نشر طارق الأمين قصيدة عذبة على صفحة خليفة حسن بلة بهذه الجريدة (الخرطوم) أشهر حبه على السودان على طريقة الفحل ما عواف. مثلاً قال إنه يحب الآتية اسماءهم ممن في عقيدتهم أن من يحبهم معاً آثم ومرتد ودين كلب:
أحب ميدان ابو جنزير
وأغاني خضر بشير والصير
بحب عرمان وسلفا كير
ومنكر في القبر ونكير
بحب عمر البشير كمشير
وربما “بالغ” حين جمع بين الأضداد المطلقة هكذا:
وأحب متمردي دارفور وحكاياتهم
وأحب الجنجويد ذاتم.
ليس طارق ساذجاً. ولكنه متفائل وماكر. فحبه لمفردات الأمة المتشاحنة شغل تخييلي يحمي الأمة من ذاتها الأمّارة ومن حروبها التي وقفت بها عند جرف هار. فشغل الفنان هو احتواء الوطن ولم شعثه حين يكاد يذهب بددا. فهو يعرف أن الوطن ذرات ولا تخلو شظية من شظاياه من خردلة منها. وكثيراً ما قلت للتحريض على الوطنية أن نكن مثل صائغ الذهب. فهو لا يرمي بكناسته خارج الدكان بل لداخله. لأن في كل مفردة منها ربما كمنت نطفة ذهب. وأضطر كرهنا واحدنا الآخر طارقاً أن يحب بالجد ومن غير حد طمعاً إلا تغرب شرارة من الوطن عن المشهد. لقد استنفدنا ذخيرتنا الحية من الكراهية ذاتها ولم تعد هي الحل. بل الوطن هو الحل.
يحب بالجد من غير حد.
لا أعرف جنس شعر طارق ولكنه يذكرني بعمتي سعيدة التي كانت لا تنام ليلاً قبل تحصين كل أخ أو أخت لها وذريتهما ب”جناح جبرين”. فحتى الخرف لم يمسح عنها هذا التأمين الليلي للسبط.
طارق، كفنان، عابث كبير. وتجسد لي ذلك في مقطع عن حبه لأحدهم من مجرد قراءة إعلان بالصحف عن تجارته. وهذا الأحد هو رفيقنا المهندس الدكتور البروفسير عبد المنعم عطية:
أحب دكتور مهندس بروفسير
عبد المنعم عطية
صحي ما شفتو قبال ده
ولا لاقتني كورساتو المكثفة بالألمانية
بس عاجبني أسمو شديد
ويكون زول عندو شخصية
ولا بد أن منكم من إطلع على الإعلان المتكرر للكورسات المكثفة للألمانية التي ينظمها المهندس الدكتور البروفسير. وعبد المنعم زميل قديم وجاءنا في عطبرة من بورتسودان أيام “عصابة 17 نوفمبر” بتوصيلته وعمل معنا في رابطة الطلاب الشيوعيين. وهو باسل تشوب عبارته لكنة من لغة البجا وغلظة. ثم اجتمعنا بجامعة الخرطوم وكان سبباً ظاهراً لإيقاف لجنة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في 1963، وفيها أنا، لمدة عام. والسبب حمدو في بطنو. ورب ضارة نافعة. فقد هيأت لي هذه التأخيرة ( فيها خيرة) أن أشهد ثورة اكتوبر 1964 وأنا طالب بالجامعة وعضو مجلس اتحادها. ولا زلت حين أراجع نفسي أقول ما كنت فاعلاً لو لم أر الثورة من كثب ووقع التغيير أما ناظرينا وكنا هتفنا به ولم نصدق أكثر هتافنا حتى ” أنعقد جدلة عرس في يدينا . . . يا بلادي”.
لم يطرأ لطارق ذكر اسم ضمن قائمة طويلة من الأسماء أشهر الحب عليها. وأنزعجت أكثر لما رأيت قائمته شملت معظم كتاب الأعمدة وأنا من شيوخهم: مرتضي الغالي وعثمان ميرغني والبوني وزهير وحسين (خوجلي) ووراق . . . ومنصور خالد. وبمناسبة وراق لم أعرف بعد لو ذكرني ضمن “مثقفي الثورة” كما ذكر البطل أم أنه داس أبنص. والمسكين جضل. وبالطبع عذرت طارق لأني اسمي مشكلة. شوف: عبد الله علي إبراهيم. دا يشعرنو كيف ويحبو كيف. وقال لي الشاعر سعد الدين حين ترشحت للرئاسة يا خي اسمك ما رئاسي.
وتسهيلاً للأمر أعلن لطارق ومن لف لفه إنني من اليوم فصايصاً (في فكاهة معروفة للمرحوم عبد الكريم إسكدر) اسمي شقتت. وهو اسم الأسرة مثل شقدي، وحمور، وابو عيسى، والجزولي. ساهل في الخشم. ولن أتهاون بعد هذه التنزيلات في من يفوتني حوفه من الذكر. وشقتت من الشقاوة ووثقت لذلك في كتابي “المهدي والعلماء”. وحقنا ما بنخليه وحق الناس بنقالع فيه. فاسمع أغنية “طاريكي يا أم درق” وستجدنا مذكورين فيها:
حليل الشقتاب الكانت منابر
ولم يأت هذا الذكر بأخويا واخوك. فقد نَسِينا الشاعر قريبنا أيضاً. فركب تكاسة الشقتاب بقيادة إبراهيم عطا المنان وطوقوا بيته (أظن في ديم القنا يا طارق) بالمنفلات:
إذا الملك الجبار صعر خده ذهبنا إليه بالسيوف نعاتبه
وخضع الشاعر لضغط الشقتاب وأثبت لنا “منبريتنا” بين أهل الجزيرة الغارقة. ولابد أنك لاحظت أن إهمال “مثقفاتية” الجزر قديم منذ غرق أم درق.
غرد فينا ايها الصدّاح طارق وذكرنا بنقص مناعتنا للحب:
متين يكبر معانا الحب
متين نعرف نعيش الحب
بدون أدنى إنتهازية
متين حتشيلني في عيونك
وأشيلك جو عينية
IbrahimA@missouri.edu
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم