صمود ليست تحالفاً خفياً… بل محاولة لكسر جدار الحرب

تعقيب على مقال ضياء الدين محمد أحمد : “صمود والتحالف غير المعلن”

عاطف عبدالله

إن المقال الذي خطّه الأستاذ ضياء الدين محمد أحمد في صحيفة “الميدان” (7 إبريل 2026)، وإن بدا في ظاهره تحليلاً سياسياً عميقاً، إلا أنه وقع في فخ “التعميم المُخل” والمغالطة المنطقية. لقد بنى استنتاجه حول وجود “تحالف غير معلن” بين قوى (صمود) ومليشيا الدعم السريع على قراءة قاصرة لسياق سياسي معقد، فرضته ضرورات وطنية وإنسانية في لحظة تاريخية حرجة، متجاهلاً أن التحليل الخاطئ للمقدمات يؤدي بالضرورة إلى استنتاجات خاطئة.

أولاً: “إعلان أديس أبابا”… خارطة طريق لا تحالفاً

إن توقيع تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) على إعلان المبادئ في أديس أبابا (يناير 2024)، لا يمكن تفسيره باعتباره اصطفافاً عسكرياً، بل هو تعبير عن مسؤولية أخلاقية ووطنية سعت إلى:

· وقف نزيف الدم وتخفيف معاناة السودانيين.

· فتح الممرات الآمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية للمتضررين.

· إطلاق سراح الأسرى (حيث تعهدت قوات الدعم السريع بإطلاق 451 أسيراً كبادرة حسن نية).

إن أي تحليل يتجاهل أن هذا الإعلان تضمّن نصوصاً واضحة حول “الجيش الواحد المهني”، و“العدالة الانتقالية”، و”المحاسبة”، هو تحليل يفتقر إلى النزاهة ويمارس تغبيشاً للرأي العام. فكيف يُعقل وصفه بالتحالف وهو يضع أسساً صريحة لإنهاء وجود المليشيات؟

ثانياً: غياب الجيش… المعضلة الحقيقية

الخلل الجوهري في طرح الكاتب يتمثل في مساواته بين من وافق على بنود السلام ومن تهرب منها. لقد كان من المتوقع أن يوقع الجيش السوداني على ذات المبادئ، خاصة بعد إبدائه موافقة مبدئية في جولات (جدة والمنامة). وفي أتصالات مباشرة للبرهان مع دكتور حمدوك، لكن “الاختطاف” الذي ذكره الكاتب نفسه في مقاله كان هو العائق، حيث حالت مراكز قوى مرتبطة بالنظام السابق دون إتمام هذا المسار، مفضلة استمرار الحرب على أي أفق للانتقال المدني.

ثالثاً: استهداف القوى المدنية وتغييب السؤال الجوهري

يثير الاستغراب أن يوجه الكاتب سهام نقده نحو القوى المدنية، متجاهلاً السؤال الأهم: من الذي يعرقل وقف الحرب فعلياً؟

تشير القراءة الموضوعية إلى أن الدعم السريع قد تفاعل -بدرجات متفاوتة- مع مبادرات التفاوض، في مقابل تمسك الطرف المختطف داخل المؤسسة العسكرية بشعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة). هذا التباين الحقيقي لا يمكن تجاهله أو إغفاله، وهو يفرض تمييزاً ضرورياً بين من ينخرط -ولو تكتيكياً- في مسار التفاوض، ومن يرفضه بالكامل سعياً لاستمرار المحرقة.

ومع ذلك، فإن هذا التمييز السياسي لم يُعمِ (صمود) يوماً عن موقفها الأخلاقي الصارم، حيث جهرت بإدانتها لكافة التجاوزات والانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين، سواء تلك المرتكبة من قبل قوات الدعم السريع، أو من قبل الجيش والمليشيات المناصرة له. فالدخول في مسار سياسي لوقف الحرب لا يعني إطلاقاً تبرئة أي طرف من جرائمه، بل هو الوسيلة الوحيدة لوضع حد لتلك الانتهاكات عبر آليات المحاسبة والعدالة الانتقالية التي نص عليها إعلان أديس أبابا.

رابعاً: غياب آليات التنفيذ.. الهروب من “كيف” إلى “ماذا”

إن أكبر مآخذ تحليل الأستاذ ضياء – وهو ما يوسم به خطاب (الجذريين) عامة – أنه يغرق في طرح (غايات) كبرى وشعارات براقة يتفق عليها الجميع نظرياً، مثل: (تفكيك البنية)، (تحرير المؤسسة العسكرية)، و(حلّ المليشيات)؛ لكنه يعجز تماماً عن تقديم تصور عملي أو آلية تنفيذية واحدة لتحويل هذه الأهداف إلى واقع. فالسؤال الجوهري الذي يهرب منه الكاتب دائماً هو: (كيف؟)، إذ يبقى خطابه محبوساً في إطار التوصيف النظري دون امتلاك أدوات التغيير على الأرض، مما يجعل هذه الشعارات مجرد أمنيات سياسية تفتقر للمسؤولية الإجرائية.

المناورة أم المواجهة؟ إذا كان الكاتب يرفض نهج التفاوض (كآلية سلمية وحيدة للمدنيين)، فما هو بديله؟ هل يدعو المدنيين لحمل السلاح؟ أم ينتظر “معجزة” لتغيير الواقع العسكري؟

  1. الفراغ الإجرائي: نقد التحالفات المدنية لأنها حاولت انتزاع تعهدات من “طرف مسلح” هو نقد يفتقر للمسؤولية، لأن البديل الذي يقدمه الكاتب هو “اللاشيء”. إعلان أديس أبابا طرح آليات (لجان مراقبة، لجان تحقيق)، بينما بقي مقال ضياء الدين في إطار “الأمنيات السياسية”.
  2. الاستثمار في المستحيل: القول بأن الحل يبدأ بتفكيك البنية “بالكامل” قبل أي حوار يعني استمرار الحرب حتى الفناء، وهو ما يخدم أجندة “دعاة الحرب” تماماً.

خامساً: رسالة إلى الحزب الشيوعي والقوى المدنية

إن تخوين (صمود) وتشويه مواقفها لا يخدم سوى أجندة القوى الظلامية الساعية لإطالة أمد الحرب، فمصلحة الوطن العليا تقتضي اليوم توحيد الجبهة المدنية في مواجهة خصومها الحقيقيين بدلاً من بعثرة الجهود. وإذا كان للحزب الشيوعي تحفظاته الخاصة، فله كامل الحق في اختيار مساره بعيداً عن التحالف، لكن ليس من حقه أن يتحول إلى (مِعول) هدم أو أداة في يد أعداء الثورة لضرب أكبر تحالف مدني فاعل على أرض الواقع، تحالف يحظى بدعم محلي وإقليمي ودولي غير مسبوق، والأهم من ذلك كله، أنه يمثل الإرادة المدنية الساعية بجدية لانتزاع السلام وإنهاء مأساة الشعب السوداني.

خاتمة: بين الواقعية السياسية والخيال التحليلي

إن القول بوجود “تحالف غير معلن” بين صمود والدعم السريع هو استنتاج يفتقر للدليل ويقوض فرص السلام عبر تشويه مبادراته. القوى المدنية ممثله في “صمود” لم تسعَ لتقاسم السلطة، بل لفتح “ثغرة في جدار الحرب”.

إن التحليل الذي يكتفي بتوصيف المرض دون وصف “الدواء” يساهم في إطالة أمد الأزمة. واستهداف (صمود) يعكس حالة من الاستعلاء الأخلاقي الذي يفضّل نقاء الموقف النظري على تعقيدات الفعل السياسي، حتى لو كان الثمن استمرار معاناة الشعب السوداني.

atifgassim@gmail.com

عن عاطف عبدالله

عاطف عبدالله

شاهد أيضاً

بين مرتضى الغالي وعبدالله علي إبراهيم: جدل التفكيك ومكافحة الفساد

عاطف عبدالله من المهم، ابتداءً، التأكيد على كامل التقدير والاحترام لقامة فكرية مثل عبدالله علي …