طيّ الوعي: السودان بين محاولة التغييب واستعادة البصيرة
قراءة نقدية في بنية الوعي الجمعي تحت ضغط الحرب
بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
تُظهر التجارب التاريخية الكبرى أن الحروب لا تُدار بالسلاح وحده، بل تُدار كذلك في فضاء الوعي. فقبل أن تُهدم المدن أو تُستنزف الاقتصادات، تُستهدف منظومات الإدراك التي تشكّل فهم المجتمعات لذاتها ولما يجري حولها. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى ما يجري في السودان اليوم ليس فقط بوصفه صراعاً عسكرياً أو أزمة دولة، بل بوصفه أيضاً محاولة منهجية لطيّ الوعي الجمعي وإعادة تشكيله وفق سرديات تُنتجها الحرب وتخدم استمرارها.
إن مفهوم طيّ الوعي في هذا السياق يتجاوز دلالته اللغوية المباشرة، ليشير إلى عملية مركّبة من الإزاحة المعرفية والتضليل الرمزي، حيث تُدفع المجتمعات إلى تفسير واقعها عبر منظومات إدراك جزئية أو مشوّهة. فالحرب، بطبيعتها، تُنتج خطاباً يختزل الواقع في ثنائيات حادة: صديق وعدو، خيانة وولاء، وطنية وخروج عن الصف. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الخطاب إلى إطار إدراكي يُعيد تشكيل فهم الناس للوقائع، بحيث تُختزل التعقيدات البنيوية للأزمة في سرديات تبسيطية تخدم منطق الصراع.
وفي الحالة السودانية، تتجلى هذه الظاهرة في تعدد السرديات المتنافسة التي تحاول كل منها احتكار تفسير ما يجري. فبدلاً من النظر إلى الأزمة بوصفها نتيجة تراكم تاريخي طويل من الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تُقدَّم الحرب أحياناً في صورة مواجهة قدرية لا بد منها، أو صراع صفري لا يحتمل المساءلة النقدية. وبهذا المعنى يصبح إنتاج الوعي نفسه ساحةً من ساحات الصراع، حيث تتنافس الخطابات المختلفة على تشكيل الإدراك الجمعي للمجتمع.
غير أن أخطر ما في عملية طيّ الوعي ليس مجرد تضليل المعلومات، بل تعطيل القدرة النقدية للمجتمع. فعندما يُستبدل التفكير التحليلي بالتعبئة العاطفية، وعندما يُختزل النقاش العام في شعارات متقابلة، يفقد المجتمع تدريجياً قدرته على مساءلة البنى العميقة للأزمة. وهنا يتحول الوعي من أداة لفهم الواقع إلى أداة لإعادة إنتاجه كما هو.
لقد عرفت المجتمعات التي مرّت بحروب طويلة ظاهرة مشابهة، حيث تتشكل مع الزمن ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الوعي الحربي”، وهو نظام رمزي يُعاد فيه توزيع المعاني والقيم وفق مقتضيات الصراع. ففي ظل هذا الاقتصاد الرمزي، تصبح بعض الأسئلة محرّمة، وبعض الحقائق مؤجلة، وبعض الوقائع خاضعة للتأويل الانتقائي. وبذلك يتراجع المجال العام بوصفه فضاءً للنقاش العقلاني، ليحل محله فضاء تعبوي تحكمه الانفعالات والاصطفافات.
وفي السودان، حيث تتقاطع الحرب مع تاريخ طويل من الأزمات البنيوية للدولة، يصبح خطر طيّ الوعي أكثر عمقاً. فالأزمة الحالية ليست حدثاً معزولاً، بل هي نتاج تفاعل معقد بين ضعف مؤسسات الدولة، واختلالات الاقتصاد السياسي، وتعقيدات إدارة التنوع الاجتماعي والثقافي. غير أن الخطاب الحربي يميل إلى حجب هذه الجذور البنيوية، لأنه يختزل الأزمة في معركة آنية لا تتجاوز حدود اللحظة.
ومن هنا تتضح المفارقة الأساسية: فالحرب التي تبدو في ظاهرها صراعاً على السلطة أو النفوذ، تتحول في باطنها إلى صراع على الوعي ذاته. فمن ينجح في صياغة الرواية الأكثر حضوراً في المجال العام يمتلك القدرة على توجيه إدراك المجتمع نحو تفسير محدد للأحداث، وبالتالي نحو خيارات سياسية واجتماعية بعينها.
لكن التاريخ الاجتماعي يبيّن أن المجتمعات ليست مجرد متلقٍ سلبي لهذه السرديات. فالوعي الجمعي، رغم قابليته للتأثر بالخطاب السائد، يمتلك أيضاً قدرة كامنة على المراجعة واستعادة البصيرة. وهذه القدرة تنبع من تراكم الخبرة التاريخية ومن وجود تقاليد ثقافية وفكرية تسمح بإعادة التفكير في المسارات التي يقود إليها الصراع.
إن استعادة البصيرة في الحالة السودانية لا تعني مجرد كشف التضليل الإعلامي أو تفنيد الروايات الجزئية، بل تعني بالأساس إعادة بناء العلاقة بين المجتمع ووعيه بذاته. فالبصيرة هنا ليست معرفة معلوماتية فحسب، بل هي وعي نقدي قادر على تجاوز منطق الاصطفاف الحربي، والعودة إلى الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمستقبل الدولة والمجتمع.
ويتطلب ذلك إعادة فتح المجال العام للنقاش العقلاني، بحيث يصبح المجتمع قادراً على مساءلة الخطابات التي تنتجها الحرب بدلاً من الانخراط غير الواعي فيها. فالمجتمعات التي تنجح في تجاوز الحروب هي تلك التي تتمكن من تحرير وعيها من أسر السرديات الأحادية، وإعادة قراءة واقعها في ضوء رؤية تاريخية أوسع.
ومن هذا المنظور، فإن استعادة البصيرة ليست مهمة نخبوية فحسب، بل هي عملية اجتماعية شاملة تتطلب مشاركة مختلف الفاعلين في المجال العام: المثقفين، والباحثين، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وسائر القوى الاجتماعية. فإعادة بناء الوعي لا تتم عبر خطاب فردي معزول، بل عبر تفاعل جماعي يعيد إنتاج المعنى في الفضاء العام.
إن أخطر ما تفرضه أجندة الحرب هو محاولة تحويل المجتمع إلى كتلة منفعلة تتحرك وفق إيقاع الصراع، بينما يتراجع التفكير النقدي إلى الهامش. ولذلك فإن مقاومة طيّ الوعي تصبح في حد ذاتها فعل مقاومة معرفية، لأنها تعيد الاعتبار للعقل الجمعي بوصفه أداة لفهم الواقع وتغييره.
وعليه، فإن الخروج من مأزق الحرب في السودان لا يمكن أن يتحقق فقط عبر تسويات سياسية أو ترتيبات أمنية، مهما كانت أهميتها. فهذه الإجراءات، على ضرورتها، تظل قاصرة ما لم يواكبها تحول عميق في الوعي الجمعي يعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين السلطة والمسؤولية، وبين السياسة والأخلاق العامة.
إن استعادة البصيرة، في جوهرها، هي لحظة تاريخية يدرك فيها المجتمع أن استمرار الصراع ليس قدراً محتوماً، وأن السرديات التي تنتجها الحرب ليست حقائق نهائية. ومن هنا تنشأ إمكانية الخروج من الحلقة المغلقة التي يعيد فيها العنف إنتاج نفسه.
وفي المحصلة، يمكن القول إن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بمآلات المعركة على الأرض، بل أيضاً بنتيجة المعركة الدائرة في فضاء الوعي. فإذا نجحت أجندة الحرب في طيّ الوعي الجمعي، فإن الصراع سيجد دائماً أسباباً جديدة للاستمرار. أما إذا تمكن المجتمع من استعادة بصيرته، عبر وعي جمعي ناقد ومقاوم لمحاولات التغييب، فإن الطريق سيفتح أمام إمكانية بناء أفق تاريخي جديد يتجاوز منطق الحرب نحو منطق الدولة والمجتمع.
وهكذا تصبح استعادة البصيرة ليست مجرد خيار فكري، بل ضرورة وجودية لمجتمع يسعى إلى إنقاذ مستقبله من ظلمات الحرب وإعادة تأسيسه على قاعدة الوعي والحرية والمسؤولية التاريخية
الدوحة ١٣-٣-٢٠٢٦
صلاح الحبو
habobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم