفسه فقد هجر مسيرة كفاحه المسلح الباسل، واستقر به الحال فى النصف الثانى من الكرة الارضية، إعلاميا عند طلوع الشمس، وطالبا للدراسات العليا بالجامعة الاسترالية بكانبيرا، يبحث فى تشابك علاقات الصراعات والتنمية، عندما يأتي المساء. وقد قبل محمد مؤخراً وبتحريض منى الدعوة التى وجهتها العصبة المنقذة لعدد من الاعلاميين العاملين بالخارج لحضور الملتقى الاعلامى بالخرطوم فى مايو الماضى، وهو الامر الذى جرّأ عليه بعض رافعى اللافتات من مناضلى الكيبورد. ولعله أراد بصوره الفوتوغرافية، التى أبرزتها له فى مساحته الاسبوعية نسخ الصحيفة الورقية، وهو فى ميدان العمليات شاكى السلاح يرتدى الزى العسكرى بصحبة مقاتلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، ثم وهو يجالس العقيد جون قرنق فى اجتماعات مشتركة ممثلا لتنظيمه السياسى المسلح المعارض، لعله أراد ان يبعث باشارة الى أدعياء النضال هؤلاء: لا يزايدن أحدٌ علىّ، فقد حملت روحى على كفى فداءً للسودان، واقصى ما حمله احدكم على كفه طيلة حياته كيبورد وفأر وسلك أوصله بصندوق الحاسوب ثم أخذ يطرقع ويفرقع! ومحمد عضو مؤسس فى (حلف الزبادى) الذى يضم نفراً من كتاب "الاحداث" ممّن قبلوا دعوة العصبة المنقذة لحضور الملتقى الاعلامى بالخرطوم، فى مقدمتهم شخصى الضعيف، والكاتبة النجمة الاستاذة منى عبدالفتاح. وذلك فى مواجهة (حلف الكهوف) الذى يقوده صديقنا الاستاذ فتحى الضو ويضم فى عضويته كاتب الاحداث الفذ البروفيسور بدر الدين حامد الهاشمى وآخرين.

(3)

ما علينا، ولنعد الى حيث بدأنا مع الارباب صلاح ادريس، الذى لم نلتقيه حتى تكون لنا معه صور نعرضها على قرائنا. ولكننا نقرأ اخباره فنتعجب ونهز الرؤوس، ونطالع مقالاته فنحتار ونضرب كفا بكف. من نماذج الاخبار التى نقرؤها الخبر الذى نشرته صحيفة "حكايات" وجاء فى جانب منه:( وأوضحت نانسى عجاج انها لن تغنى للملحن صلاح ادريس أى لحن، حتى لو وزنوها ذهبا. وأضافت ان على صلاح ادريس الا يضيع وقته فى ملاحقتها). أدفع نصف عمرى واعرف: أين يجد الملياردير الذى تسير بذكره الركبان كل هذا الوقت أساساً، فيبدده فى مطاردة نانسى عجاج ومطارحتها الألحان؟ ثم أين وجدت نانسى عجاج فى نفسها كل هذا الصلف والغرور فتقف على قارعة الصحف لتخاطب بأعلى صوتها مليارديرا وسياسيا وشاعرا وكاتبا وصحافيا وملحنا ومُحسنا ورئيسا لاكبر الاندية الرياضية فى البلاد بمثل هذا الخطاب القارح الشاطح ؟! إسمعها تقول: ( حتى لو وزنوها ذهبا).  يا سلام؟ ليه؟ أصلك نانسى عجرم؟!

ولكن المقال الذى نشرته صحيفة الرأى العام بقلم كاتبها الضخم الاستاذ صلاح ادريس فى عددها الصادر الاحد الماضى هو الذى استحوذ على حيز كبير من تفكيرى. لماذا؟ لان الصورة التى فى مخيلتى للرجل تختلف تماما عن الصورة التى ابرزها المقال. فى مخيلتى ان السيد صلاح ادريس شخصية ضاربة وفاعلة ومؤثرة وعلى درجة عليا من الاهمية على المستوى القومى، من نوع الشخصيات التى لا تسير من مكان الى مكان الا مصحوبة بحراسة مسلحة و(بودى غاردز). هذا على الاقل ما افهمه مما يتراءى لى من ضخامة الاموال والاستثمارات التى يحتكم عليها الرجل، وتمدده الداخلى افقيا ورأسياً، ومن طبيعة علاقاته الخارجية، ثم من الادوار القيادية التى يبدو أنه يلعبها فى الحياة العامة، وليس اقلها رئاسته لأكبر الاندية الرياضية فى السودان. وقد بلغ الارباب من الاهمية ان الولايات المتحدة، بجلال قدرها، اعتبرته عدواً لها فى يوم من الايام وقصفت بالصواريخ، فى صيف عام ١٩٩٦، احدى منشآته الاستثماراته. واستلزم ذلك ظهور رئيس الولايات المتحدة شخصيا امام العالم ليشرح طبيعة العملية العسكرية ودواعيها، وأعقبه وزير الدفاع الامريكى الذى ذكر اسم صلاح ادريس فى مؤتمره الصحفى خمسة مرات.

 

ومما عضد الصورة التى استنام اليها ذهنى عن صلاح كشخصية هامة على المستوى القومي، حقيقة أن الأرباب صديق، بل من خاصة أصدقاء الدكتور منصور خالد. فقد قرأت لصلاح عدة مقالات تؤكد على هذا المعنى وتدلل عليه. وصداقة منصور مؤشر أساسى من مؤشرات بورصة الوجاهة الاجتماعية، والاهمية السياسية والثقافية فى السودان. فمنصور لا يصادق كل من هب ودب. فقط الصفوة من علية القوم يجدون مكانهم اللائق فى قلبه وصالونه، فما بالك وقد كتب منصور عن صديقه صلاح مقالته الباذخة (الليالي الإدريسية) التي اصطفى صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية لنشرها قبل بضع سنوات.

وعند الاخذ بكل ما تقدم فى الاعتبار فاننا نجد صعوبة بالغة فى استيعاب ما كتبه الاستاذ صلاح ادريس فى مقاله المشار اليه بصحيفة الراى العام  والذى خصصه للحديث عن مقابلته المباركة للمدعو ابراهيم المعلم، صاحب الصحيفة ودار النشر التى تعرف باسم الشروق بالقاهرة، ونائب رئيس النادى الاهلى. كتب الارباب انه التقى هذه الشخصية اثناء زيارته الاخيرة للقاهرة، ثم اعتذر للقارئ عن اشارته للالقاب المتقدمة (يعنى صفات ابراهيم المعلم كنائب لرئيس  النادى الاهلى ورئيسا لدار النشر والجريدة)، مؤكداً أنه يذكر هذه الالقاب او الصفات ( لا بحثا عن وجاهة وتجميل لذاتى من خلال ارتباطى بصداقة رجل مهم. حاشا الله ما ذلك أردت). والأمر لا ينتهى هنا. اقرأ يا رعاك الله ما سطر الارباب فى مقاله وهو يصف دخوله مكتب ابراهيم المعلم لمقابلته بناء على موعد سابق: ( وفى الاستقبال سألنى موظف الاستقبال " عندك ميعاد معاه يا فندم". قلت فى نفسى ان الرجل معذور اذ ربما صدمه شكلى او العفوية التى ذكرت بها الاسم). كم علامة تعجب ينبغى على وضعها امام هذه الكلمات؟!

مصدر الحيرة والعجب عندى هو ان ابراهيم المعلم بكل ألقابه وصفاته المذكورة لا يكاد يصمد للحظة واحدة امام مظاهر القوة المالية والاقتصادية الضاربة والثروات، فضلا عن الالقاب والصفات التى يحملها صلاح ادريس نفسه فى السودان! فما الذى يجعل صاحبنا يظن ان ذكره لالقاب ابراهيم المعلم يمكن ان يفسر بأنه تعبير عن رغبة خفية لديه فى اكتساب (وجاهة) وسعى من جانبه (لتجميل لذاته) عن طريق ادعاء صداقة ناشر الكتب المصرى الى درجة انه يستعيذ من سوء الظن فيقول: ( حاشا لله )؟ من هو ابراهيم المعلم أساساً حتى يكون الدخول لمقابلته، وتفاصيل الحديث الذى دار بين الارباب وموظف الاستقبال موضوعا لمقال كامل فى اكبر الصحف السودانية؟ الذى نعلمه عن ابراهيم المعلم انه يرأس دار نشر واجهتها الرئيسية فى القاهرة هى "مكتبة الشروق" فى ميدان طلعت حرب، ومساحة هذه المكتبة لا تتجاوز مساحة صالون حلاقة فى وسط الخرطوم. وقد اصدر مؤخرا صحيفة باسم "الشروق" ما زالت تجهد وتناهد لتجد لنفسها موطئ قدم وسط ما يقرب من مائة مطبوعة يومية تعج بها سوق الصحافة المصرية. لكل هذا وجدت ان تقييم الارباب لنفسه، وهو الرمز الاقتصادى والرياضى والصحافى والادبى والفنى، مثير للتساؤل والعجب حقاً. فاذا كانت المسألة مسألة ألقاب وصفات فابراهيم المعلم يحمل ثلاثة منها فقط، بينما أربابنا يحمل ثمانية ألقاب وصفات يزلزلنا بها نحن معشر قومه فى السودان. ولكن يبدو ان ألقاب الارباب مثل العملة المحلية، مبرئة للذمة فقط فى الصرافات السودانية، أما خارج الحدود فلا تساوى بصلة. وليس أدل على ذلك من أن أربابنا يرى فى وقوفه بباب صاحب مكتبة وناشر صحيفة خاملة الذكر ونائب رئيس نادٍ مصرى شرفا لا يعدله شرف، فيخصص له مقالا كاملا تنشره اكبر صحيفة سودانية وكأنه حدث تاريخى، ثم يحدثنا ليس فقط عن مقابلته للرجل، بل ويضيف ايضا تفصيلات ما جرى فى مكتب الاستقبال الخارجى!!

(4)

لدى اقتراح للاستاذ صلاح ادريس، وهو أن يعيد البصر كرتين فى سلسلة الالقاب التى يحملها. كثيرٌ جداً على الانسان ان يكون مستثمراً ومديراً وكاتباً وشاعراً وملحناً وصحافياً وادارياً رياضياً الى آخر القائمة. ما ضر أربابنا لو تخلى عن طيب خاطر عن بعض هذه الالقاب والصفات والمراكز، وتخفف من مقتضياتها ومستلزماتها وتوابعها، وترك ما لا يُحسن الى ما يحسن، فقد قال القرآن (وما جعل الله لرجلٍ من قلبين فى جوفه)، فما قولك بسبع قلوب. ما ضره لو اكتفى  بصحيفة واحدة ومقال اسبوعى واحد، بدلا من هذا الانتشار الهلامى؟ ولو فعل لوجد فى حياته الزاخرة بالمكرمات مساحة للتفكير والتأمل والاستبصار، ولوافته الحكمة وغمرته أنوارها. ولأدرك، او قل اكتمل ادراكه، لحقائق الأشياء ومعانيها. ثم لعرف لنفسه قدرها، ولعرف لنا نحن بنى وطنه أيضا قدرنا، فلا يقف مثل شعراء المديح، وهو من ذوى الهيئات فى بلادنا، بباب ناشر مصرى وصاحب صحيفة محدودة الانتشار ليخلع عليه من درر القصيد بغير حساب، لكأنه سيف الدولة الحمدانى. صدقنى، يا أيها الارباب، لو انتصحت بنصحنا لما اجترأت عليك المغنيات، ولما خاطبنك، على رؤوس الاشهاد، بمثل ما خاطبتك نانسى!

عن صحيفة ( الأحداث)

مقالات سابقة:

https://sudanile.com/index.php?option=com_content&view=category&id=61:2008-12-04-08-34-48&Itemid=55&layout=default

 

 

عن مصطفى عبد العزيز البطل

مصطفى عبد العزيز البطل

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً