صولة الفساد (3-3): “الشمارات” الحميدة! .. بقلم: د. مرتضى الغالي

 

والله لن أبرح حكاية (ضارب الصفارة) المبلّغ عن الفساد حتى أشير إلى سببين رئيسين يعطيان هذه المهمة وجاهتها وجدواها: الأول يتعلق بخاصية المجتمع السوداني، فالناس يعرفون أحوال بعضهم بصورة لصيقة قد لا تتوفر في كثير من بلاد ومجتمعات العالم الأخرى! فلا شئ يغيب على ملاحظة السودانيين وعيونهم الفاحصة و(آذانهم المرهفة)! وإذا رجعنا إلي مُجمل تاريخ السودان الحديث، منذ فترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي والفترة السابقة للإستقلال والتي أعقبته وحتى اليوم، فإن الناس يعرفون البيوتات ذات الثراء، وأغنياء المدينة والريف، ومرتبات الأفندية ودخول العاملين، وأحوال التجار الصغار والكبار، وأصحاب المشروعات الزراعية، والوارثين ومُلّاك العقارات، كما يعرفون أحوال الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة و(الجيوب المقدودة)، وأين يسكن فلان وكيف انتقل من حي إلى آخر.. ومعنى ذلك أنه لا أحد يستطيع أن (يبلف) الناس ويزعم أنه كان ثرياً (بالدس)، أو أنه شيّد المدرسة ذات الطوابق وبالقرميد الأحمر مثل بيوت لوردات الانجليز من عائد بيع حواشة والده!

هذه واحدة والثانية ان (الانقلاب العثماني) الحقيقي حدث في عالم الثروة في السودان بطريقة مذهلة! حيث افتقر الأغنياء وأثرى المعدمون بصورة لم تحدث في تاريخ الثورة الصناعية والقفزة الرأسمالية الهادرة! وليس من بأس أن يغتني المعدمون أو يفتقر الأثرياء في ظروف طبيعية، بشرط ألا تكون وسائل إغتناء المعدمين عن طريق الوظيفة العامة أو من ريع المال العام؛ فلا أحد يغلق باب الإجتهاد في التجارة والصناعة والخدمات، لكن أن يكون باب الثروة عن طريق إساءة استخدام النفوذ أو استغلال المنصب والموقع الديواني أو السياسي فتلك هي المصيبة! وإذا لم يكن ذلك كذلك قولوا لنا من هم أثرياء اليوم؟ وما هي صناعتهم، وأين مؤسسات إنتاجهم وقيمتهم المضافة وبنياتهم الأساسية التي تسهم في تطوير البلاد ورفاه السكان.. ولنقل تيسير حياة السكان ..فأين نحن من الرفاه!

هناك صمت عجيب عن الإفقار المُمنهح الذي حدث لرجال الأعمال العصاميين، والإحلال الذي تم بخطوات محسوبة من أجل أن يتواءم وجود الأثرياء الجدد في (السوق) مع التمكين الذي تم في (الدوواين) وفي كل مفاصل دولاب الدولة! وهنا لا بد من نظر وبصر من أجل إيقاف هذا الخلل و(إطلاق الصافرة) لفرملة هذا الزحف التي قلب الحياة السودانية رأسا على عقب!

إن ضارب الصفارة كما تصفه الأدبيات المعنية بنظافة المجتمع هو الشخص المسموح له بالإبلاغ عن أي معلومات أو أنشطة تدخل في عداد الافعال غير القانونية وغير الأخلاقية وغير الصحيحة في مجال القطاع العام أو الخاص؛ ويمكن تصنيف هذه المعلومات على عدة طرق؛ منها انتهاك القوانين والأحكام، وتهديد مصالح الجمهور والأمن المجتمعي، ومنها التزوير والإختلاس واستغلال الوظيفة وتجيير المال العام لمنفعة خاصة..وعلي ضاربي الصفارة نقل معلوماتهم أو دعاويهم الى السطح داخل منظومة العمل أو خارجها، مثل الصحافة وأجهزة الدولة ومنفّذي القانون، وعليهم أن يتوقعوا ردة الفعل العنيفة من المشبوهين، ولكن على الدولة حمايتهم إذا كانت فعلاً تريد محاربة الفساد وإلا ..فيا فؤادي رحم الله الهوى!

murtadamore@yahoo.com
///////////////////

عن د. مرتضى الغالي

د. مرتضى الغالي

شاهد أيضاً

مؤتمر ميونخ: العالم يرتعد والبلابسة يتشاكسون حول عطاء جسر الحلفايا وإيجارات منازل الوزراء..!

مؤتمر ميونخ العالمي للأمن هو مؤتمر تداولي دوري يعقد كل عام ويحظي باهتمام كبير، وتوضع …

اترك تعليقاً