طيف من البطانة

osmanmsalih@hotmail.com
طيف من سهل البطانة

بين الفينة والأخرى يلوح لي طيف محمد كُوكُو مجلجل القهقهات كأنها تخرج من جوف مارد. تتناهى إلي القهقهات من بعيد فاعلم أني اقترب من قريتي وأنا بين جمع من الركاب يحملنا من سوق حلفا الجديدة لوري سليمان دَشَق متربعاً في أعاليه على التَنْدة ٱدخِّن لفافة القامشة، أو معلَّقاً مع آخرين على جانب اللوري مثل مشابك الغسيل مغبراً مع اامغبّرين اتشبث بألواح الحديد الصلب وانا اترنح في العجاج الثائر المتصاعد من تحت عجلات اللوري المندفع على الطريق الترابي غير المرصوف. يشقُّ اللوري طريقه متجاوزاً حواشات الأملاك عابراً بين صفَّين من البيوت في مقدمة القرية قاصداً موقفه الأخير في وسط القرية بين النادي والمسجد والمطعم التابع لمخبز عثمان شُلُك ودكان علي خليل. ندفع المعلوم للسائق المقلِّ في كلامه الملفوف الوجه بالعمامة المضفورة كأنها كدمول، ومن بين شفتيه تبرز دائماً سيجارة برنجي، ندفع له الأجرة المعلومة ثم نتشتت في الأنحاء، فمنَّا من يولِّي وجهه صوب كَلَوهوش، ومنَّا من يذهب الى أوروهوش، ومنَّا من يقصد جِمَي، ومنَّا من وجهته الصين الشعبية أو كمبو البني عامر القريب من الصهريج، أو يذهب أبعد من ذلك قاصداً كمبو برية في حواشات إتناشرات.

يلوح لي محمد كوكو بسحنته القمحية وقامته المائلة إلى القصر موسوم الوجه بفصد قديم في صدغه الأيمن مزدوج ظاهر وغائر، متربعاً ككوميدي ساخر لايشق له غبار، متوسطاً جماعة من أهل القرية خمستاشر مجتمعين تحت سقيفة شعبان يتجاذبون أطراف الحديث وهم يحتسون شاي مابعد الفطور في يوم الجمعة ويضحكون لطرافة ما حكاه لهم محمد كوكو. أتذكره كأحد الذين يتجنبون بقدر المستطاع ارتداء الزيِّ الافرنجي إلا مضطراً للعمل في المدينة، حتى صار الجلباب الأبيض والنعال المصنوع من الجلد جزء اً من صورته النمطية المحفوظة عند أهله ومعارفه. في مشهد آخر أراه يتوسَّط صفاً من الراقصين في عرس قديم ذائع الصيت من أعراس قريتنا التي يجتر الناس ذكراها كعلامات مضيئة في مسار الزمن سُرَّ فيها الناس سروراً عظيماً. أعراس خالدة استنهضت طاقة البلدة وأفرحت فيها المقيمين، وجلبت اليهم الرائحين، وهدت الضائعين، وردَّت المهاجرين إلى ديارهم سالمين ببركة تلك الزيجات. يعجُّ بالضيوف ميدان العرس المفروش بحصائر من سعف الدوم المضفور. تطوف على المعازيم صواني العشاء. وبعد أن يفرغ الناس من طعام العشاء ينصرفون إلى البيوت إلا قلَّة قليلة تبقى في المكان شبه المقفر بعد العشاء. يبدأ توافد الناس للحفل في نحو الساعة التاسعة مساء ًا. عندها سترى قريباً من المكان الذي سيقف فيه المغنِّي بعد قليل دَكَّة فُلَّة أكثر الضاربين على الطار شهرةً، وهو يُمسك بالطار بين يديه ويُصْلي جلده في لهب (الكانون) الموقد الكبير. ثم يصدح المغني بالغناء فتسطع أضواء الرتائن منعكسة على وجوه الراقصات والراقصين. يبلغ النشوة في الرقص أبرع الراقصين وفي صدارتهم محمد كوكو فتحسبهم موشكين على الاقلاع والسباحة في السماء الفسيحة. يطيرون خفافاً كنوع جديد غير مكتشف من أوز النيل متشابكي الأيادي تهفهف في الأعالي جلالبيبهم البِيض المنتفخة بالهواء وتسحبهم إلى الأعلى، وتدفعهم في رحابة السماء نحو طريق التيرف فمخيَّم الرشايدة فمبنى المطار الساكن الذي نادراً ما كانت تهبط في مدرجه طائرات فقريتي القَفَلة وشَلَكَي ثم نهر ساسَريب. يحلِّقون برهة فوق أشجار السدر واللالوب في الغابة التي تحيط بمجرى النهر، ثم يسرعون في العودة إلى القرية ليحطوا في ساحة العرس قبل أن يختم المغنِّي الأغنية التي جعلتهم يقلعون ويطيرون. يتلقاهم حِسُّ الطار الملعلِع بين يدي دَكَّة فُلَّة عند هبوطهم من السماء بعد الرحلة إلى ساسريب وهم في غاية النشوة يتمايلون كصفق الشجر حتى يستقروا على أديم الأرض وينخرطوا في حمى الرقص من جديد وتفسح لهم مكاناً بينها صفوف الراقصين وهي تستقيم تقابلها صفوف من الراقصات. تكثر الصفوف وتتمدّد وتتزاحم في الساحة الترابية فلاتجد لك مكاناً ترقص فيه حين ينتصف الليل ويبلغ الفرح ذروته ويتعالى الغناء العذب مرفوعاً إلى السماء ليباركه الخالق ويبارك هذا العرس، ويبارك اهلي وقريتنا الصغيرة.

عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
17.02.2026

عن عثمان محمد صالح

شاهد أيضاً

الكلب والتمثال

بين الحين والآخر تسوقنا الأقدام، نازك وأنا، أثناء تجوالنا بلاغاية بعينها سوى الترويح عن النفس …