صورة “صادمة” لانتهاكات؟ كيف تم التفسير الخاطئ لصورة قمر اصطناعي في السودان؟

فرانس برس: بعد الانتهاكات الفعلية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع خلال سيطرتها على مدينة الفاشر في نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، نشر مستخدمو إنترنت صورة مثبتة من الشاشة من تطبيق غوغل إيرث زعم أنها تظهر عمليات قتل جماعي في السودان، إلا أن هذه الصور قديمة وتظهر قطعان ماشية.

الصورة محل الجدل التي حصدت أكثر من 15 مليون مشاهدة على منصة إكس هي صورة مثبتة من تطبيق غوغل إيرث تظهر بلدة كوليا التي تقع في جنوب السودان. ويمكن لنا أن نرى من خلالها منطقة سوداء كبيرة نرى عليها عشرات الجثث.
بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في يوم 26 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ندد خبراء ومنظمات انتهاكات عديدة لهذه القوات شبه العسكرية ضد المدنيين. من جهتها، نددت الأمم المتحدة منذ يوم 30 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بـ”فظاعات” تم ارتكابها فيما حذرت محكمة الجزاء الدولية من إمكانية وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر.

في المقابل، فإن صورة القمر الاصطناعي التي لاقت رواجا واسعا تظهر شيئا من هذه الانتهاكات، ففي الساعات التي تلت انتشار هذه الصورة، أكد عدة خبراء في تحليل صور الأقمار الاصطناعية على غرار مدير التحقيقات في مركز “سنتر فور أنفورمايشن ريزلينس Center for information resilience (CIR بنجامين ستريك، بأن الأمر يتعلق بتفسير خاطئ لهذه الصور.

“رأيت صور أقمار اصطناعي يمكن أن تمثل مؤشرا على حدث جرائم حرب في السودان خصوصا، حيث وقعت عمليات تدمير واسعة أو تتعلق على سبيل المثال بمقابر جماعية، إلا أن أن هذه الصور لا تظهر شيئا من ذلك” يقول هذا الخبير في تصريح لفريق تحرير مراقبون فرانس 24.

بادئ ذي بدء، الصورة محل الجدل تتعلق ببلدة كوميا التي تقع على بعد نحو 300 كلم في جنوب مدينة الفاشر، ولم يتم التقاطها حديثا ولا تتعلق بالأحداث الأخيرة التي شهدتها المدينة. وتشير المعطيات المقدمة على تطبيق غوغل إيرث في الحقيقة إلى أن هذه الصورة تم التقاطها في يوم 24 آذار/ مارس 2024 أي قبل نحو عام ونصف.

زد على ذلك أن البقعة السوداء التي تم اعتبارها على أنها بركة دماء وفق رأي عدد كبير من مستخدمي الإنترنت، ليست جديدة، إذ تظهر صورة أخرى التقطت لنفس ذلك المكان في سنة 2022 نفس البقعة السوداء في نفس المكان.
مقارنة بين صورتين تم التقاطهما في مارس آذار 2022 ومارس آذار 2024، تظهر بأن نفس البقعة السوداء موجودة أصلا منذ سنة 2022.
بالنسبة إلى بنجامين ستريك، فإن المعطيات المتوفرة على الصورة تمثل في الحقيقة نقطة مياه تجمعت من حولها قطعان ماشية ولا يتعلق الأمر بجثث بشرية؟

“عندما رأيت هذه الصورة، صدمتني ليس فقط بسبب الفرق في لون الأرض ولكن أيضا بسبب وجود عدة أشياء على الأرض، شاهدت في السابق مثل هذه الصورة حول قطعان الحيوانات خصوصا تربية الماشية”.

وتم تأكيد هذه القراءة لمشاهد مماثلة لبقع سوداء تجمعت حولها قطعان ماشية على الصورة الموجودة أسفله على بعد نحو عشرة كلم من مكان التقاط الصورة الأولى في سنة 2022.

صورة مثبتة من الشاشة متاحة على تطبيق غوغل إيرث التقطت في يوم 27 مارس/ آذار 2022، على بعد نحو عشرة كلم من بلدة كوميا في السودان، الإحداثيات الجغرافية للصورة 11°0’26.88″N 26°31’40.30″E.
صورة مثبتة من الشاشة متاحة على تطبيق غوغل إيرث التقطت في يوم 27 مارس/ آذار 2022، على بعد نحو عشرة كلم من بلدة كوميا في السودان، الإحداثيات الجغرافية للصورة 11°0’26.88″N 26°31’40.30″E. © صورة من تطبيق غوغل إيرث
“من مجمل المعلومات التي نشرت حول السودان خلال الأسبوعين الماضي، فإن هذه الصورة، حسب رأيي، هي التي حصدت أكبر قدر من المشاهدة” يقول بأسف بنجامين ستريك، الذي يقدر بأن هذه الصورة المضللة حصدت أكثر من 15 مليون مشاهدة في منشور واحد على منصة إكس في يوم 5 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري “أي أكثر من أي مقطع فيديو حقيقي تم التثبت من صحته”.

يضيف بنجامين ستريك قائلا: “بالنسبة لي الأمر مقلق جدا، لأن ذلك يعني بأن الناس يمكن أن يقولوا: من المحتمل أن تكون الصور التي تظهر انتهاكات لحقوق الإنسان غير حقيقية، بالرغم من أنها كذلك بالفعل”؟

ويبقى استخدام صور الأقمار الاصطناعية في المقابل عامل مركزيا في تحليل الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع خلال الأيام القليلة الماضية. إذ منذ يوم 27 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أظهرت جامعة “ييل” الأمريكية وجود مقابر جماعية في حي دراجة الأولى في مدينة الفاشر بفضل استخدام صور الأقمار الاصطناعية ما يؤكد وجود مقابر جماعية في المدينة.

ناثانيل رايموند هو عضو إدارة “هيومانيتاريان ريسرش لاب Humanitarian Research Lab للبحوث الإنسانية في جامعة ييل الأمريكية، أوضح لفريق تحرير مراقبون فرانس 24 بأن الآثار الحمراء للدعم ظهرت في “مناطق لم تكن فيها قوات الدعم السريع موجودة في الأيام السابقة”. كما أوضح أيضا بأن “هذه الآثار ظهرت بالقرب من عربات قادرة على نقل رشاشات ومدفعية ثقيلة”. واللون الأحمر يظهر بشكل آلى بالقرب من أجسام تشبه إلى حد ما جثة بشرية”.

“لا نتوصل إلى نتائج بالاستعانة فقط بصور الأقمار الاصطناعية”
” لا نستخلص نتائج بالاستعانة فقط من صور الأقمار الاصطناعية” يقول من جهته بنجامين ستريك الذي قام أيضا بتغطية انتهاكات قوات الدعم السريع في الفاشر مع اللجنة الدولية مركز (سي إي إر) انطلاقا من صور أخرى التقطتها أقمار اصطناعية.
ويوضح بنجامين ستريك ضرورة أن تكون هناك قدرة على وضع هذه الصور في سياقها بالاعتماد على معطيات واقعية أخرى، و يضيف قائلا:

“هل تم بث تقارير صحفية أعدها صحافيون محليون أو من مصادر موجودة على الأرض أكدت بأنه وقعت تجاوزات بالفعل ووثقتها صور الأقمار الاصطناعية؟ هل تم نشر مقاطع فيديو يمكن أن تثبت هذه المعلومات؟ من المهم التفكير فيما تكشفه صور الأقمار الاصطناعية وما يمكن أن نستخلصه من خلالها. لا يمكن لنا في الحقيقة التأكد من وقوع إبادة فقط من خلال صور أقمار اصطناعية لوحدها. وبالتالي فإنه من الضروري أخذ عدة عوامل في عين الاعتبار”.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

بولس: هناك حاجة ملحة لضمان وقف دائم لإطلاق النار في السودان

ترجمات – أبوظبي: أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، الجمعة، أن …