صولة الفساد (2): فن المحافظة على الذيلية! .. بقلم: د. مرتضى الغالي
10 مايو, 2018
د. مرتضى الغالي, منبر الرأي
29 زيارة
بالأمس سبقت دولة عربية كبيرة بإعلان حق الحماية للمبلّغين عن الفساد؛ وحثت الجمهور والأفراد على تعقّب وملاحقة حالات الفساد والإسراع بالإبلاغ بما لديهم من معلومات مع ضمان حمايتهم؛ وكان الناس يظنون إنها آخر دولة يمكن أن تعلن عن نظام حماية (ضاربي صفارات الإنذار) التي تزعج أركان الفساد، وذلك بسبب السمة المحافظة لنظامها القضائي والإداري! وهكذا نحن دايماً في هذا الزمن السياسي المأفون؛ مسبوقون إلى كل خير، وسبّاقون إلى كل (خيبة)! وكما يقول الإمام الزمخشري (وعهدتني في كل شرٍ أولاً…فلعلني في بعض خيرٍ آخرُ)!
ولك أن تنظر أين تقبع بلادنا في تقارير الدنيا وقوائم (الدول النايمة) والأقل نمواً، والدول الأقل شفافية، والأكثر أمراضاً (مستوطنة وزائرة) والأسوأ قوانين إستثمار، والأدني مخصصات رعاية صحية، والأعلى في ماركات وأعداد سيارات المسؤولين، وفي (المنجَهة) التي لا تليق مثل (ود أب زهانه) الذي يأكل في الفندق وينام في الجامع!
هي عودة أخرى الي حكاية (ضارب الزمبارة) في الثقافة الغربية الذي يتيح له القانون أن يقول: تعالوا وأنظروا..هنا حالة فساد! ويقدّم ما بين يديه من معلومات تحصّل عليها بالقرب من مكان الواقعة أو بالعمل من داخل المؤسسة أو بالمعرفة اللصيقة لحالة شخص كان يعرف فقره، ويعرف مرتبه الشهري، ويعلم يقيناً أنه كان (عدمان صرمان).. ثم يراه فجأة وبين عشية وضحاها يتطاول في البنيان، و(يتعدّد) في الشركات والزوجات والمليارات والتوكيلات؛ وهذا ليس أمر (قطعه الناس من راسهم) بل هو تقليد معروف في التشريعات وفي قوانين الثراء الحرام والمشبوه و(من أين لك هذا).. ولكن لا أحد عندنا يريد أن ينفض الغبار عن هذا التشريع، ولا بد أن هناك (سبب وجيه) لهذه الممانعة! ولعلهم يخشون أن يرتد عليهم هذا الإجراء في (هجمة معاكسة) وبذلك يعطلونه لأنه يماثل حسب فهمهم ما يعرف في كرة القدم (بالنيران الصديقة) كناية عن ذلك الهدف الذي يسجله المدافع في مرماه!
هذه هي (الحلقة المفقودة) التي بغير وجودها لا يمكن التقدم (ولا خطوة واحدة) في مكافحة الفساد؛ كما أن هناك (قوى غيبية) تقف دون تشكيل مفوضية مكافحة الفساد، وترفض السماح بإنطلاق عملها، مع ان المفوضية لا تحاكم ولا تسجن؛، فهي ليست هيئة قضائية، ولا تقوم بتوجيه الاتهام إنما هي مرحلة يتم فيها تلقي المعلومات من أفراد المجتمع وجمعها ومضاهاتها، ثم الوصول إلى قناعة مبدئية بأن هناك شبهة فساد ينبغي أن ترفع للجهات العدلية، وهي بذلك بجانب مهام الرصد والتوعية تلعب دور (العتبة الوسطى) بين المجتمع والقضاء، وبين الشبهات العامة وما يرقى إلى التحقيقات القضائية!
هذا علاوة على أن (طبخة) تعطيل قانون رفع الحصانات قد فاحت رائحتها بعد أن (شاطت فطيرتها وحرقت بصلتها).. والخلاصة لا أحد يتحمس لرفع الحصانة عن المشبوهين، مع أن الأولى أن يبادر كل من ترد حوله شبهة ويطالب برفع الحصانة عنه حتى يبرئ ذمته ويصون سمعته أمام المجتمع وأمام أهل بيته.. قبل أن يقف أمام رب العالمين!
murtadamore@yahoo.com