الصادق حمدين
عيد بأيِّ حال تعود يا عيد؟
أبِما مضى… أم “بعار” فيك تجديد
تعود لا خفيفاً كما ينبغي للأعياد أن تكون، بل مثقلاً بحزن مقيم… محمّلاً بوجع قديم لا يشيخ، وبذاكرة دامية لا تنطفئ.
لا بهجة هنا،
لا فسحة للنسيان،
لا هدنة مع حزن القلب.
فقط وجوه حاضرة لا تغيب،
وجوه الشهداء، واضحة كأنها الآن، كأنها أقرب من الحاضر نفسه.
وفقط أصوات الفاجعة
تتردد، تتكرّر، تتكاثر،
كأن الزمن لم يمض، كأن ما حدث لم يصبح ماضيا قط.
تعود، لا حاملاً فرحاً، بل مثقلاً بأوجاع متراكمة، تتقدّمك ذاكرة دامية لا تنطفئ؛ فقط وجوه الشهداء تلوح في الأفق، وأصوات الفاجعة تتردد كأنها حدثت البارحة، لا قبل أعوام.
في ذكرى أعياد الحزن التي اقترنت بفضِّ اعتصام القيادة العامة، لا مجال للتخفيف أو التجاهل: نحن أمام جريمة غائرة في صميم الإنسانية. دماءٌ سُفكت ببرود لا يُوصف، وساحات طالبت بالعدالة والسلام والحرية تحوّلت إلى مذابح مفتوحة.
هناك، تجرّد القتلة من كل قيد أخلاقي، فقتلوا الثوار غدراً وغيلة، وانتهكوا الأعراض بلا وازع، وألقوا بالشباب النضر في النيل بعد أن أثقلوا أجسادهم بالحجارة وشدوا وثاقهم بالحبال، كأنهم يسعون لمحوهم من الوجود ومن الذاكرة معاً.
لكنهم فشلوا؛ لأن الذاكرة التي تُكتب بالدم لا تُمحى، والنيل نفسه يلفظ أسرار الغدر ولا يبتلعها، والحجارة نطقت بالجرم المشهود وكأنها تتبرأ من آثام من فعلوه بها. والحبال تنكرت من المشهد وكأنها لم تكن جزء منه، وما الجمادات إلا كائنات انطقها الله لتكون على المجرمين شهوداً.
وعندما احتمى الثوار ببوابة القيادة العامة، لم يكونوا يهربون، بل كانوا يلجأون إلى ما ظنّوه حصناً للوطن. لكن الصدمة كانت أشد من الرصاص: خذلان كامل من مؤسسة كان يُفترض أن تحميهم. هناك، سقط القناع، وانكشف العار؛ حين يصبح الصمت تواطؤاً، والحياد خيانة، والجبن حيلة العاجز، وحين يتخلى الحامي عن دوره، يتحول الوطن كله إلى ساحة مستباحة للطغيان وجرذان الظلام.
وفي هذا العيد الذي لا يشبه الأعياد، نقف أمام أسر الشهداء لا بالكلمات وحدها، بل باعتراف صريح: أنتم تحملون وجع أمة بأكملها. كل عام وأنتم أكثر صلابةً من الألم، وأكثر حضوراً من الغياب. نعاهدكم أن دماء أبنائكم لن تُركن في زوايا النسيان، وأن أسماءهم ستظل ناراً في ضمير هذا الشعب، وأن العدالة، مهما طال حصارها، لن تُهزم.
أما عبد الفتاح البرهان قائد المجزرة وبوصلتها، ذلك الحالم الذي تحركه أوهام مجالس “الخندريس”، فلم يعد مجرد قائد محل جدل، بل صار، في نظر كثيرين، رمزاً لحقبة سوداء تتكثف فيها معاني القمع والغدر. اسمه مقترن بذاكرة مثقلة بالدم، وسلطته قائمة على إرث من الانتهاكات التي لا يمكن تبريرها أو طمسها.
الشارع الذي صبر طويلاً لم يعد يهمس، بل يصرخ: ارحل. ارحل، فقد ضاقت بك الأرض التي رُويت بدماء الشهداء، ولم يعد لك فيها موضع قدم بلا مساءلة. ارحل، لأن بقاءك لم يعد إلا استمراراً لجرحٍ مفتوح، ولحظة لم تكتمل عدالتها بعد.
لقد بلغ الغضب ذروته، وتجاوز الألم حدوده، ولم يعد في الصبر متسع. هذا وطن جُبل بالدم لكنه لم ينكسر، وشعب واجه الموت لكنه لم يصمت. السؤال الذي يلاحق كل هذه الفصول الدامية لن يختفي: تأخرت العدالة ووقت الحساب لا نقول متى؟ ولكن مهما تأخرت الإجابة، انها كامنة في إرادة لا تُقهر. إنها إرادة هادرة حين تصدح الحناجر بالهتاف تختفي الجرذان الملتحية في جحورها.
عيدٌ بأي حال عدت يا عيد… عدت شاهداً على الجريمة، لكنك أيضاً تحمل، رغم كل شيء، نُذر نهاية هذا الليل الطويل. فقد قال الشعب كلمته، وأسقط هيبة الخوف، وأعلن أن آلة القتل، مهما تمادت، لن تجد لها موطئ قدم في أرض تعرف جيداً كيف تنتزع فجرها من بين أنياب الظلام. وحرية سلام وعدالة ليست مجرد شعار بل انها كلمات أصبحت بالنسبة لشباب ثورةديسمبر المجيدة نشيد حياة.
umniaissa@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم